Syria News

الأربعاء 13 مايو / أيار 2026

  • الرئيسية
  • عاجل
  • سوريا
  • العالم
  • إقتصاد
  • رياضة
  • تكنولوجيا
  • منوعات
  • صحة
  • حواء
  • سيارات
  • أعلن معنا
جاري تحميل الأخبار العاجلة...

حمل تطبيق “سيريازون” مجاناً الآن

store button
سيريازون

كن على علم بجميع الأخبار من مختلف المصادر في منطقة سيريازون. جميع الأخبار من مكان واحد، بأسرع وقت وأعلى دقة.

تابعنا على

البريد الإلكتروني

[email protected]

تصفح حسب الفئة

الأقسام الرئيسية

  • عاجل
  • سوريا
  • العالم
  • إقتصاد
  • رياضة

أقسام أخرى

  • صحة
  • حواء
  • سيارات
  • منوعات
  • تكنولوجيا

روابط مهمة

  • أعلن معنا
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • عن سيريازون
  • اتصل بنا

اشترك في النشرة الإخبارية

ليصلك كل جديد وآخر الأخبار مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لصالح مؤسسة سيريازون الإعلامية © 2026

سياسة الخصوصيةالشروط والأحكام
السخرية حين تصبح بديلا عن السياسة | سيريازون - أخبار سوريا | سيريازون
logo of تلفزيون سوريا
تلفزيون سوريا
ساعة واحدة

