في سياق المراحل الانتقالية التي تعقب النزاعات الطويلة والمزمنة، كالحالة السورية، تواجه الحكومات الجديدة مشكلة كبرى وهي كيفية تحقيق التوازن بين الحاجة الملحة لتحقيق إيرادات سريعة تعيد بناء الدولة المنهارة، وبين مسؤوليتها الأخلاقية والاجتماعية تجاه شعب أنهكه النزاع ونال من جميع مقدراته، أعتقد أن الإجابة على هذا التساؤل المهم تكون من خلال تحديد مفهوم نجاح الحكومة وكيفية قياس هذا النجاح، وكذلك إعادة تعريف مفهوم "الربح" الذي تهدف الحكومة إلى تحقيقه، والانتقال به من معناه التجاري الضيق إلى مفهوم أوسع وأعمق وهو الربح الاجتماعي والاقتصادي.
في السياق السوري، حيث البنية التحتية المدمرة والاقتصاد المنهار والمجتمع الذي بات يعاني من انقسامات واستقطاب حاد، يصبح "الربح الاجتماعي" هو المقياس الحقيقي لنجاح الحكومة
كما أنه من المهم التأكيد على أن الإيرادات الحكومية على أهميتها تبقى وسائل وليست غايات بحد ذاتها، والحكومات عموماً ولا سيما في المراحل الانتقالية على عكس الشركات التجارية، لا تهدف إلى تحقيق "الربح المالي" بمعناه التجاري، بل تسعى إلى تحقيق فائض اقتصادي واجتماعي يُعاد استثماره في خدمة المجتمع، وتحقق الحكومة عوائدها عبر طرق رئيسية عديدة وأبرزها:
أولاً - الإيرادات السيادية (الضريبية)
وتُعد المصدر الأكبر لدخل أي حكومة، وتشمل:
الضرائب المباشرة مثل الضرائب على الدخل والأرباح التجارية ورأس المال، والضرائب غير المباشرة مثل الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة.
ثانياً - الإيرادات السيادية (غير الضريبية)
وتتمثل في الأموال التي تحصل عليها الدولة نظير تقديم خدمات أو استغلال موارد، مثل:
العوائد الاستثمارية وهي أرباح الشركات المملوكة للدولة، وصناديق الثروة السيادية
رسوم الخدمات الحكومية وهي الرسوم المفروشة لاستخراج الوثائق، أو تراخيص الأعمال.
الغرامات والعقوبات وهي الجزاءات المالية المفروضة على مخالفة القوانين واللوائح
ثالثاً - عوائد الموارد الطبيعية
إيرادات الطاقة والتعدين: الأرباح الناتجة عن استخراج وبيع النفط، الغاز، والمعادن.
رابعاً - الربح الاجتماعي والاقتصادي (غير المالي)
وهو العائد الأسمى للحكومات ويقاس بـ:
تحسين البنية التحتية مثل بناء الطرق والجسور والشبكات والمستشفيات والمدارس
توفير فرص العمل وتقليل معدلات البطالة وتحفيز الإنتاج المحلي.
استقرار الأسواق وتوفير الدعم للسلع الأساسية لضبط الأسعار وحماية الطبقات الأكثر ضعفاً.
في السياق السوري، حيث البنية التحتية المدمرة والاقتصاد المنهار والمجتمع الذي بات يعاني من انقسامات واستقطاب حاد، يصبح "الربح الاجتماعي" هو المقياس الحقيقي لنجاح الحكومة، ووفق هذا المنظور فإن مشاريع إعادة بناء البنى التحتية في سوريا ليست مجرد مشاريع هندسية، بل هي مشروع وطني شامل لاستعادة الحقوق والكرامة وبناء الدولة
والاستثمار في هذه المشاريع له تأثير قوي وإيجابي على الاقتصاد ككل، فهو يخلق فرص عمل ويحفز النمو ويسهم في تمكين المواطن ويعيد الثقة بينه وبين والدولة.
