5 أشهر
حين اهتزت الجبهات.. كيف فضحت "ردع العدوان" تآكل ولاءات العشائر مع إيران؟
الأحد، 7 ديسمبر 2025
بعد انطلاق الثورة السورية، وبعد تدخلها لصالح نظام الأسد المخلوع، سعت إيران إلى بناء شبكة واسعة من التحالفات العشائرية في مختلف المحافظات، مستندة إلى الاعتقاد بأن البنية العشائرية يمكن أن تشكل ركيزة اجتماعية لتمدد نفوذها داخل المجتمع السوري، ورافعة عسكرية لحماية النظام، وقد استثمرت طهران بكثافة في تشكيل ميليشيات عشائرية، ومنحتها التمويل والسلاح والامتيازات، محاولةً خلق ولاء طويل الأمد يشبه نموذج "الحشد الشعبي" في العراق.
لكن هذا البناء الذي بدا متماسكاً في الصور والمناسبات وعلى الورق، سرعان ما بدأ يتآكل عندما انطلقت فصائل "ردع العدوان" في الشمال السوري، وتقدمت بشكل متسارع على جبهات حلب وكانت عينها على حماة وحمص، هنا ظهرت الحقيقة التي حاولت إيران طويلاً إنكارها، التحالفات العشائرية التي صنعتها لم تكن أيديولوجية ولا ثابتة، بل مصلحية وسريعة التفكك عند أول تهديد جدي.
العشائر السورية.. ولاءات مرنة لا تتماسك أمام الانكسار
تميزت البنية العشائرية في سوريا تاريخياً بمرونتها السياسية، وبتغير الولاءات تبعاً لموازين القوة، ومع انطلاق الثورة، انقسمت العشائر بين معارض، وموال، وحيادي، وعندما دخلت إيران بقوة إلى الساحة، اعتمدت على المال والسلاح لتجنيد مجموعات من عشائر البكارة، والبري، والعساسنة، وغيرهم من العشائر والقبائل السورية، في محاولة لبناء قوة محلية تابعة لها تحافظ من خلالها على تماسك النظام في مواجهة الثورة.
قالت مصادر متابعة لملف العشائر لموقع تلفزيون سوريا، إن الحواضن العشائرية والميليشيات التي شكلتها إيران خلال سنوات الصراع كانت تؤدي مهمتها طالما ظل النظام قوياً، وطالما بقيت خطوط الإمداد الإيرانية مفتوحة بالسلاح والمال والمعونات المادية والعينية، وطالما استمرت الامتيازات وتدفقت الرواتب وحافظت تلك التشكيلات على نفوذها المحلي، حافظت على حضور عسكري فاعل شكل فارقاً في بعض الجبهات.
أضافت المصادر، تجلى ذلك بوضوح في معارك حلب بين عامي 2012 و2014، ثم في ريف حلب الجنوبي عام 2015، وصولاً إلى معارك الأحياء الشرقية أواخر 2016 حين سيطرت عليها قوات النظام المخلوع بدعم مباشر من الميليشيات المدعومة إيرانياً، وتكرر المشهد ذاته في معارك دير الزور وحماة وحمص والغوطتين، حيث وظفت إيران التحالفات العشائرية باعتبارها مخزوناً بشرياً سريع التعبئة ورخيص الكلفة.
وبحسب المصادر، ظل الانضمام والولاء العشائري للميليشيات الإيرانية مرتبطاً بالامتيازات والرواتب ووعود حماية النفوذ المحلي، أكثر من ارتباطه بأي قناعة أيديولوجية عميقة، فالعلاقة كانت براغماتية في جوهرها، تقدم إيران المال والسلاح، وتمنح القوى العشائرية دوراً متقدماً مقابل الولاء، في حين تستفيد طهران من استخدام هذه التشكيلات كقوة ميدانية إضافية في معارك النظام على امتداد الجغرافيا السورية.
