ساعة واحدة
الطريق إلى مجلس الشعب.. كيف وصلت سوريا إلى أول سلطة تشريعية بعد سقوط الأسد؟
الثلاثاء، 30 يونيو 2026
لم يكن الطريق إلى أول مجلس شعب بعد سقوط نظام الأسد المخلوع مجرد استحقاق انتخابي اعتيادي، بل مساراً سياسياً ودستورياً امتد لأكثر من عام ونصف، تداخلت فيه التحولات الأمنية مع الترتيبات القانونية، قبل أن يصل إلى محطته الحالية بإعلان الثلث الرئاسي المنتظر تمهيداً لانعقاد أولى جلسات المجلس.
فالمجلس المرتقب لا يُنظر إليه باعتباره برلماناً جديداً فحسب، وإنما إحدى أهم مؤسسات المرحلة الانتقالية، التي يُنتظر منها سد الفراغ التشريعي الذي رافق سقوط النظام المخلوع، وتهيئة الأرضية القانونية لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وصولاً إلى دستور دائم وانتخابات عامة في نهاية المرحلة الانتقالية.
مع سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، كان من أوائل القرارات إنهاء عمل مجلس الشعب الذي تشكل في ظل النظام المخلوع، باعتباره جزءاً من البنية السياسية التي حكمت البلاد لعقود، وبذلك دخلت البلاد لأول مرة مرحلة تدار فيها الدولة من دون سلطة تشريعية قائمة.
أدى ذلك إلى فراغ في السلطة التشريعية استمر عدة أشهر، بينما واصلت الحكومة الانتقالية إدارة شؤون الدولة عبر المراسيم والقرارات التنفيذية، بانتظار وضع إطار دستوري ينظم المرحلة الجديدة ويحدد شكل المؤسسات المقبلة.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح السؤال المطروح ليس فقط متى سيعود مجلس الشعب، وإنما أيضاً أي مجلس تحتاجه سوريا بعد الحرب؟ وهل يكون امتداداً للمؤسسات السابقة، أم بداية مختلفة لمرحلة انتقالية تستجيب للواقع السياسي الجديد؟
الإجابة بدأت تتضح في 13 آذار 2025، عندما وقع الرئيس أحمد الشرع الإعلان الدستوري، الذي وضع الإطار القانوني الحاكم للمرحلة الانتقالية.
ولم يقتصر الإعلان على تحديد شكل السلطة خلال السنوات المقبلة، بل نقل فكرة إنشاء مجلس تشريعي انتقالي من مستوى الوعود السياسية إلى نص دستوري واضح، باعتباره المؤسسة التي ستتولى التشريع خلال المرحلة الانتقالية، إلى جانب دورها في مواكبة إعادة بناء الدولة وإعداد البيئة القانونية للانتقال نحو دستور دائم.
كما حدد الإعلان الدستوري أن المرحلة الانتقالية تمتد خمس سنوات، على أن تنتهي بإقرار دستور جديد وإجراء انتخابات عامة، وهو ما منح مجلس الشعب المقبل دوراً تأسيسياً يتجاوز الدور التقليدي للبرلمانات الاعتيادية.
بعد ثلاثة أشهر تقريباً، وتحديداً في 13 حزيران 2025، انتقلت العملية من الإطار الدستوري إلى التنفيذ العملي، مع صدور مرسوم تشكيل اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب.
في ذلك الوقت، كان التصور الأولي يقوم على تشكيل مجلس يضم 150 عضواً، ينتخب ثلثاه بصورة غير مباشرة، فيما يعين رئيس الجمهورية الثلث المتبقي.
لكن هذا التصور لم يستمر طويلاً، إذ شهدت الأشهر اللاحقة مراجعة للنظام الانتخابي، انتهت بإقرار مرسوم جديد في آب 2025 رفع عدد أعضاء المجلس إلى 210 أعضاء، بينهم 140 منتخباً و70 يعينهم رئيس الجمهورية، وهي الصيغة التي استقر عليها تشكيل المجلس الحالي.
لم تعتمد السلطة الانتقالية الانتخابات العامة المباشرة لاختيار أعضاء المجلس، وإنما اختارت نظاماً استثنائياً يقوم على "الهيئات الناخبة" في المحافظات، باعتباره أكثر ملاءمة للظروف التي تمر بها البلاد بعد سنوات الحرب.
