5 أشهر
احتفال بلا "أصنام".. سوريا تستعيد ساحاتها وتختبر عهدها الجديد
الإثنين، 8 ديسمبر 2025
في الساحات التي طالما ضجت بالهتافات الموالية قسراً، ارتسم مشهد مغاير تماماً في الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد.
لم تكن الاحتفالات مجرد طقوس عابرة، بل كانت مرآة عكست تعقيدات المشهد السوري الجديد؛ مزيجٌ من النشوة الصاخبة بالحرية، وجراحٍ لم تندمل، وتساؤلات قلقة حول المستقبل.
بينما كانت تلتقط صورة لابنتها وسط الحشود، لخصت هبة (31 عاماً) جوهر هذا التحول. تقول بصوت يملؤه الانفعال: "هذا أول احتفال أحضره في حياتي بشوارع الشام. نحن هنا لنحتفل بهروب المجرم، نحتفل بحريتنا".
وتلفت هبة النظر إلى تغير بصري جذري في المشهد العام للعاصمة: "الاحتفال وطني بامتياز، لا وجود لصور الرئيس ولا لأي شخصية أخرى، مما يجعل من الواضح أن هذا الاحتفال ملك للناس، وليس للسلطة".
وعلى بعد خطوات قليلة، تقف نور (27 عاماً) ملوحةً بعلم سوريا الجديد. بالنسبة لنور، التي عاشت مع زوجها كلاجئة في تركيا لمدة عقد من الزمن، يبدو المشهد سريالياً. وتقول: "أنا هنا لأن نهاية حكم الأسد كانت حلماً طويلاً. كان سقوطه أمراً لا يزورنا حتى في المنام، والآن نحيي ذكرى مرور سنة على ذلك". وتؤكد نور بوضوح أن ولاءها هو للحظة التغيير لا للأشخاص: "إنها ذكرى سقوط الأسد، وليست ذكرى تسلم الشرع للسلطة. سنظل نحتفل بهذا اليوم حتى بعد ترك الشرع للمنصب وتولي غيره.. هل سنتوقف عن الاحتفال بسقوط الأسد؟ أبداً".
جاذبية هذه اللحظة دفعت عائشة (26 عاماً) لقطع المسافات. الشابة المغتربة في الإمارات وصلت إلى سوريا في إجازة خاطفة لمدة يومين فقط. صرحت لموقع "تلفزيون سوريا" قائلة: "أتيت لأحتفل بذكرى نهاية طاغية ظالم، جئت لأحتفل بذكرى بدء عهد حريتي".
انقسام في الساحة الواحدة
رغم الحشود، لم يكن الإجماع سيد الموقف. تبرز قصة رنا (40 عاماً)، التي جلست محاطة بأطفالها الثلاثة، لتعكس تياراً يجمع بين الرضا السياسي والاحتفاء التاريخي. توضح رنا: "أريد لأولادي أن يشعروا بحبهم للبلد. أنا راضية تماماً عن رئيسنا الشرع وأدعمه للنهوض بسوريا، لكنني هنا اليوم بالأساس لأحتفل بسقوط الأسد".
وعلى النقيض تماماً، وعلى بعد أمتار فقط من رنا، يقف حسام، حاملاً عبئاً ثقيلاً من الذاكرة. يقول بمرارة: "بيني وبين الحكومة الحالية جراح مفتوحة. فقدتُ شهداء، وما زلت بلا حق ولا جواب". يرفض حسام منح شرعية الفرح للسلطة الجديدة، مضيفاً: "لا أستطيع الاحتفال بصعود سلطة لم تُنصفني، أو ربما كانت جزءاً من المأساة. الشيء الوحيد الذي أحتفل به هو سقوط الأسد، وسأظل أحتفل بسقوطه ما حييت".
في المقابل، يمثل قاسم (30 سنة) صوتاً يدعو للبراغماتية ودعم الاستقرار. يقول: "نحتفل لأن الشرع صار رئيساً. بالنسبة لنا، هذه بداية إعادة بناء مؤسسات البلد. سقوط الأسد مهم، لكن يجب أيضاً أن ندعم حكومتنا الجديدة، ونحن هنا لنقول لهم أننا معهم".
خيبة الأمل وغياب العدالة
بعيداً عن صخب الساحات، في منزله بريف دمشق، يكتفي سامر بمتابعة صور الاحتفالات عبر هاتفه، مسكوناً بخيبة أمل. يقول: "قبل عام، كنتُ من أوائل المحتفلين في الساحة. أمّا اليوم فلا أستطيع؛ فقد خاب أملي". يربط سامر عودته للساحات بشرط واحد: "لن أعود قبل أن أعرف مصير أقاربي المعتقلين. لديّ مفقودون منذ سنوات، وبالنسبة لي لا معنى لأي احتفال قبل أن تتحقق العدالة".
وفي الشمال، بمدينة الباب بريف حلب، تقدم الناشطة هيام حاج علي رؤية أكثر شمولية لمفهوم الاحتفال. تقول: "نحن اليوم ندفع ثمن السنوات الماضية، ولا نبحث عن نهاية شخص أو بداية آخر، بل عن بداية دولة عادلة تحترم كرامتنا وحقوقنا كسوريين، بصرف النظر عن خلفياتنا الدينية أو العرقية". وتضيف أن الاحتفال الحقيقي يكون "بطيّ صفحة الألم وبدء عهد القانون والمحاسبة الفعلية لضمان عدم التكرار".
Loading ads...
أما الجانب الأكثر إيلاماً في الصورة، فتجسده سارة (اسم مستعار)، التي امتنعت عن الكلام والاحتفال، لكنها خرجت عن صمتها بعبارة مقتضبة تلخص مأساتها: "أحتفل بماذا؟ أخي شهيد في صيدنايا ولم أعرف عنه شيئاً حتى الآن، وأقاربي شهداء مجازر الساحل".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


