ساعة واحدة
إسرائيل إلى الانتخابات.. صراع على الحكم وعيون المنطقة على النتائج
الإثنين، 26 أكتوبر 2026
تتجه إسرائيل، الثلاثاء، إلى انتخابات الكنيست الـ26، في أول اقتراع عام منذ هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أعقبها من حرب على غزة ومواجهات امتدت تداعياتها إلى لبنان وإيران وسوريا، بالتوازي مع تصاعد التوتر والانتهاكات في الضفة الغربية.
ويتنافس المرشحون على 120 مقعداً في الكنيست، فيما يحتاج أي ائتلاف حكومي إلى 61 مقعداً على الأقل لتشكيل الحكومة، وتبلغ العتبة الانتخابية لدخول البرلمان 3.25 في المئة من الأصوات.
وتجري الانتخابات هذه المرة في سياق داخلي وإقليمي مختلف جذرياً عن انتخابات عام 2022، إذ تتداخل فيها أسئلة المسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر، وإدارة الحروب والأمن، ومستقبل الحكومة، مع خلاف أعمق بشأن طبيعة الدولة وعلاقة مكونيها "اليهودي" و"الديمقراطي".
وتظهر استطلاعات الرأي أن هذا النقاش لم يعد نظرياً، إذ يرى 41 في المئة من اليهود و65 في المئة من العرب داخل إسرائيل أن المكون اليهودي بات أكثر هيمنة من المكون الديمقراطي، وفق استطلاع حديث لمركز فيتربي التابع للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية.
يدخل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو السباق على رأس حزب "الليكود"، الذي يمثل التيار اليميني الرئيسي، ويركز في حملته على الأمن ومواجهة إيران وما يصفه بإنجازات إسرائيل العسكرية خلال السنوات الثلاث الماضية، في حين يحاول خصومه تحميله المسؤولية السياسية عن إخفاقات السابع من أكتوبر.
ويرفض نتنياهو إقامة دولة فلسطينية، وجعل رفضها أحد المبادئ التي قال إنه سيضعها أمام أي حزب يرغب في الانضمام إلى حكومة يقودها بعد الانتخابات. كما يتمسك بعدم تولي السلطة الفلسطينية إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب.
في المقابل، يخوض رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت الانتخابات على رأس حزب "ياشار"، الذي يقدم نفسه بديلاً وسطياً لنتنياهو، ويركز برنامجه على تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر، وتعزيز الأمن، وتوسيع المساهمة في الخدمة العسكرية والوطنية، إلى جانب التعليم وغلاء المعيشة وإصلاح مؤسسات الدولة.
ولا يمثل آيزنكوت تحولاً جذرياً في الموقف من القضية الفلسطينية، إذ أعلن رفضه حل الدولتين في الظروف التي أعقبت السابع من أكتوبر، رغم اعتراضه في الوقت نفسه على بعض خطوات التوسع الاستيطاني، ومنها مشروع "E1" في الضفة الغربية.
تتوزع الخريطة الانتخابية على عدد كبير من القوائم والتيارات، ويتشكل المعسكر الداعم لنتنياهو أساساً من "الليكود"، و"القوة اليهودية" بقيادة إيتمار بن غفير، و"شاس"، و"يهدوت هتوراة"، وتحالف "الصهيونية الدينية – زيهوت".
وفي المعسكر المناوئ لنتنياهو يبرز "ياشار" بقيادة آيزنكوت، إلى جانب تحالف "بياحد" الذي يجمع حزبي نفتالي بينيت ويائير لابيد تحت قيادة بينيت، وحزب "الديمقراطيون" بقيادة يائير غولان، و"إسرائيل بيتنا" بقيادة أفيغدور ليبرمان.
وتوجد أيضاً قوائم أصغر، بينها "أزرق أبيض" و"الاحتياط والاقتصاد"، ويواجه بعضها احتمال عدم تجاوز العتبة الانتخابية.
أما التمثيل العربي، فينقسم أساساً بين "القائمة المشتركة"، التي تضم الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والتجمع الوطني الديمقراطي والحركة العربية للتغيير، وبين "القائمة العربية الموحدة" برئاسة منصور عباس، التي تخوض الانتخابات بصورة منفصلة.
ولا تقتصر أهمية هذه الخريطة على ترتيب الأحزاب ليلة الانتخابات، إذ تبدأ المعركة الفعلية على تشكيل الحكومة بعد فرز الأصوات، عندما يسعى كل معسكر إلى جمع 61 مقعداً، ما يمنح الأحزاب الصغيرة والقوائم غير المحسوبة بصورة كاملة على أي من المعسكرين وزناً أكبر في مفاوضات الائتلاف.
