مع التعديل الوزاري الأخير، الذي حمل معه وزيرًا جديدًا للإعلام، تعود إلى الواجهة أسئلة قديمة لم تُحسم بعد عن واقع الإعلام السوري، وما الذي تحقق فعليًا منذ سقوط النظام السابق قبل عام ونصف العام.
وبين من يرى أن الإعلام قطع خطوات مهمة في ظروف شديدة التعقيد، ومن يعتبر أنه أخفق في أداء أبسط وظائفه، تتوزع الأحكام بين الرضا والسخط، وغالبًا ما تُختزل المسؤولية كلها في شخص الوزير، وكأن الأزمة الإعلامية مجرد أزمة إدارة أفراد، لا أزمة بنية ورؤية وسياسات.
غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن التركة التي ورثها الإعلام السوري كانت واحدة من أكثر تركات النظام السابق خرابًا وتشوهًا، ليس فقط على المستوى المهني والتقني، بل أيضًا على مستوى الثقافة الإعلامية نفسها، التي جرى إفسادها لعقود طويلة، حتى تحولت وسائل الإعلام إلى أدوات للتلقين والتعبئة والتزييف، لا إلى مؤسسات تنقل الحقيقة وتخدم المجتمع. ولذلك، لم يكن متوقعًا أن ينهض هذا القطاع بسرعة، أو أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى نموذج إعلامي مهني ومتوازن.
لكن ذلك لا يلغي حقيقة أخرى، وهي أن السلطة الجديدة لم تتعامل مع الإعلام بوصفه أولوية تأسيسية في المرحلة الانتقالية. فظهور القناة التلفزيونية الوطنية تأخر لأشهر طويلة، وكذلك الحال بالنسبة إلى وكالة الأنباء الرسمية والصحيفة الحكومية وبقية المؤسسات. وحتى اليوم، ما تزال عملية بناء الإعلام الرسمي تبدو متعثرة وناقصة، وكأن الدولة نفسها لم تحسم بعد رؤيتها لدور الإعلام وحدوده ووظيفته.
من الطبيعي أن يحتاج الإعلام السوري الجديد إلى وقت طويل ليستعيد ثقة الجمهور، لكن ذلك لن يتحقق من دون مؤسسات مهنية مستقلة، وبيئة قانونية تحمي حرية التعبير، وصحافة قادرة على مساءلة السلطة، لا الاكتفاء بترديد خطابها.
المشكلة الأساسية، في تقديري، لم تكن في قلة الإمكانات أو ضعف البنية فحسب، بل في طبيعة الأداء الإعلامي نفسه؛ لأنه الأداء الذي يكشف، في النهاية، كيف تنظر السلطة إلى الإعلام، وكيف يفهم الإعلاميون دورهم، وكيف بدأ المجتمع بدوره ينظر إلى هذه المؤسسات. وخلال المرحلة الماضية، بدا واضحًا أن وزارة الإعلام لم تنجح في معالجة عدد من الملفات الجوهرية، ولم تتمكن من تقديم نموذج مختلف فعليًا عن الصورة التقليدية للإعلام الرسمي، رغم تغير الظروف السياسية بالكامل.
وأعتقد أن المرحلة السابقة وقعت في ثلاثة أخطاء رئيسية، آمل أن يتمكن الوزير الجديد من تجاوزها، مع التأكيد أن الملف الإعلامي لا تديره الوزارة وحدها، بل تتداخل فيه مراكز نفوذ وتأثير متعددة، بعضها ظاهر وبعضها الآخر غير معلن.
الخطأ الأول كان غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة لدور الإعلام في المرحلة الانتقالية. فالإعلام في مثل هذه اللحظات التاريخية لا يمكن أن يكون مجرد منصة لنقل الأخبار أو أداة للدعاية السياسية، بل يُفترض أن يتحول إلى مساحة وطنية مفتوحة للمصارحة والمصالحة، ومنبر للضحايا، ووسيلة لفهم ما جرى ومناقشة المستقبل. فالإعلام الحر ليس ترفًا سياسيًا، بل أحد الشروط الأساسية لبناء العدالة والديمقراطية واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.
لكن من الصعب أن يؤدي الإعلام هذا الدور حين يُدار بعقلية الارتجال، أو حين يُسلَّم بالكامل إلى ناشطين يفتقر كثير منهم إلى الحد الأدنى من الخبرة المهنية، أو حين يخضع لتأثير مسؤولين لا يدركون طبيعة العمل الصحفي، ويختزلون الإعلام في منطق “المؤثرين” وصناع المحتوى السريع. وهنا يتحول الإعلام نفسه إلى ضحية للفوضى، بدل أن يكون أداة لتنظيم النقاش العام وبناء الوعي الجماعي.
