كانت سوريا حتى اندلاع الثورة في عام 2011 استثناءً من دول الانتشار الكردي في عدم وجود قضية كردية فيها ذات حيثية سياسية وعمل مسلح مصممين لخلق قضية.
ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة، أهمها أن النظام السابق كان قوياً بما فيه الكفاية لمنع ظهور مثل هذه الحالة، رغم أنه استثمرها في بعض الأحيان لابتزاز تركيا، عندما احتضن مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي وزعيمه عبد الله أوجلان في تسعينيات القرن الماضي. وذلك ما يفسر كيف أن الكرد في سوريا لم يتمكنوا من تحويل حالتهم إلى قضية على غرار دول الجوار، رغم أنهم تعرضوا لسياسة الاضطهاد وإنكار الهوية بشكل أكبر مما كان الحال عليه في ذلك الوقت في الدول الثلاث الأخرى: تركيا والعراق وإيران. أتطرق إلى اندلاع الثورة في هذا الإطار لأنها كانت محطة مفصلية أمام ظهور قضية كردية في سوريا، وهذه نتيجة طبيعية عندما تضعف الدولة المركزية في سوريا وتغرق في حرب.
وقد نجح حزب العمال الكردستاني في استثمار تلك اللحظة السورية من أجل التأسيس لحالة كردية سياسية وعسكرية في سوريا ترفع مشروعه في دول الانتشار الكردي، بعدما تعرض لانتكاسة في تركيا. ومن هنا بدأت رحلة صعود وحدات حماية الشعب الكردية، قبل أن تتطور إلى مشروع سياسي لاستنساخ تجربة إقليم كردستان العراق في سوريا، مستفيدة من الحرب على داعش للخروج من إطارها الجغرافي الكردي المحدود في شمالي سوريا، والسيطرة على منطقة شرق الفرات، ومحاولة التمدد إلى الغرب لربط مناطق سيطرتها في شرق الفرات بغربه، وصولاً إلى عفرين. ولم يكن بمقدور الوحدات الكردية تحقيق ما حققته من خلق قضية كردية لولا الدعم الأميركي لها. وهذا الدعم الذي قدمته واشنطن كشراكة مع الكرد السوريين في الحرب على الإرهاب، كان غطاءً لمشروع إقليم كردستان سوريا الذي عملت عليه باهتمام بالغ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما.
استمد التدخل التركي قوته وفعاليته ليس من الانخراط العسكري المباشر بحد ذاته فحسب، بل من حقيقة أن الديمغرافيا لم تكن عاملاً مساعداً للحالة الكردية السياسية والعسكرية لتمكين مشروعها في شمال سوريا.
علاوة على ذلك، عزز تواطؤ نظام بشار الأسد في مشروع الوحدات الكردية من زخمه. كان للأسد أسباب متعددة في تمكين هذا المشروع، أبرزها تحويله إلى حليف له في مواجهة المعارضة السورية، والتماهي مع المشروع الأميركي في سوريا لتحفيز واشنطن على التراجع عن هدف الإطاحة به، وهذا ما حصل فعلاً منذ أن قررت واشنطن إحداث تحول كبير في سياستها السورية قبل منتصف العقد الماضي، من التركيز على الإطاحة بالأسد إلى تمكين المشروع الكردي تحت غطاء الحرب على داعش. مع ذلك، بدأت أولى انتكاسات هذا المشروع في عام 2016 عندما انخرطت تركيا عسكرياً وبشكل مباشر في سوريا لقطع الطريق على الوحدات الكردية في ربط مناطق سيطرتها في شرق الفرات بغربه، ثم التدخل العسكري في شرق الفرات في عام 2019 وإنشاء جيب فيه خاضع لنفوذها. ويمكن النظر إلى التدخل التركي على أنه الضربة الأولى والبداية الفعلية لسقوط مشروع قسد.
وفي الواقع، استمد التدخل التركي قوته وفعاليته ليس من الانخراط العسكري المباشر بحد ذاته فحسب، بل من حقيقة أن الديمغرافيا لم تكن عاملاً مساعداً للحالة الكردية السياسية والعسكرية لتمكين مشروعها في شمال سوريا. فغالبية سكان الجزيرة السورية على سبيل المثال من المكون العربي، وتبلغ نسبتهم ما يقرب من سبعين في المئة من عدد السكان. وقد سعت قسد للتغلب على هذه المعضلة من خلال استراتيجية التهجير القسري والتغيير الديمغرافي التي مارستها في مناطق كثيرة مثل الرقة ومنبج ودير الزور والحسكة وغيرها. لكن هذا النهج لم ينجح في نهاية المطاف في التغلب على قوانين الديمغرافيا في المشاريع السياسية ذات الهوية القومية.
في رحلة صعود قسد وانهيارها دروس كثيرة، منها أن القوة والاحتضان الأميركي لا يمكن أن يتغلبا في النهاية على الديمغرافيا والجغرافيا التي تضع على حدود المشروع السياسي الكردي السوري دولة وجهت جانباً كبيراً من استراتيجيتها الأمنية وسياساتها مع دول الجوار لعقود طويلة من أجل كبح النزعات الانفصالية الكردية داخلها وفي جوارها.
حتى سقوط نظام بشار الأسد، استطاعت قسد إحداث استقرار إلى حد كبير في حالتها السياسية كإدارة ذاتية شبيهة بالحكم الذاتي، لكن التحول السوري شكل الضربة الثانية لمشروعها. فعلاوة على أن النظام الجديد في سوريا وضع نصب عينيه إعادة توحيد سوريا، فقد أصبح شريكاً استراتيجياً لأنقرة في مواجهة المشروع الانفصالي الكردي في الشمال. إن الاندفاعة التركية، التي عرقلت المشروع الأميركي لإنشاء إقليم للكرد في شمال سوريا، إلى جانب سقوط نظام بشار الأسد وظهور نظام جديد حليف لأنقرة، والفرص التي أوجدها التحول السوري للولايات المتحدة لتحويل سوريا من دولة معادية لها ولسياساتها في الشرق الأوسط إلى دولة حليفة لها، من العوامل التي أسهمت في إحداث تحول جذري أميركي في المشروع الكردي السوري.
Loading ads...
وحتى في الوقت الذي راهنت فيه قسد على عدم قدرة الرئيس أحمد الشرع في إحداث استقرار للسلطة وفي التعامل مع التحديات الكبيرة التي واجهت سوريا في مرحلة ما بعد التحول على صعيد التعامل مع أزمتي الساحل والسويداء والتدخل الإسرائيلي، وعلى صعيد قدرته في إقناع العالم بأنه قادر على حكم سوريا بالنظر إلى خلفيته الإسلامية والجهادية السابقة، فإن قدرة الشرع في تفكيك هذه التحديات شكلت الضربة الثالثة لمشروع قسد. وقد استثمر الشرع ما حققه خلال عام ونيف من حكمه لسوريا في التأسيس القوي لمرحلة الاندفاعة الموجهة لإنهاء مشروع قسد. في رحلة صعود قسد وانهيارها دروس كثيرة، منها أن القوة والاحتضان الأميركي لا يمكن أن يتغلبا في النهاية على الديمغرافيا والجغرافيا التي تضع على حدود المشروع السياسي الكردي السوري دولة وجهت جانباً كبيراً من استراتيجيتها الأمنية وسياساتها مع دول الجوار لعقود طويلة من أجل كبح النزعات الانفصالية الكردية داخلها وفي جوارها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

