كتابان يبحثان في طبيعة فعل "المشي" وما يقال فيه وعنه، يستحقان أن يلقي المرء نظرة عليهما، أولهما كتاب "شهوة التجوال: تاريخ للمشي" لربيكا سولنيت، وثانيهما كتاب "المشي فلسفةً" لفريدريك غرو* واللافت في أمرهما أنهما صدرا بلغتيهما الأصليتين خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، بينما صدرت ترجمتهما إلى العربية خلال السنوات الخمس الماضية. أي أن وصولهما إلى القارئ العربي استغرق أكثر من عقد كامل. ولو فكرنا بأن فكرة البحث بالمشي وحريته الوجودية ذاتها مشت في الطرقات، لوصلت إلى منطقتنا أسرع من المسافة الزمنية التي احتاجتها في عالم القراءة والترجمة، والنشر، والطباعة!
يمكن تخيل المشهد على الشكل التالي: يقرأ الناشر خبراً عن كتاب يحكي عن المشي فيستسخف الأمر ويقلب الصفحة، باحثاً عن مواضيع مغرية تهم شريحة القراء الذين يستهدفهم بمنشوراته! بالمقابل سيلتفت قارئ بالفرنسية أو الانكليزية إلى ثيمة المشي فيراها أمراً مثيراً، لكنه سيتردد قبل أن يطرح الموضوع على الناشر! وفي المحصلة لن تصل الكتب بسرعة إلى القارئ العربي، لكنها ربما تصل بعد زمن!
في الحكايات الشعبية حول العالم فإن المصير أثناء الرحلة يتحدد بحسب الطريق الذي يختاره السائر، فإن أطاع المُلهم نجا، وإن اختار درباً آخر وقع في فخ ما، قد يودي بحياته، سيحتاج من أجل الخروج منه أن يمشي إلى محطة ثم يمشي إلى مغامرة، كي يحصل على العفو!
أرجو من القارئ ألا يستسخف ما أطرحه هنا، فالعبرة فيما سيأتي لاحقاً، وبالتأكيد من الواجب التمهيد لأي شيء وبما يوضح الأسباب، حيث سنلاحظ أن هناك التفاتاً إلى فكرة ما، في سياق ما، وقد تحولت هذه الفكرة إلى أمر واقع، لكنها احتاجت إلى جهد كي تصل إلى المتلقي المحلي في بلادنا، وهو ما يعكس نمطاً سائداً في التعاطي مع ما يصنعه العالم خارج الحدود.
لا أريد هنا أن أعرض لمضمون الكتابين، بل أريد أن أحاكي فكرة المشي من خلال ما توحي به. أحد الأصدقاء حدثني عن أنه لم يمشِ منذ ولادته وحتى بلغ الرابعة من
عمره، وحين كان الآخرون يسألون أمه عن سبب تركه هكذا، وعدم تحفيزها له مثل باقي الأطفال، كانت تقول: "دعوه يتعلم المشي على راحته.. لأنه حين يتعلمه، سيقضي عمره كله وهو يمشي دون توقف"!
وفي الحكايات الشعبية حول العالم فإن المصير أثناء الرحلة يتحدد بحسب الطريق الذي يختاره السائر، فإن أطاع المُلهم نجا، وإن اختار درباً آخر وقع في فخ ما، قد يودي بحياته، سيحتاج من أجل الخروج منه أن يمشي إلى محطة ثم يمشي إلى مغامرة، كي يحصل على العفو!
أما أرسطو فقد كان يدرّس تلامذته وهو يمشي في أروقة "الليسيوم" في أثينا، ومن خلال هذا الأسلوب ظهرت مدرسة الفلسفة المشائية التي عنيت بالاشتغال على الأفكار عبر الملاحظة المباشرة للطبيعة، وكذلك التفكير التجريبي النسبي (مقارنة بمدرسة أفلاطون التأملية) وصولاً إلى ربط الفلسفة بالواقع الحي، وليس بالعالم المجرّد فقط.
لكن الآن هناك فلسفة خاصة بالمشي ذاته، أي أنه ليس مجرد أداة مستخدمة للوصول إلى الفكرة، بل هو الفكرة ذاتها، وهذا ما يناقشه الكتابان اللذان نشير إليهما أعلاه، ومن خلال مقاربة التفاصيل، سنلاحظ أن الوصول إلى غاياتنا يمر عبر المشي، بالمعنى الفيزيائي أو بالآخر التجريدي، وحتى في السياسة وأحاديثنا عن واقعنا السوري، يجدر بنا أن نتأمل في أن بلداً صغيراً كسوريا، يمكن قطع المسافة بين شماله وجنوبه وشرقه وغربه خلال ساعات في حال استخدمنا وسائل نقل حديثة، بقي عقوداً لا يمتلك دروباً مفتوحة بين مواطنيه، وذلك لوجود حواجز ذهنية راسخة وكذلك لوجود حواجز أمنية كانت ترتاب في أي سوري يريد استكشاف بلده بحرية، ولا ترى فيه سوى أنه جاسوس محتمل! وحتى حين كانت تتشكل فرق رياضة المشي، كان القائمون عليها يحتاجون
التصاريح الأمنية كي يؤمنوا على رحلتهم، كي لا تتعرض إلى غارة أمنية، تجر جميع المشاركين إلى التحقيق!