وبموجب هذا النظام، تشكلت هيئات انتخابية محلية ضمت ممثلين عن الكفاءات والأعيان، مع اشتراط تمثيل النساء والمهجرين وذوي الإعاقة والناجين من الاعتقال ومصابي الثورة داخل تلك الهيئات، لتتولى اختيار أعضاء المجلس بصورة غير مباشرة.
ورأت الجهات المشرفة أن هذا النموذج يوفر حلاً عملياً في ظل استمرار النزوح، وتفاوت أوضاع السجل المدني، وعدم جاهزية البلاد لإجراء اقتراع عام شامل، بينما اعتبره منتقدون نظاماً انتقالياً يفتقر إلى التفويض الشعبي المباشر، ما جعل النقاش حول شرعية المجلس يرافق العملية منذ بدايتها.
بدأت انتخابات مجلس الشعب الأساسية في 5 تشرين الأول 2025، وشملت معظم المحافظات السورية، إلا أنها لم تجر في جميع الدوائر الانتخابية دفعة واحدة، حيث استُثنيت 11 دائرة انتخابية موزعة على أربع مناطق هي الحسكة والرقة والسويداء وعين العرب، لأسباب ترتبط بالظروف الأمنية وضرورة توفير بيئة مناسبة تضمن تمثيلاً عادلاً.
وربط مراقبون تلك التأجيلات باستمرار التعقيدات السياسية والإدارية في بعض المناطق الخارجة حديثاً من النزاع، أو التي لم تكن قد استكملت ترتيبات اندماجها مع مؤسسات الدولة.
ورغم أن الجولة الأساسية أسفرت عن إعلان غالبية أعضاء المجلس المنتخبين، فإن الطريق إلى اكتمال المؤسسة التشريعية لم يكن قد انتهى بعد، حيث كانت المحافظات المؤجلة، والانتخابات التكميلية، ثم إعلان الثلث الرئاسي، جميعها محطات ستحدد الشكل النهائي لأول مجلس شعب في سوريا بعد سقوط نظام الأسد.
لم تكن جولة 5 تشرين الأول نهاية المسار الانتخابي، بل بداية مرحلة جديدة من التحديات، حيث بقيت 11 دائرة انتخابية خارج العملية، موزعة على 4 دوائر في الحسكة، و3 في الرقة، و3 في السويداء، إضافة إلى دائرة عين العرب في محافظة حلب.
وأرجعت السلطات هذا التأجيل إلى اعتبارات أمنية وسياسية، وإلى ضرورة توفير بيئة مناسبة تضمن تمثيلاً عادلاً، بينما رأت قراءات أخرى أن استمرار تعقيدات السيطرة والإدارة في بعض المناطق، ولا سيما في الشمال الشرقي والسويداء، جعل إجراء الانتخابات فيها أمراً سابقاً لأوانه.
وهكذا، تحولت الانتخابات إلى عملية متدرجة بدلاً من أن تكون استحقاقاً وطنياً يُنجز في يوم واحد، فيما لم يكن التأجيل مجرد إجراء فني، بل فتح نقاشاً واسعاً حول مدى قدرة المجلس الجديد على تمثيل كامل الجغرافيا السورية منذ جلسته الأولى، وما إذا كانت المقاعد المؤجلة ستؤثر في شرعية المؤسسة الوليدة.
مع تطور الأوضاع الأمنية والإدارية، بدأت السلطات استكمال الدوائر المؤجلة على مراحل، ففي تشرين الأول 2025 أُجريت انتخابات تكميلية في رأس العين وتل أبيض، ثم انتقلت العملية إلى الرقة والطبقة في آذار 2026، قبل أن تُستكمل انتخابات الحسكة والقامشلي والمالكية وعين العرب في أيار من العام نفسه، بعد سلسلة من الترتيبات الأمنية والإدارية، أبرزها الاتفاق مع "قوات سوريا الديمقراطية" التي أعادت مؤسسات الدولة إلى أجزاء واسعة من الشمال الشرقي.
ومع نهاية أيار، كانت غالبية المقاعد المنتخبة قد استُكملت، فيما بقيت مقاعد السويداء الثلاثة خارج العملية الانتخابية، مع استمرار الحديث عن انتظار ظروف سياسية وأمنية مناسبة لإجرائها.