السخرية حين تصبح بديلا عن السياسة

الأربعاء، 13 مايو 2026
السخرية حين تصبح بديلا عن السياسة
تعيش سوريا اليوم لحظة تحتاج إلى كلام من نوع آخر؛ كلام يذهب إلى التفاصيل الصعبة: من الدولة إلى العدالة، ومستقبل الطوائف، والمدن المهدّمة، والذاكرة، والسلاح، والثأر، والفساد، والنازحين، والاقتصاد، والتعليم، والإعلام، والحكومة الجديدة، وبقايا السلطة القديمة، وموقع الفرد السوري في بلد خرج من حكم شمولي طويل، ومن حرب طويلة، ومن تمزق اجتماعي لم يلتئم بعد؛ أي من سؤال المواطنة. غير أن جزءاً واسعاً من الفضاء الإعلامي السوري، التلفزيوني والرقمي، يبدو كأنه اختار طريقاً أسهل: السخرية، والتنمر، وتصيّد الهفوات المتبادل، والكوميديا السوداء، وتحويل الخصوم إلى مادة للضحك، وتحويل النقاش العام إلى مسرح دائم للتعليقات اللاذعة.
هذه الظاهرة تستحق الدراسة، لأنها تجاوزت حدود المزاح السياسي أو الكاريكاتور الصحافي، وأصبحت تنذر بتمدد المأساة إلى ما لا نهاية. نحن أمام لغة كاملة صارت تملك جمهورها ومموليها ومنصاتها وأبطالها؛ لغة تتقدم غالباً بوصفها نقداً، لكنها تنتهي في كثير من الأحيان إلى إنتاج احتقار متبادل. لغة تقول إنها تواجه السلطة، ثم تمارس سلطة رمزية على من تسخر منهم. لغة تبدو ديمقراطية في ظاهرها، لكنها تعمل داخل مجتمع جريح، منقسم، خائف، وكلٌّ يخاف لأسبابه، سريع الاشتعال، قليل الثقة، ومثقل بذاكرة الإهانة.
السخرية في المجتمعات الديمقراطية تمتلك شروطاً مختلفة. هناك مؤسسات، وقوانين، ومحاكم، وانتخابات، وأحزاب، وصحافة مستقلة نسبياً، وتقاليد طويلة في قبول النقد، ومسافة بين الشخص وموقعه السياسي.
بدأ هذا النوع من البرامج في الوعي العربي المعاصر كتفريغ رمزي في زمن انقطاع الحيلة قبل عقد ونصف تقريباً. حين تغلق السياسة أبوابها، وحين يصبح الحوار الجاد خطراً أو عديم الجدوى، تظهر السخرية كمنفذ. إنها تسمح للناس بأن يضحكوا من القاهرين، ومن الإعلام الرسمي، ومن الكذب العلني، ومن اللغة الخشبية، ومن السياسي المتعجرف، ومن المذيع الذي يكرر ما يُملى عليه. بهذا المعنى، كانت السخرية في بداياتها شحنة تعويضية؛ ضحكة في وجه العجز، وإشارة صغيرة إلى أن الناس ما زالوا قادرين على رؤية الكذب وتسميته.
في مصر مثلاً، ظهر برنامج باسم يوسف في هذا السياق. قام البرنامج على اصطياد أخطاء الخطاب السياسي والإعلامي، وتفكيكها، وتضخيم تناقضاتها، والسخرية من أصحابها. حقق انتشاراً كبيراً لأنه وصل إلى لحظة كان فيها الجمهور محتاجاً إلى من يكشف تهافت اللغة الرسمية بعد الثورة والانتكاسات المتلاحقة. ثم توقّف البرنامج وسط ضغوط سياسية وإعلامية واضحة؛ فقد أشارت رويترز، في عام 2013، إلى تعليق بث البرنامج على قناة CBC، وربطت الجدل حوله، حسب رويترز، بأسئلة حرية التعبير في مصر بعد الربيع العربي. كما أعلنت لاحقاً منظمات وصحف دولية توقفه النهائي في عام 2014 ضمن مناخ سياسي مضطرب.
بعد تلك التجربة، تدفقت البرامج المشابهة في فضائيات عربية كثيرة. كالعادة، قلّدت التلفزيونات العربية الصيغة أكثر مما طوّرت الفكرة. ظهر مقدّمون ومقدّمات يملكون حساً كوميدياً متفاوتاً، وراحوا يتعاملون مع السياسة والإعلام والحياة العامة من موقع المعلّق الساخر. الملاحظة الأساسية هنا أن هذه البرامج تفترض غالباً استعلاءً معرفياً وأخلاقياً؛ فالمقدّم يعرف الصواب، والسياسي يخطئ؛ والمذيع يعرف، والضيف يجهل؛ والساخر يرى الصورة كاملة، والآخرون محاصرون في غبائهم أو نفاقهم أو طائفيتهم أو فسادهم. بهذا الترتيب، يصبح البرنامج محكمة أسبوعية، ويصبح المذيع قاضياً ومصححاً دائماً لأخطاء الآخرين، واضعاً نفسه وجهاته التمويلية في مكان منزّه.
