6 أشهر
هل أصبحت أدوات الذكاء الصناعي سلاحاً جديداً في معارك التضليل الإعلامي في سوريا؟
الجمعة، 28 نوفمبر 2025
تعيش سوريا في مرحلة "ما بعد التحرير" تحولات إعلامية غير مسبوقة؛ إذ اتسع الفضاء الرقمي ليصبح "الساحة البديلة" والمصدر الأول للمعلومات. إلا أن هذا الانفتاح رافقه تحدٍ خطير تمثل في طوفان من المحتوى المضلل الذي لم يعد يعتمد على الشائعات التقليدية فحسب، بل بات مدعوماً بتقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) كأداة متطورة في "الحروب المعلوماتية".
وفي ظل غياب المرجعية الإعلامية الموحدة وتكاثر الحسابات الوهمية، يجد الجمهور السوري نفسه أمام مواد بصرية ونصية تبدو شديدة الواقعية، لكنها في الحقيقة مجرد "وهم رقمي" تم صنعه أو تعديله بالكامل.
فضاء رقمي مضطرب وسط فراغ المؤسسات
مع طي صفحة النظام السابق، دخل السوريون حقبة الانفتاح المعلوماتي الشامل. باتت منصات التواصل الاجتماعي هي "ترمومتر" الشارع ومصدر الخبر العاجل، في وقت تراجعت فيه قدرة المؤسسات الإعلامية التقليدية على ملاحقة سرعة تدفق البيانات وتفنيدها لحظياً. هذا الفراغ استغلته جهات عدة؛ فمع كل حدث مفصلي—سواء كان توتراً في الساحل والجنوب، أو تحولاً في العلاقات الإقليمية—تعود ماكينات التضليل للعمل. اللافت هنا هو التحول النوعي: الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي لتوليد صور وفيديوهات وبيانات، لا تهدف فقط للتشويش، بل لإعادة توجيه الرأي العام وخلق حالة من الإرباك الأمني والسياسي.
تفكيك المصطلح: ماذا نعني بالتضليل؟
لفهم طبيعة المعركة، يجب التمييز بين مستويات الخلل المعلوماتي التي تضرب الفضاء السوري حالياً:
المعلومات الخاطئة (Misinformation): نشر أخبار غير صحيحة (عن طريق الخطأ) دون نية مبيتة للإضرار.
المعلومات المضللة (Disinformation): صناعة ونشر معلومات مزيفة عمداً (عن سبق إصرار) بهدف الإضرار السياسي أو الاجتماعي.
المعلومات الضارة (Malinformation): توظيف معلومات حقيقية (كتسريبات خاصة) وإخراجها عن سياقها لإلحاق الأذى. وقد شهدت سوريا مؤخراً مزيجاً مكثفاً من الأنواع الثلاثة، تغذيه قنوات تواصل مفتوحة تفتقر لآليات التحقق والضبط.
الذكاء الاصطناعي.. ترسانة التزييف الجديدة
لم يعد التزييف يتطلب خبراء في المونتاج؛ فقد وفرت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) قدرات هائلة ومتاحة للجميع لخلق واقع بديل، ومن أبرز آليات عملها:
التوليد البصري: إنشاء صور وفيديوهات فائقة الدقة عبر أدوات مثل (Midjourney) و(Sora).
المحاكاة البشرية: إدارة جيوش من الحسابات الوهمية (Bots) قادرة على التفاعل وكتابة التعليقات بلهجات سورية محلية متقنة.
تزييف الوثائق: صياغة نصوص وبيانات تبدو كقرارات رسمية أو تسريبات حكومية باستخدام النماذج اللغوية.
الهلوسة المعلوماتية: تقديم إجابات مفبركة عند سؤال روبوتات الدردشة عن أحداث سورية حساسة.