وبذلك، أصبح المجلس شبه مكتمل من الناحية الانتخابية، لكنه بقي بانتظار الخطوة الأخيرة التي ينص عليها النظام الانتخابي، وهي إعلان الأعضاء الذين يعينهم رئيس الجمهورية.
منذ اعتماد الصيغة النهائية للمجلس المؤلف من 210 أعضاء، احتل "الثلث الرئاسي" مكانة محورية في النقاش السياسي، حيث منح القانون رئيس الجمهورية صلاحية تعيين 70 عضواً، على أن يصدر مرسوم واحد يتضمن أسماء المنتخبين وأسماء المعينين، قبل دعوة المجلس إلى الانعقاد.
ورغم أن هذه الحصة أثارت مخاوف لدى بعض المراقبين من تعزيز نفوذ السلطة التنفيذية داخل المجلس، فإن الجهات الرسمية قدمتها باعتبارها وسيلة لمعالجة الاختلالات التي أفرزتها الانتخابات، ولا سيما في تمثيل النساء وبعض المكونات المجتمعية والشخصيات ذات الخبرات القانونية والاقتصادية والإدارية التي قد يصعب وصولها عبر آلية الهيئات الناخبة.
كما اكتسبت قائمة التعيينات أهمية إضافية بعدما أظهرت النتائج الأولية انخفاض تمثيل النساء وبعض المكونات مقارنة بالتوقعات، ما جعل الأنظار تتجه إلى الأسماء التي سيختارها الرئيس لمعرفة ما إذا كانت ستسد هذه الفجوات أم ستكرس التوازنات التي أفرزتها الانتخابات.
خلال الأشهر الماضية، طُرحت عدة مواعيد لانعقاد أولى جلسات مجلس الشعب، بدءاً من نيسان، ثم أوائل أيار، ثم بداية حزيران، قبل أن تتأجل جميعها.
ومع اكتمال الانتخابات في معظم الدوائر، بقيت الخطوة الحاسمة تتمثل في إعلان قائمة التعيينات الرئاسية، إذ لا يمكن للمجلس أن يعقد جلسته الأولى قبل اكتمال تشكيله رسمياً.
وحتى نهاية حزيران الجاري، كان الموعد المؤكد الوحيد هو إعلان أسماء الأعضاء السبعين الذين سيعينهم رئيس الجمهورية، فيما بقي موعد الجلسة الأولى مرتبطاً بصدور هذا المرسوم.
وعندما يلتئم المجلس للمرة الأولى، سيبدأ بإجراءات تنظيمية تشمل أداء القسم الدستوري، وانتخاب رئيس المجلس ونائبيه وأعضاء المكتب، ثم تشكيل اللجان الدائمة وإقرار النظام الداخلي، قبل الانتقال إلى الملفات التشريعية الكبرى التي تنتظر البلاد خلال المرحلة الانتقالية.
مع وصول مسار تشكيل مجلس الشعب إلى هذه المحطة، تكون سوريا قد قطعت الجزء الأكبر من الطريق نحو إعادة بناء سلطتها التشريعية بعد أشهر من الفراغ.
لكن اكتمال تشكيل المجلس لا يعني نهاية الطريق، بل بدايته. فالاختبار الحقيقي لن يكون في كيفية اختيار أعضائه فحسب، وإنما في قدرته على أداء الدور الذي أُنشئ من أجله: سن التشريعات التي تحتاجها البلاد، ومواكبة العدالة الانتقالية، وإعداد البيئة القانونية للدستور الدائم، واستعادة الثقة بمؤسسة ظلّت لعقود مرتبطة بسلطة التنفيذ أكثر من ارتباطها بالرقابة والتشريع.
Loading ads...
وفي المحصلة، فإن أول جلسة لمجلس الشعب لن تكون مجرد افتتاح لدورة برلمانية جديدة، بل بداية اختبار سياسي ودستوري لمؤسسة يُنتظر منها أن ترافق واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ سوريا الحديث، وأن تتحول من عنوان لمرحلة انتقالية إلى إحدى ركائز الدولة التي يسعى السوريون إلى بنائها بعد سنوات الحرب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