مشكلة هذا النمط أنه نادراً ما يرى أخطاءه هو. وهذا، في الحقيقة، جزء من شرطه الداخلي. فلكي ينجح برنامج السخرية، يجب أن يقف صاحبه في نقطة أعلى من المادة التي يسخر منها. هو محتاج إلى مسافة استعلاء، وإلى إيقاع هجومي، وإلى خصم واضح. لكنه، حين يتحول إلى عادة إعلامية، ينتج لغة نقدية محدودة الفاعلية؛ لغة تكشف التناقض ولا تبني فهماً، وتثير الضحك ولا تفتح نقاشاً، وتحرج الخصم ولا تقنعه، وتكسب جمهوراً مؤيداً، وتدفع الجمهور الآخر إلى مزيد من التصلب. وهذا كارثي في بلد مثل بلدنا.
هنا تكمن خطورة الظاهرة في سوريا. فالبلاد الخارجة من حكم شمولي، ومن حرب أهلية، ومن انقسامات طائفية ومناطقية وسياسية، تحتاج إلى خطاب قادر على ترميم الحد الأدنى من المجال العام. تحتاج إلى صحافة تحقق، وتسأل، وتقارن، وتوثق، وتكشف الفساد، وتراجع الخطاب السياسي، وتفتح ملفات العدالة، وتحاسب السلطات القديمة وحتى الجديدة بلغة دقيقة. أما السخرية التي تقترب من التنمر حين تتحول إلى أسلوب غالب، فإنها تشعل الحساسية نفسها التي تزعم أنها تنتقدها. كل طرف يشعر أن الضحك موجّه إليه: إلى طائفته، إلى مدينته، إلى رموزه، إلى شهدائه، إلى خوفه، إلى كرامته الجريحة.
السخرية في المجتمعات الديمقراطية تمتلك شروطاً مختلفة. هناك مؤسسات، وقوانين، ومحاكم، وانتخابات، وأحزاب، وصحافة مستقلة نسبياً، وتقاليد طويلة في قبول النقد، ومسافة بين الشخص وموقعه السياسي. هنا، لا يكون الاستعلاء شخصياً، بل مستنداً إلى دستور محلي واضح، ولا تقارن التجارب المحلية بالآخر. إنه استعلاء سقفه الدستور والقانون. لذلك يمكن للكاريكاتور الحاد، أو لبرنامج دمى مثل «Les Guignols de l’info» في فرنسا، أن يسخر من رئيس أو وزير أو زعيم حزب، ضمن لعبة يعرف المواطن قواعدها. هذا النوع من البرامج ظهر في فرنسا على قناة Canal+ منذ أواخر الثمانينيات، ضمن تقليد واضح من السخرية السياسية التلفزيونية، واستمر سنوات طويلة جزءاً من المشهد الإعلامي الفرنسي.
في تلك البيئات، يعرف الجمهور غالباً أن الصحيفة أو القناة لها خط سياسي، وأن البرنامج الساخر جزء من معركة رمزية داخل نظام يسمح بتعدد المعارك. السخرية هناك تجرح، لكنها تجري داخل إطار سياسي وقانوني واجتماعي يحتمل الجرح. أما في مجتمعاتنا، فالسخرية تدخل إلى فضاء لم يكتمل فيه معنى المواطنة بعد، ولم تنفصل فيه الطائفة عن السياسة، ولم ينفصل الزعيم عن الجماعة، ولم تنفصل الهزيمة الشخصية عن الإهانة العامة. لذلك تتحول النكتة أحياناً إلى اتهام، ويتحول الكاريكاتور إلى اعتداء، ويتحول التعليق الفيسبوكي إلى شرارة حقد.
كان لبنان المختبر العربي الأوضح لهذه الصيغة. فقد انتشرت فيه برامج السخرية السياسية في ظل تعددية إعلامية مرتبطة بالأحزاب والطوائف والمال السياسي. لكل حزب أو طائفة شاشة أو صحيفة أو منصة، ولكل شاشة ساخرها ومذيعها ولهجتها الهجومية. وهكذا صار الرد يتم غالباً وفق منطق بسيط: تسخر من زعيمي، أسخر من زعيمك؛ تحتقر حزبي، أحتقر حزبك؛ تفضح طائفتي، أفضح طائفتك. وتشير دراسات عن السخرية السياسية اللبنانية إلى أن لبنان امتلك واحدة من أكثر البيئات العربية انفتاحاً في حرية التعبير والنقد الإعلامي، لكن هذه الحرية نفسها ظلت مرتبطة بتوازنات سياسية وطائفية معقدة.