لكن ما أن انخفضت مستويات الدعم الإيراني، وبات النظام في أضعف حالاته مالياً وتنظيمياً، حتى بدأت تلك العشائر والميليشيات التي رعَتها طهران تفكر جدياً بالانفكاك، أو على الأقل الوقوف على الحياد في حال انطلقت أي معركة مضادة تهدف إلى إطاحته، وفي الواقع، لم يطل الوقت حتى ظهرت هذه التحولات على الأرض، إذ بدأت مؤشرات التفكك تتسرب تدريجياً مع كل أزمة مالية عاشها النظام، وكل تراجع في قدرة الميليشيات الإيرانية على دفع الرواتب وتأمين الإمدادات.
ومع اهتزاز جبهات النظام خلال الأسابيع الأخيرة أمام التقدم السريع لفصائل "ردع العدوان" القادمة من الشمال السوري، تفككت هذه التحالفات دفعة واحدة، وانفضت عنها العشائر والتشكيلات العشائرية التي قاتلت لسنوات إلى جانبه، وظهر ذلك جلياً في انسحاب مجموعات كانت تعد من أبرز أدوات إيران العشائرية، وانكفاء أخرى من دون قتال، بل وامتناع بعض العشائر عن تقديم أي دعم للنظام أو للمليشيات المرتبطة به، ما شكل ضربة سياسية ومعنوية لطهران.
هذا التفكك المفاجئ كشف عمق الفشل الإيراني في استنساخ نموذج "الميليشيات الولائية" في سوريا على غرار ما فعلته في العراق ولبنان، فالمسار السوري ظل هشاً منذ بدايته، لأن الولاء فيه كان قائماً على المصالح لا على العقيدة، وعلى الامتيازات لا على الارتباط الأيديولوجي، ومع أول اختبار حقيقي لصلابة تلك التحالفات، تبين أنها قابلة للانهيار بمجرد اهتزاز النظام الذي وفر لها البيئة والمظلة والدعم.
وهكذا، فإن الانفضاض السريع للتحالفات العشائرية عن إيران في لحظة حاسمة لا يعكس فقط أزمة النظام المخلوع، بل يفضح أيضاً محدودية القدرة الإيرانية على صناعة وكلاء محليين ثابتين في سوريا، وعلى ترسيخ نفوذ طويل الأمد قائم على الولاءات العقائدية، لقد سقطت صورة "التحالفات الصلبة" بمجرد اهتزاز الجبهات، وتكشف الواقع كما هو، نفوذ هش قام على المال والسلاح، وتلاشى حين غابت شروطه.
الميليشيات: انهيار سريع رغم سنوات من الدعم الإيراني
يعد لواء الباقر أبرز التشكيلات العشائرية التي استثمرت فيها إيران منذ 2012، مستنداً إلى نفوذ قبيلة البكارة، ومرتبطاً بالحرس الثوري وحزب الله، وبدا اللواء لسنوات قوة ضاربة تدعم النظام في معارك حلب والبادية.
لكن مع اهتزاز الجبهات الذي أحدثته عملية ردع العدوان، تراجع اللواء بشكل لافت، وانسحبت مجموعات كاملة منه من دون قتال في بعض المناطق، في حين فضلت مجموعات أخرى التواري أو عقد تسويات محلية تضمن لها النجاة بأقل الخسائر، وقد أكد هذا التراجع السريع أن الارتباط بالوضع العسكري للنظام كان أقوى بكثير من أي ولاء مفترض لإيران، وأن العلاقة التي بدت لسنوات صلبة ومؤدلجة لم تكن في الحقيقة سوى علاقة مصلحية مرتبطة بتوازنات القوة على الأرض.
