مع إعلان وزارة الدفاع السورية، في شهر تشرين الثاني، عن فتح باب استقبال طلبات الضباط وصف الضباط المنشقين، يبرز إلى الواجهة واحد من أكثر الأسئلة حساسية في المراحل الانتقالية، وهو سؤال يطول جوهر إعادة بناء المؤسسة العسكرية. فالمسألة تتعلّق بشكل أساسي في اختبار قدرة السلطة الانتقالية على إدارة دمج كتلة عسكرية ذات خبرات متراكمة وتاريخ انقطاع طويل، ضمن مؤسسة يُفترض أن تتحول إلى إطار وطني موحّد، لا إلى تجميع هشّ لخبرات متنافرة.
النقطة المركزية هنا تتمحور حول ما إذا كان هذا الدمج كان قابلاً للنجاح من منظور مؤسسي عملي، وتحت أي شروط يمكن أن يتحول إلى رافعة لإعادة بناء الجيش.
من إدارة الكتلة إلى تصميم معايير الدمج
يمكن اعتبار أي خطاب عام يميل إلى التعامل مع "الضباط المنشقين" بوصفهم فئة واحدة متجانسة، أنه تبسيط يُخفي تعقيدات جوهرية. فهذه الكتلة تضم طيفاً واسعاً من الرتب والاختصاصات والمسارات المهنية، كما تختلف تجارب الانشقاق نفسها من حيث التوقيت والدوافع. هناك من انشق في المراحل الأولى وواصل عملاً عسكرياً منظماً، وهناك من خرج من المؤسسة نهائياً لسنوات طويلة، كما أن الفروق بين ضابط ميداني وآخر إداري أو تقني ليست تفصيلاً ثانوياً في أي عملية إعادة دمج.
هذا التنوّع قد يصبح مشكلة عندما تُصاغ سياسات الدمج على أساس افتراض التجانس. ففي تجارب الانتقال السياسي، غالباً ما يتحول هذا الافتراض إلى مصدر خلل مؤسسي، لأن المعايير العامة غير الدقيقة تفتح الباب أمام تفسيرات متناقضة وتطبيقات انتقائية، بما يضعف الثقة داخل المؤسسة.
تُظهر الخبرات المقارنة في الدول الخارجة من النزاعات أن دمج الكتل العسكرية يُقاس بجودة تصميم آلياته، فالآلية الحاسمة هنا تتعلق بالمعايير المعتمدة للقبول وإعادة التعيين، فهل تُمنح الأولوية للرتبة السابقة، أم للاختصاص المهني، أم للحاجة الفعلية داخل بنية الجيش الجديدة، وهل يُعاد إدماج الضابط في موقع قريب من مساره السابق أم يُعاد توزيعه وفق متطلبات إعادة الهيكلة؟
غياب الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة يمكن أن يفتح المجال أمام صراعات صامتة داخل المؤسسة؛ ففي السياقات الانتقالية، تتحول القرارات غير المؤطرة بمعايير شفافة إلى أدوات تأويل، ما يؤدي إلى شعور متبادل بالغبن لدى العائدين من جهة، ولدى الذين واصلوا الخدمة داخل السياق الجديد من جهة أخرى.
من قرار الدمج إلى إعادة إنتاج الشرعية الوظيفية
يمكن مقاربة مسألة دمج الضباط المنشقين ضمن ما تُسميه أدبيات التحول المؤسسي في النظم الانتقالية بـ "إعادة هندسة المؤسسات القسرية"، وهي مقاربة تنطلق من أن الجيش، بخلاف المؤسسات المدنية، لا يُعاد بناؤه عبر تغيير القوانين فقط، وإنما عبر إعادة ضبط ثلاث طبقات متداخلة؛ هي البنية التنظيمية، والعقيدة المهنية، وأنماط الثقة الداخلية. في هذا السياق، لا يُنظر إلى الدمج بوصفه استيعاباً بشرياً، إذ يُعتبر عملية إعادة إنتاج للشرعية الوظيفية داخل مؤسسة تعتمد على الانضباط والتراتبية بوصفهما شرطَي وجود.