وقائع مرصودة: عندما خدع الـ AI الجمهور السوري
استناداً لعمليات الرصد التي قامت بها منصات تحقق موثوقة (مسبار، تأكد، وكشاف)، تم توثيق حالات استُخدمت فيها التقنية لخلق "وقائع كاذبة"، ومنها:
. تصميمات مزيفة للعملة السورية الجديدة
تداولت صفحات على فيسبوك منشورًا يزعم إصدار عملة سورية جديدة وصرف الرواتب بها الشهر القادم، وتبيّن أن الصور مولدة بالكامل بالذكاء الصناعي وليست صادرة عن البنك المركزي.
انتشر حساب وهمي يستخدم صورة مزيفة عبر دمج وجه محمد خير الشرع بوجوه شخصيات أخرى باستخدام أدوات ذكاء صناعي، بينما تعود الصورة الأصلية للطبيب المصري محمد هارون رياض المتوفى عام 2022.
صورة مزيفة تُظهر بشار الأسد كوجه إعلاني لشركة Zara
تداولت منصات صورة ادّعت أن شركة الأزياء العالمية ZARA استخدمت بشار الأسد في حملتها لعام 2026، لكن التحقق الفني كشف أنها صورة مولّدة عبر الذكاء الصناعي ولا علاقة لها بالشركة
صورة مفبركة تجمع أحمد الشرع بمقاتل من “الدعم السريع”
روّجت حسابات صورة تجمع الرئيس السوري أحمد الشرع بما قيل إنه “جزار الفاشر”، ليتبين أنها ملفقة، ومولدة انطلاقًا من صورة أصلية قديمة للشرع مع الإعلامي طاهر العمر.
صورة معدلة لاجتماع أحمد الشرع ورئيس وزراء النرويج
انتشرت صورة يدّعي ناشروها أنها توثق لحظة “ودية” بين الشرع ورئيس وزراء النرويج، لكن التحقق كشف أنها معدلة ومفبركة — وخاصة عند تداخل الأصابع والإضاءة غير الطبيعية.
صورة مولدة تُظهر الشرع يتجول في شوارع أميركا
انتشرت صورة تُظهر أحمد الشرع في أحد الشوارع الأميركية، وتبيّن أنها مولدة بالكامل عبر الذكاء الصناعي، وقد ظهر فيها خلل واضح في الإضاءة وتفاصيل الخلفية.
كيف نحمي المجتمع من "الواقع المصنوع"؟
يشكل الذكاء الاصطناعي خطراً مضاعفاً في البيئة السورية لكونها بيئة "رخوة" إعلامياً، والجمهور فيها مشحون عاطفياً وسريع التأثر بالأخبار الصادمة. يمكن لصورة واحدة مولدة أن تشعل فتيل أزمة أو تضرب الثقة العامة.
المواجهة هنا تتطلب تحركاً على ثلاثة مسارات:
دور الإعلام المهني: سد الفراغ المعلوماتي بسرعة ودقة، ودعم منصات التحقق (مثل مسبار وتأكد وكشاف) التي تلعب دور "حائط الصد" الأول عبر كشف التزييف بالأدلة التقنية.
الوعي الفردي: الرهان الأكبر يقع على المستخدم؛ فمواجهة التضليل تبدأ بـ "الشك الصحي": فحص المصدر، البحث عن الخبر في المنصات الموثوقة، ومقاومة رغبة "السبق" في النشر. التريث هو العدو الأول للتضليل.
التطلع للتنظيم القانوني: رغم صعوبة الظرف الحالي، إلا أن النظر لتجارب عالمية مثل "قانون الخدمات الرقمية" (DSA) الأوروبي، الذي يفرض شفافية على المحتوى المولد آلياً، يمثل ضرورة لتأسيس نظام حماية رقمي سوري في المستقبل.
Loading ads...
إن فهم آليات عمل هذه الأدوات وتمكين الجمهور من التفكير النقدي، هي خطوات لا غنى عنها لحماية الفضاء السوري من أن يتحول إلى ساحة للتلاعب في هذه المرحلة الحساسة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