في البلد الأمني لا يمكنك أن تمشي براحتك، إذ يجب عليك أن تبرر لأي سائل لماذا تقوم بالتجوال في شارعه، فأنت مشكوك بك فقط لأنك تمشي، وهذا الشعور القاتم تحول إلى مزاج عام مهيمن على التفكير، فالسوري يفضل "الكنكنة" في المنزل على الخروج، طالما أن ما يعرفه عن "الخارج" مرتبط بالخوف من الاحتمالات التي يحتويها، وفعلياً هذا الشيء أدى إلى حالة بتر حقيقي لقدرة الإنسان على ابتكار الأفكار المهمة لحياته، أي إن ما يمكن أن يتعلمه وفق أسلوب أرسطو، صار غير ممكن بسبب "الغول" الذي يقف عند مفترق الطرق، والذي يمكن أن يجره إلى العتمة!
وفي البلد الذي توارث فيه الناس الطقوس القمعية، سيصبح المشي بالأفكار فعلاً مخيفاً بدوره، لأن الأفكار تولد الشرور وفق آليات القمع، وعليه فإن السكون مُطَمئنٌ لدى العامة، ومن يرغب في المشي حتى في داخله، عليه أن يتقي وحوش عقله، وهنا نقول إن وحوش الأفكار التي قادت مئات الآلاف من السوريين إلى التوق إلى الحرية هي ما صنع تحررهم من الديكتاتورية، وهي أيضاً ما يجعلهم ينظرون بالشك إلى الأفكار ذات الطبيعة الأيديولوجية القمعية!
إذاً، المشي هنا يعود إلى طبيعته الملهمة، ولعل تمثله في الواقع يؤدي إلى قيام سوريين من محافظات شتى بمبادرة تحمل اسم "أحاديث المدن السورية" تقوم على الذهاب جماعة إلى مدينة أو بلدة أو موقع ما يرتبط بواقعهم ليجتمعوا ويحكوا فيما بينهم، عما يجول في العقول من أفكار، تهدف إلى إصلاح الحياة السورية، بعد أن دُمرت نفسياً وروحياً ومادياً على يد الأسدية، كتيار دموي حكم البلاد بالحديد والنار.
في العام 1930 قام الماهاتما غاندي بمسير في الساحل الغربي للهند ضد احتكار بريطانيا للملح، فقطع على قدميه برفقة متطوعين مسافة تزيد على 300 كلم، واعتبرت هذه الخطوة الإطار الأولي لحركة العصيان المدني اللاعنفية
اجتماع وصلاة في دير مار موسى الحبشي في القلمون، وزيارة جماعية إلى مدينة إدلب، واجتماع في مدينة سلمية، وغيرها من فعاليات مقررة، تفاصيل توحي بأن الغاية هي مسير جماعي يهدف إلى توحيد البلاد!
في العام 1930 قام الماهاتما غاندي بمسير في الساحل الغربي للهند ضد احتكار بريطانيا للملح، فقطع على قدميه برفقة متطوعين مسافة تزيد على 300 كلم، واعتبرت هذه الخطوة الإطار الأولي لحركة العصيان المدني اللاعنفية، غير أن ما قام به كان يحمل في مضمونه أيضاً الوصل بين مكانين يتحدان في المعاناة، في رمزية تفضي إلى إمكانية أن يتم مقاربة الجغرافيا والإنسان والأفكار في آنٍ معاً، وهذا ما يحتاجه السوريون فعلياً، فبينما قام قادة آخرون بتوحيد بلادهم بأدوات عنفية عسكرية، يمكن للسوريين أن يكونوا قادة أنفسهم من أجل بلادهم، وبالطريقة السلمية، وبالمبادرات الجماعية، وأن يكون المشي نحو الأمكنة الأكثر تضرراً من الماضي البعيد وكذلك القريب أداة أشد فعالية من القرارات السياسية، إذ يمكن لهذه الأخيرة أن تزيل الحواجز الأمنية عن الطرق، لكن المسير نحو المكلومين لا بد سيعيد الثقة وسيزيل حواجز نفسية ما كان ينبغي أن توجد أصلاً.
Loading ads...
*صدر الكتاب الأول بالإنكليزية عام 2000 وصدرا بالعربية الأول 2024 أما الثاني فصدر بالفرنسية عام 2009، وبالعربية عام 2021.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
المشي نحو الآخرين في سبيل رأب الصدع السوري
منذ ساعة واحدة
0