أظهرت الاستطلاعات التلفزيونية الأخيرة قبل الانتخابات تقدماً لحزب "ياشار" على "الليكود"، إذ حصل حزب آيزنكوت على ما بين 22 و23 مقعداً في عدد من الاستطلاعات الأخيرة، مقابل ما بين 19 و21 مقعداً لليكود.
لكن تقدم آيزنكوت كحزب منفرد لا يعني امتلاك معسكره الأغلبية، إذ أظهرت هذه الاستطلاعات بقاء معسكر نتنياهو ومعسكر خصومه دون عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل الحكومة، في حين تراوح تمثيل القوائم العربية في بعض التقديرات بين 14 و16 مقعداً.
وفي استطلاع منفصل أجرته "آغام لابس" بالتعاون مع الجامعة العبرية وشمل نحو أربعة آلاف مشارك، تراوح تقدير مقاعد الكتلة اليمينية والحريدية المحيطة بنتنياهو بين 52 و54 مقعداً، مقابل توقع حصول "ياشار" على نحو 20 مقعداً، من دون أن يمنح الاستطلاع أياً من المعسكرات أغلبية مستقرة بمفرده.
ولا تكشف الاستطلاعات عن اتجاه التصويت فقط، بل عن اختلاف أولويات الناخبين. فبحسب مركز فيتربي، تتصدر قضايا الأمن والسياسة الخارجية أولويات الناخبين اليهود، في حين تتصدر الجريمة داخل المجتمع العربي اهتمامات الناخبين العرب.
أما استطلاع مركز موشيه ديان، الذي أجري في أيار/مايو 2026، فقد قدّر نسبة المشاركة العربية بنحو 53 في المئة في حال خوض القوائم الانتخابات بصورة منفصلة، و67 في المئة في حال إعادة تشكيل قائمة مشتركة، مع إمكانية وصول تمثيلها في ذلك السيناريو إلى 16 مقعداً.
وأظهر الاستطلاع نفسه أن 77.2 في المئة من المشاركين العرب يؤيدون مشاركة حزب عربي في الائتلاف الحكومي المقبل، وهي نتيجة تعكس اتجاهاً داخل المجتمع العربي نحو محاولة تحويل القوة الانتخابية إلى تأثير مباشر في صناعة القرار.
وفي خلفية المشهد الاجتماعي، أظهرت دراسة لجامعة رايخمان، استندت إلى ثمانية استطلاعات أُجريت بين عامي 2021 و2025، تراجع دعم المساواة بين اليهود والعرب بعد السابع من أكتوبر.
وسجلت الفئة العمرية بين 18 و34 عاماً أكبر تراجع بين الفئات العمرية، بنسبة 17.7 في المئة، إذ انخفض متوسط دعم المساواة لديها من 0.55 قبل السابع من أكتوبر إلى 0.46 بعده، في حين بلغ التراجع العام في دعم المساواة لدى اليهود في الدراسة نحو 11 في المئة. وهذه الدراسة تقيس اتجاهاً اجتماعياً وليست استطلاعاً انتخابياً مباشراً.
ومع غياب أغلبية واضحة لأي معسكر، تتزايد الأسئلة بشأن قدرة الصوت العربي على التحول من كتلة انتخابية إلى قوة مؤثرة في تشكيل المشهد السياسي المقبل.
ويقول عضو الكنيست الدكتور أحمد الطيبي لموقع تلفزيون سوريا: "إن صدقت استطلاعات الرأي، فستكون أصواتنا ثقلاً، وسنترجمها إلى نفوذ عبر شبكة أمان لشعبنا".
ويوضح الطيبي أن هذا المسار يمكن أن يبدأ بخطوات داخل الكنيست بمعزل عن الانضمام إلى الحكومة، من بينها العمل على الإطاحة برئيس الكنيست واختيار شخصية من المعارضة يمكن التوصل معها إلى تفاهمات تقوم على المقايضة السياسية.
ويضيف: "نوفر لهم الأغلبية في القضايا المهمة بالنسبة إليهم، شرط ألا تمس بثوابتنا. مثلاً، قانون المتهم مقابل أن يتيحوا لنا إلغاء قانون كامينتس. لا شيك على بياض ولا هدايا مجانية".
ويرى الطيبي أن هذا السيناريو يتوقف على صدق الاستطلاعات وحصول الأحزاب العربية على عدد من المقاعد يسمح لها باستكمال الأغلبية المطلوبة، أي 61 عضواً من أصل 120، لصالح معسكر يسعى إلى إسقاط حكومة نتنياهو.
ويُعرف "قانون المتهم" بأنه مشروع لتعديل "قانون أساس: الحكومة"، يهدف إلى منع عضو كنيست صدرت بحقه لائحة اتهام من الحصول على تفويض بتشكيل حكومة، ولم يُقر المشروع حتى الآن.