في حين تُشير دراسات إصلاح القطاع الأمني (SSR) إلى أن أخطر مراحل الدمج ليست مرحلة القرار، وإنما المرحلة الضبابية التي تليها، إذ تتعايش داخل المؤسسة سرديات مختلفة عن "الشرعية"، و"الخبرة"، و"الاستحقاق". هنا تحديداً، يتحول افتراض التجانس إلى خطأ تحليلي، لأن الدمج الناجح يفترض الاعتراف المسبق بالتعدد، ثم تصميم آليات قادرة على تحويله إلى مورد تنظيمي، وليس إلى مصدر توتر داخلي.
في هذا الإطار، يلفت الباحث الألماني في شؤون إعادة بناء الجيوش بعد النزاعات، توماس ريشتر، خلال حديثه إلى موقع "تلفزيون سوريا" إلى أن "الدمج العسكري يفشل غالباً عندما يُدار بعقلية سياسية، وليس بعقلية مؤسسية". ويضيف أن التجربة تُظهر أن الضباط العائدين قد تتحول خبرتهم إلى عبء عندما لا تكون هناك قواعد واضحة تُحدّد موقعها داخل سلسلة القيادة.
يميّز ريشتر بين حالتين: الأولى، حين تُستوعب الخبرة السابقة ضمن هيكل مهني مضبوط، فتتحول إلى قيمة مضافة داخل المؤسسة؛ والثانية، حين تُترك هذه الخبرة من دون إعادة تعريف، فتتحول إلى مرجعية مهنية موازية تعمل خارج منطق التسلسل القيادي الرسمي. في الحالة الثانية، لا ينشأ صراع علني، بل تتآكل الثقة تدريجياً داخل وحدات الجيش، وهو نمط فشل شائع في المراحل الانتقالية.
التصميم المؤسسي لدمج الضباط
هذا وتُظهر تجربة ألمانيا بعد إعادة التوحيد مثالاً دقيقاً على تعقيدات دمج الضباط في مؤسسة عسكرية جديدة. فدمج ضباط الجيش الشعبي الوطني لألمانيا الشرقية (NVA) في صفوف الجيش الألماني الاتحادي لم يكن عملية شاملة أو تلقائية، بل خضع لمعايير صارمة أعادت تقييم الرتب، وحدّت من نقل التراتبية السابقة، وركّزت على الاختصاص. هذه المقاربة، رغم كلفتها البشرية والنفسية، أسهمت في منع نشوء طبقتين من الضباط داخل الجيش الموحّد.
في المقابل، تقدّم تجربة جنوب إفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري نموذجاً مختلفاً، حيث جرى دمج قوات متباينة الخلفيات ضمن قوات الدفاع الوطني الجنوب إفريقية (SANDF). هناك، كان التحدي الأساسي هو إدارة التنوع من دون تذويب قسري، عبر إعادة صياغة عقيدة عسكرية جديدة ركّزت على الولاء الدستوري لا على التاريخ التنظيمي. ورغم أن العملية لم تكن خالية من التوترات، إلا أن وضوح الإطار العقائدي والمعايير المهنية حدّ من تحوّل الانقسامات السابقة إلى تصدعات دائمة.
هاتان التجربتان تُظهران أن دمج الضباط في سياق ما بعد النزاع هو عبارة عن مسألة تصميم مؤسسي دقيق، يوازن بين الاعتراف بالخبرة السابقة، وضبط تأثيرها داخل بنية جديدة تسعى إلى الاستقرار.
التراتبية العسكرية ومعضلة القيادة
تشكل التراتبية العسكرية العمود الفقري لأي جيش نظامي، وهي أكثر عناصر الدمج حساسية، فإعادة إدماج ضباط كانوا يحملون رتباً قيادية تطرح أسئلة معقّدة حول موقعهم في سلسلة القيادة، خاصة في ظل وجود ضباط آخرين تشكّلت شرعيتهم المهنية حديثاً.
التجربة تُظهر أن تجاهل هذه الإشكالية أو التعامل معها كمسألة شكلية يؤدي إلى تآكل الانضباط الداخلي، حتى في غياب أي مظاهر صراع علنية. فالجيش الذي لا يحسم بوضوح مسألة القيادة والتراتب يفقد تماسكه وظيفياً، حيث تتراجع القدرة على اتخاذ القرار وتطبيقه، وتُستبدل بسلوكيات تجنّب للمسؤولية.