قد تضطر الإدارة السورية الحالية في ظل التحولات الدولية والإقليمية الحالية لتقديم بعض التنازلات للحصول على الدعم الدولي، مما قد يؤثر على سيادة القرار الاقتصادي وهذا تحد يضاف إلى ما سبق ذكره من تحديات.
تواجه الحكومات الانتقالية، بحكم طبيعتها المؤقتة، تحديات كبيرة، فهي سلطات محدودة الشرعية والصلاحية، وتُكلّف عادة بإدارة المرحلة وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار، وليس بتقرير المصير الاستراتيجي للدولة ومع ذلك، فإن نجاحها في تحقيق الربح الاجتماعي هو ما يمنحها الشرعية الشعبية ويمهد الطريق لانتقال سياسي ناجح في البلاد.
وفي سوريا على وجه الخصوص يتطلب التعافي الاقتصادي الحقيقي معالجة الانقسامات التي أحدثتها الحرب وتحقيق المصالحة الوطنية كما أن بطء الدعم الدولي يستدعي من القيادة الجديدة بذل جهود استثنائية وحلول إبداعية ولا تقتصر على عقد مؤتمرات اقتصادية لاستقطاب المساعدات والاستثمارات.
وحتى لا يكون هذا المقال مجرد تنظير وانفصال عن واقع الحال فلا بد من إدراك التحديات الكثيرة التي تجعل تطبيق هذه الرؤية في سوريا أمراً صعباً ولكن ليس مستحيلاً، ولعل أبرز هذه التحديات:
غياب الاستقرار المؤسسي حيث إن المرحلة الانتقالية تتطلب بناء هياكل حكومية فعالة ومؤسسات على أسس سليمة، وهو أمر بالغ الأهمية لانتقال سوريا من حالة الهشاشة إلى الاستقرار.
كما أنه لا يمكن تحقيق سلام مستدام أو تعاف اقتصادي حقيقي دون معالجة الانقسامات التي أحدثتها الحرب وترميم رأس المال المتصدع عبر آليات عدالة انتقالية فاعلة، وبالتالي الحاجة إلى العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية ضرورة وطنية.
ويعاني التعافي الاقتصادي السوري من بطء الدعم من المجتمع الدولي، مما يستدعي من القيادة الجديدة تفعيل التواصل الخارجي بالتوازي مع إصلاح البنية التشريعية والقانونية الجاذبة للاستثمارات وابتكار حلول إبداعية لدفع عجلة التعافي وانطلاق المشروعات الاقتصادية الرائدة والتي طال انتظارها من السوريين.
وقد تضطر الإدارة السورية الحالية في ظل التحولات الدولية والإقليمية الحالية لتقديم بعض التنازلات للحصول على الدعم الدولي، مما قد يؤثر على سيادة القرار الاقتصادي وهذا تحد يضاف إلى ما سبق ذكره من تحديات.
Loading ads...
وفي الختام يمكننا القول يجب أن يكون "الربح الاجتماعي" هو الهدف الأسمى للحكومة السورية الحالية عند اتخاذها أي قرار يمس حياة المواطنين ومستوى معيشتهم، وليس تعظيم الإيرادات المالية المباشرة، والإيرادات المالية كما كررنا سابقاً هي مجرد وسائل لتحقيق هذا الهدف الأكبر، ونجاح الحكومة يُقاس بقدرتها على تحويل هذه الإيرادات إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين، وإعادة بناء الدولة على أسس متينة من الاستقرار والعدالة الاجتماعية، إنها دعوة لإعادة تعريف النجاح الحكومي بوصفه ليس بما تجنيه الحكومة من أموال، بل بما تبنيه من مجتمع مستقر ومتوازن.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
المشي نحو الآخرين في سبيل رأب الصدع السوري
منذ ساعة واحدة
0