ولم يقتصر الأمر على الانسحابات، بل سار قادة اللواء وممثلوه السابقون خطوة إضافية نحو التقرب من السلطة الجديدة في سوريا، مستفيدين من صلات القرابة العشائرية مع مسؤولين في هرم القيادة الجديدة، وقد بدا المشهد أشبه بمحاولة استباقية لإعادة التموضع والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من مكاسب اجتماعية وعشائرية ومادية، إضافة إلى تفادي أي تبعات أو إجراءات قد تتخذ بحقهم نتيجة لدعمهم السابق للنظام المخلوع أو لإيران.
وتجلت هذه التحركات بوضوح في الحراك العشائري الذي يقوده مستشار الرئيس الشرع لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، إذ ظهر عدد من قادة وممثلي اللواء في صور ومناسبات تجمعهم به خلال الأسابيع الماضية، وعلى الرغم من محاولة هؤلاء تقديم وجودهم في تلك اللقاءات باعتباره خطوة “تصالحية” أو “وطنية”، إلا أن مراقبين محليين رأوا فيها محاولة واضحة لإعادة إنتاج حضورهم ضمن منظومة النفوذ الجديدة، وقطع الطريق أمام أي إجراءات قد تتخذ بحقهم مستقبلاً.
وتشير مصادر قبلية لموقع تلفزيون سوريا إلى أن بعض هذه الشخصيات يسعى أيضاً إلى تفعيل قنوات تواصل مع العشائر الكبرى في المنطقة، أملاً في استعادة جزء من المكانة التي فقدها اللواء مع انهيار الجبهات، ولتحقيق نوع من الحماية الاجتماعية في مواجهة المتغيرات المتسارعة، وفي الوقت نفسه، يراقب أبناء العشائر هذه التحركات بحذر، إذ يعتبر كثيرون أن تلك المجموعات كانت بالأمس القريب جزءاً من آلة القمع التي دعمها النظام وإيران، قبل أن تتبدل ولاءاتها بمجرد تغير موازين القوى.
النفوذ ينهار
يعتبر لواء زين العابدين المكوّن من أبناء عشيرة آل بري (من قبيلة الجيس) مثالاً آخر على استراتيجية إيران في دعم مجموعات محلية لضبط أحياء حلب الشعبية، بعدما لعبت هذه العشيرة دوراً مهماً في قمع الاحتجاجات منذ عام 2012.
ورغم الدعم الإيراني، مالاً وسلاحاً وتدريباً، إلا أن اللواء انهار مباشرةً مع اهتزاز جبهات النظام، وتفككت مراكزه في الريفين الشرقي والجنوبي لحلب وداخل المدينة، ما جعل وجوده العسكري شبه رمزي خلال أيام قليلة، وهو بالأصل من بين التشكيلات العشائرية التي ضعفت كثيراً في آخر عامين قبيل سقوط النظام المخلوع، هنا أيضاً ظهر أن الرابط بين إيران وهذه المجموعات تحالف مصلحة قصيرة الأمد، أكثر منه امتداداً سياسياً أو عقائدياً.
أما لواء دوشكا المنتمي إلى عشيرة العساسنة، فقد كان واحداً من التشكيلات العشائرية الصغيرة بحلب، ويضم مجموعات سابقة من "الشبيحة" التي ساهمت في قمع المظاهرات بداية الثورة، ورغم مشاركته في عدة معارك، فإن اللواء لم يكن يملك قاعدة شعبية أو تجذراً عشائرياً كافياً لحمايته عند تغير الظروف، ومع تقدم فصائل ردع العدوان، اختفى اللواء، وتفرقت عناصره بين الانسحاب والبحث عن ملاذات آمنة، ما أكد أن الميليشيات العشائرية التي لا تمتلك أرضية اجتماعية حقيقية لا يمكنها الصمود عند تراجع الممول الأساسي.