ولعل أخطر ما ينتجه غياب الرؤية هو تراكم الأخطاء اليومية الصغيرة، التي تبدو تفصيلية، لكنها تكشف خللًا عميقًا في الفهم المهني: طريقة صياغة الأخبار، ومعايير اختيار الضيوف، وطبيعة التغطيات، ومفهوم القيمة الخبرية، وأولوية ما يجب أن يراه الناس. حتى باتت النشاطات الروتينية العادية للمسؤولين تتصدر النشرات والتغطيات، بينما بقيت مناطق مدمرة بالكامل، لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن مقر التلفزيون الرسمي، خارج عدسة الكاميرا وخارج الاهتمام الإعلامي. وكأن الإعلام ما يزال يرى السلطة أكثر مما يرى الناس، ويبحث عن رضا المسؤول لا عن معاناة المجتمع.
ومن الطبيعي أن يحتاج الإعلام السوري الجديد إلى وقت طويل ليستعيد ثقة الجمهور، لكن ذلك لن يتحقق من دون مؤسسات مهنية مستقلة، وبيئة قانونية تحمي حرية التعبير، وصحافة قادرة على مساءلة السلطة، لا الاكتفاء بترديد خطابها. عندها فقط يمكن للإعلام أن يؤدي دوره الحقيقي في توثيق الانتهاكات، وحفظ ذاكرة الضحايا، وفتح نقاش وطني جدي حول العدالة والمصالحة وشكل الدولة المقبلة.
أما الخطأ الثاني، فتمثل في العجز، حتى الآن، عن بناء إطار قانوني واضح ينظم العمل الإعلامي. فمن غير المفهوم أن تمر كل هذه الفترة الانتقالية من دون إصدار قانون إعلام عصري يحدد الحقوق والواجبات بدقة، ويحمي المجتمع من الفوضى الإعلامية، كما يحمي الصحفي من تعسف السلطة وأجهزتها. وبدلًا من ذلك، جرى استنزاف الوقت في الحديث عن “مدونات سلوك” لم يظهر لها أثر حقيقي في الواقع، وبقي الإعلام يعمل ضمن مساحات رمادية، لا يعرف فيها الصحفي ما له وما عليه، ولا تعرف المؤسسات حدود صلاحياتها ومسؤولياتها.
لا أحد يعارض منح الشباب فرصتهم، بل إن ذلك ضرورة طبيعية في أي عملية تغيير، لكن الفرص لا يمكن أن تُبنى على الإقصاء، ولا أن تكون بديلًا عن الخبرة والتأهيل والمعايير المهنية.
أما الخطأ الثالث، وربما الأكثر حساسية، فكان احتكار إدارة المشهد الإعلامي ضمن دائرة جغرافية وسياسية ضيقة، مرتبطة بالقادمين من الشمال السوري، أو بمن يدور في هذا الفلك، مع استبعاد عدد كبير من الكفاءات الإعلامية السورية الأخرى، بمن فيهم إعلاميون انشقوا مبكرًا عن إعلام النظام السابق، ودفع بعضهم أثمانًا شخصية ومهنية باهظة بسبب مواقفهم.
والمفارقة أن شخصيات ارتبطت سابقًا بالتشبيح والتحريض بقيت في مواقعها، أو عادت بصورة أو بأخرى، في حين جرى تجاهل صحفيين محترفين راكموا خبرات مهمة داخل مؤسسات عربية ودولية مرموقة. كما أن معظم من تولوا إدارة الإعلام الرسمي الجديد هم من الناشطين الذين برزوا خلال سنوات الحرب في الشمال السوري بوصفهم “إعلاميي الثورة”، بينما جرى تهميش بقية الخبرات والأصوات، وكأن الثورة السورية اختُزلت جغرافيًا وسياسيًا ضمن منطقة أو فئة محددة.
لا أحد يعارض منح الشباب فرصتهم، بل إن ذلك ضرورة طبيعية في أي عملية تغيير، لكن الفرص لا يمكن أن تُبنى على الإقصاء، ولا أن تكون بديلًا عن الخبرة والتأهيل والمعايير المهنية. فالمؤسسات لا تُدار بالحماسة وحدها، بل بالكفاءة والتنوع والانفتاح والقدرة على استيعاب الجميع.
Loading ads...
ومع استمرار هذا النهج، يصبح من المشروع طرح أسئلة جدية حول من يدير الإعلام السوري فعلًا، وما إذا كانت وزارة الإعلام تملك القرار الحقيقي، أم أن هناك “مراكز قوى” تدير الأمر من خلف الستار، وتتحكم بالمشهد الإعلامي برمته، وهو ما يعيد إلى الأذهان آليات الإدارة ذاتها التي كانت سائدة في عهد نظام الأسد، حتى وإن اختلفت الوجوه والشعارات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