أما "قانون كامينتس"، فهو الاسم المتداول للتعديل رقم 116 على قانون التخطيط والبناء، الذي أُقر عام 2017 وشدد إجراءات إنفاذ مخالفات البناء ووسع الصلاحيات الإدارية ورفع الغرامات. وتقول منظمات حقوقية إن تطبيقه ترك أثراً غير متناسب على المواطنين العرب بسبب أزمة التخطيط والتراخيص في بلداتهم.
ولا تقتصر متابعة الانتخابات على الداخل الإسرائيلي، إذ تحظى باهتمام واسع في دول المنطقة في ظل ارتباط الحكومة المقبلة بملفات غزة والضفة الغربية وإيران وسوريا ولبنان، ومستقبل العلاقات الإقليمية.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي محمد القيق أن جزءاً من الاهتمام الإقليمي بالانتخابات يستند إلى اعتقاد لدى بعض الأطراف بأن التوسع العسكري والتصعيد مرتبطان بصورة أساسية بشخص نتنياهو، وأن خروجه من السلطة قد يفتح المجال أمام تهدئة إقليمية.
لكن القيق يعتبر هذا الربط مبالغاً فيه، مشيراً إلى أن مواقف شخصيات معارضة لنتنياهو، من بينها غادي آيزنكوت وبيني غانتس، تظهر استمرار توجهات أمنية وعسكرية تتجاوز شخص رئيس الوزراء.
ويضيف أن اختزال أزمات المنطقة في علاقة نتنياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب يتجاهل عوامل أوسع ترتبط بالسياسات الأميركية نفسها وتوازنات المنطقة.
ويلفت القيق إلى أن الخلاف بين المعسكرات الإسرائيلية لا يصل، برأيه، إلى جوهر الموقف من إقامة دولة فلسطينية بقدر ما يرتبط بكيفية إدارة القضية، ولذلك فإن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تحولاً تلقائياً في السياسات تجاه الفلسطينيين أو في المقاربة الإسرائيلية للملفات الإقليمية.
وبحسب القيق، فإن متابعة نتائج الانتخابات تبقى مهمة لفهم شكل الحكومة المقبلة وطريقة إدارتها للملفات، لكن ربط الاستقرار الإقليمي بمصير نتنياهو وحده قد يقود إلى قراءة ناقصة للمشهد.
من جهته، يرى المحلل السياسي الدكتور أمجد شهاب أن قدرة المواطنين العرب على التأثير في نتائج الانتخابات مرتبطة أولاً بنسبة المشاركة، في ظل استمرار الانقسام داخل المجتمع العربي بشأن جدوى الدخول في العملية الانتخابية.
ويشير شهاب إلى أن التيار الإسلامي المرتبط بالشيخ رائد صلاح يتبنى منذ سنوات موقفاً رافضاً للمشاركة، في مقابل أصوات تدعو إلى رفع نسبة التصويت بهدف الحد من نفوذ اليمين المتطرف والدفاع عن قضايا المجتمع العربي، وفي مقدمتها تفاقم الجريمة.
ويقدّر شهاب أن توحيد الأصوات العربية ووصول المشاركة إلى مستويات مرتفعة جداً قد يرفع تمثيل الأحزاب العربية إلى نحو 20 مقعداً، لكنه يرجح نسبة مشاركة تقارب 70 في المئة.
أما القدرة على التأثير في تشكيل الحكومة، فتبقى، وفق شهاب، رهناً بتوازن المقاعد بين معسكر نتنياهو وخصومه، ومدى حاجة أي منهما إلى دعم عربي مباشر أو غير مباشر.
ولا يستبعد شهاب أن يقود غياب أغلبية مستقرة إلى حكومة وحدة وطنية، أو إلى تعثر تشكيل ائتلاف قادر على الصمود، بما قد يعيد سيناريو الذهاب إلى انتخابات جديدة كما حدث في جولات سابقة.
ويخلص إلى أن ارتفاع المشاركة العربية يعزز الحضور في الكنيست، لكنه لا يضمن وحده نفوذاً سياسياً فعلياً، إذ يعتمد ذلك على حجم التنسيق بين الأحزاب العربية، وتوازن القوى داخل البرلمان، واستعداد الأحزاب الإسرائيلية الأخرى للتعامل معها كشريك أو ككتلة داعمة من الخارج.
وتتضح صورة الكنيست الجديد مع فرز الأصوات وتوزيع المقاعد على القوائم التي تتجاوز العتبة الانتخابية، لتبدأ بعدها مرحلة قد تكون أكثر تعقيداً من يوم الاقتراع نفسه: مفاوضات تشكيل الحكومة.
Loading ads...
وفي ظل عدم منح الاستطلاعات أياً من المعسكرين أغلبية واضحة، قد لا يكون السؤال الأهم فقط من يتصدر النتائج، بل من يستطيع جمع 61 مقعداً، وما إذا كان الصوت العربي سيبقى خارج معادلة الحكم أم يتحول إلى أحد مفاتيحها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