أيضاً فإن واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في دمج الضباط المنشقين تتعلق بإدارة الزمن، فسنوات الانقطاع هي عنصر فاعل يؤثر على العدالة الوظيفية وتوازن المؤسسة. هل تُحتسب هذه السنوات ضمن الأقدمية؟ أم تُجمّد؟ أم يُعاد معادلتها وفق معايير خاصة؟
لذا فإن الإجابات المتناقضة أو غير المعلنة على هذا السؤال غالباً ما تنتج شعوراً مزدوجاً بالظلم، فالضابط العائد قد يشعر بأن خبرته السابقة لم تُقدَّر.
وانطلاقاً مما سبق فلا يمكن لأي عملية دمج أن تنجح من دون إعادة تعريف واضحة لمفهوم الولاء داخل الجيش. في السياق الانتقالي، لا يجب أن يُقاس الولاء بالانتماءات السابقة أو بالمواقف السياسية، ولكن يجب أن يُقاس بالالتزام بقواعد المؤسسة ووظيفتها. غير أن الانتقال من الولاءات الشخصية أو الفصائلية إلى ولاء مؤسسي ليس عملية تلقائية، ويتطلب إطاراً عقائدياً ومهنياً واضحاً.
الجيش الذي يفشل في هذا التحول يبقى عرضة لتكوّن "جيوش داخل الجيش"، حيث تستمر شبكات الثقة القديمة بالعمل تحت السطح، حتى في ظل وحدة شكلية. معالجة هذه المسألة تكون عبر بناء منظومة قواعد مهنية متساوية تُطبّق على الجميع.
الشرعية المهنية داخل المؤسسة العسكرية
يمكن فهم الإشكاليات المرتبطة بالتراتبية، والزمن، والولاء المؤسسي ضمن ما تُسميه أدبيات بناء الجيوش بعد النزاعات بـ مأزق الشرعية الوظيفية المزدوجة. في هذا السياق، لا تُبنى شرعية الضابط فقط من خلال الرتبة أو الخبرة السابقة، بل من خلال الاعتراف المؤسسي المنظّم بهذه الخبرة ضمن بنية قيادة واضحة. وعندما تتعايش داخل الجيش أكثر من قاعدة غير محسومة لإنتاج الشرعية المهنية، يتحول التسلسل القيادي من أداة ضبط إلى مصدر ارتباك.
تُشير دراسات التنظيم العسكري إلى أن التراتبية هي آلية سيادية داخلية لضبط القرار والمسؤولية، لذا فإن أي غموض في إعادة تعريف مواقع القيادة، خصوصاً عند دمج ضباط ذوي رتب سابقة، يؤدي إلى ما يُعرف بـ الشلل الوظيفي الصامت، حيث تتراجع فعالية اتخاذ القرار، ويظهر سلوك تجنّب المسؤولية داخل الوحدات.
في السياق نفسه، يُعدّ الزمن عاملاً حاسماً في إعادة البناء المؤسسي؛ فسنوات الانقطاع قد تُنتج تفاوتاً في الاستحقاق المهني ما لم تُدار بمعايير معلنة. أما الولاء المؤسسي، فيعتبر قبولاً بقواعد العمل، وسلسلة القيادة، ومعايير الترقية والمساءلة. الجيوش التي تفشل في إعادة تعريف هذا الولاء ضمن إطار مهني جامع تبقى عرضة لتشكّل وحدات غير رسمية من النفوذ والثقة، تعمل داخل المؤسسة من دون أن تكون جزءاً فعلياً من منطقها التنظيمي.
في المحصلة، لا يمكن تقييم نجاح دمج الضباط المنشقين من خلال عدد الطلبات المقبولة أو سرعة الإجراءات، وإنما يتجلى النجاح من خلال قدرة المؤسسة العسكرية على تحويل هذا الدمج إلى عملية إعادة بناء حقيقية. النجاح هنا نوعي قبل أن يكون كمياً، ويتوقف على وضوح المعايير، وحسم التراتبية، وإدارة الزمن، وبناء ولاء مؤسسي جامع.
Loading ads...
أما الفشل، فلا يعني بالضرورة انهياراً فورياً، بل استمرار حالة الهشاشة داخل بنية الجيش، بما يحدّ من قدرته على أداء وظيفته كإطار وطني جامع في مرحلة تحتاج إلى أعلى درجات الانضباط المؤسسي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