أما فيلق المدافعين عن حلب، الذي ضم منتسبين من عشائر وقوى محلية مختلفة داعمة للنظام، وكان يقوده الحاج صابر رامين، الذي شغل في الوقت ذاته منصب مدير الملحق الثقافي في القنصلية الإيرانية بحلب، فقد اختفى تماماً من المشهد، ولم يكن له أي دور يُذكر في تغيير موازين القوى منذ انطلاق معركة ردع العدوان، هذا الفيلق، الذي روج لنفسه طويلاً بعد سيطرة النظام المخلوع على الأحياء الشرقية من حلب نهاية عام 2016 بوصفه أقوى ميليشيا محلية مدعومة من إيران في المدينة، وصور نفسه كقوة ذات حضور متشعب في قطاعات الصحة والإنشاءات والإغاثة وغيرها، بدا وكأنه قطعة ملح ذابت مع أول اختبار حقيقي لصلابته.
ومع تسارع الأحداث وانهيار خطوط الدفاع في محيط حلب، تلاشى الفيلق بالكامل من دون أي مقاومة أو حتى محاولة للتموضع مجدداً، ما كشف هشاشة المشروع الإيراني داخل المدينة رغم سنوات طويلة من الاستثمار في بناء واجهات ميليشياوية ترتكز على خطاب “الدفاع الأهلي” و“الحضور الخدمي”. وبحسب مصادر محلية، فإن الفيلق لم يُظهر أي تحرك، لا عسكري ولا حتى إعلامي، منذ بدء المعركة، الأمر الذي أثار تساؤلات عميقة حول حجم قوته الحقيقية خلال السنوات الماضية، وما إذا كان نفوذه مبنياً على التضخيم الإعلامي أكثر من كونه قوة فعلية يمكن الاعتماد عليها.
كما تشير تقديرات ميدانية إلى أن انهيار الفيلق بهذه السرعة يعكس غياب الحاضنة الاجتماعية التي كان يعتمد عليها، إذ كان تجنيده قائماً على الامتيازات والرواتب وتأثير النفوذ الإيراني، لا على ارتباط عقائدي أو شعبي حقيقي، ومع اهتزاز النظام وتراجع حضور إيران، انفرط عقد هذه القوة سريعاً، ليتبين لاحقاً أن الفيلق الذي قدّم نفسه كذراع محلية لإيران في حلب لم يكن سوى هيكل هشّ فقد مبرر وجوده بمجرد تغير الظروف العسكرية والسياسية.
سقوط التحالفات العشائرية
راهنت إيران منذ سنوات على تحويل سوريا إلى قاعدة نفوذ سياسي ومذهبي، لكن تجربة التحالفات العشائرية شكلت أكبر إخفاقاتها الاستراتيجية، لأنها كشفت:
. غياب الروابط الأيديولوجية بين إيران والعشائر السورية.
. فشلها في خلق قوة محلية ولائية قادرة على القتال من دون وجود النظام.
. ضعف المشروع الإيراني خارج البيئة الطائفية الضيقة التي تعتمد عليها في مناطق أخرى.
. انهيار سريع لشبكة النفوذ الإيرانية عند أول تراجع عسكري للنظام.
ومع اهتزاز جبهات نظام الأسد المخلوع، بدا واضحاً أن إيران هي الخاسر الأكبر، فقد خسرت الميليشيات التي دعمتها، وخسرت قدرتها على التأثير داخل العشائر، كما خسرت مشروعها الأمني والعسكري في سوريا.
Loading ads...
بينت عملية ردع العدوان أن الجبهات السورية لا تستجيب للتحالفات الشكلية، ولا تبنى على المال وحده، وأن مشروع إيران القائم على شراء الولاءات سقط أمام أول اختبار حقيقي، فالعشائر التي دعمتها لم تقاتل دفاعاً عن مشروعها، بل لأجل مصالح ظرفية انتهت بانتهاء قدرة النظام على الصمود، واليوم، يبدو جلياً أن إيران لم تفشل فقط في الحفاظ على النظام المخلوع، بل فشلت قبل ذلك في تحويل العشائر السورية إلى ذراع محلية تابعة لها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