بالنسبة إلى السوريين، بدت هذه البرامج اللبنانية، زمناً طويلاً، كأنها محيطات من الحرية. السوري الذي عاش تحت حكم شمولي لا يسمح لنسمة نقد أن تمر في إعلامه، كان يرى في السخرية اللبنانية شيئاً خيالياً. نحن جئنا من بلد كان يراقب الصحف والترددات الإذاعية والتلفزيونية، ويخاف من كلمة عابرة، ومن كاريكاتور، ومن نكتة، ومن مذيع في بلد مجاور؛ بلد كانت السلطة فيه تخشى حتى الضحك، لأنها تعرف أن الضحك قد يكشف هشاشتها أكثر مما تفعل الخطب السياسية.
بعد اندلاع الثورة السورية، ثم حرب النظام على المجتمع، تدفقت السخرية إلى الصحافة السورية المعارضة والبديلة والرقمية. كان ذلك مفهوماً في البداية، فالمشهد كان يحتاج إلى كسر آلة الرعب. كانت السخرية من لغة النظام، ومن إعلامه، ومن رموزه، ومن أبواقه، نوعاً من المقاومة الرمزية. ضحك السوريون من الوحش لأنهم لم يكونوا قادرين على إيقافه. صار الضحك طريقة للنجاة، ووسيلة لحفظ العقل أمام مقدار لا يُحتمل من العنف والكذب.
لكن المشكلة بدأت حين تحولت هذه اللغة من أداة مقاومة إلى عادة مهنية، ومن استثناء إلى بنية خطابية. صار هناك تمويل لمشاريع ساخرة، وبرامج مبنية على التهكم، ومنصات تعيش من فضائح الآخرين، وصفحات تستمد حضورها من التحقير، ومقدّمون يكتسبون شرعيتهم من قدرتهم على الإهانة الذكية. شيئاً فشيئاً، أخذت السخرية مساحة واسعة من النقد الجاد. لم تعد هامشاً، بل صارت مركزاً. لم تعد رد فعل على القمع فقط، بل صارت أسلوباً عاماً في النظر إلى المجتمع والسياسة والخصوم.
بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، دخلت سوريا مرحلة جديدة في الصحافة والحريات، لكنها مرحلة شديدة الهشاشة. تشير "مراسلون بلا حدود" إلى أن سقوط الأسد أنهى عقوداً من القمع العنيف للصحافة، مع تحسن واضح في ظروف العمل الصحافي في معظم المناطق، لكنها تؤكد أيضاً أن الحرية ما زالت هشة بسبب الاضطراب السياسي والضغط الاقتصادي. وفي مؤشر 2026، سجلت سوريا أكبر تحسن عالمي في ترتيب حرية الصحافة، إذ صعدت 36 مرتبة، مع بقائها في موقع متأخر نسبياً.
السخرية السياسية الحقيقية تحتاج إلى عقل ديمقراطي لدى الساخر والمتلقي معاً. تحتاج إلى مقدّم يعرف حدوده، وإلى جمهور قادر على التمييز بين نقد الفعل العام وإهانة الهوية الخاصة..
هذه الهشاشة تفرض سؤالاً أساسياً: هل يكفي أن تسقط الرقابة القديمة كي يصبح المجتمع مستعداً لسخرية ديمقراطية؟ الجواب العملي واضح: المسألة أعقد بكثير. فالمجتمع الذي خرج من الدكتاتورية لا يخرج تلقائياً من آلياتها النفسية. قد تسقط السلطة، وتبقى لغتها فينا: لغة الإلغاء، والتصنيف، والشماتة، والتخوين، والاحتقار، والتعميم، وتحويل الفرد إلى ممثل لجماعته. وحين تدخل السخرية إلى هذه البنية، فإنها تأخذ من الديمقراطية شكلها، ومن الدكتاتورية أعصابها وهدفها التمزيقي.
هذا ما يجعل استخدام لغة ديمقراطية في بلد لم ينجز بعد شروط الديمقراطية أمراً شديد الخطورة. السخرية السياسية الحقيقية تحتاج إلى عقل ديمقراطي لدى الساخر والمتلقي معاً. تحتاج إلى مقدّم يعرف حدوده، وإلى جمهور قادر على التمييز بين نقد الفعل العام وإهانة الهوية الخاصة، بين محاسبة السياسي وتحقير الجماعة التي ينتمي إليها، بين تفكيك خطاب طائفي وإنتاج خطاب طائفي مضاد، بين الضحك من السلطة والضحك من الضحايا.
أما ما يحدث في كثير من فضائنا الرقمي فهو انتقال سريع من النقد إلى التنمر. التنمر هنا لم يعد مجرد شتيمة مباشرة. قد يأتي في هيئة نكتة، أو مونتاج، أو لقب ساخر، أو صورة معدلة، أو نبرة صوت، أو تكرار خطأ لفظي، أو تضخيم هيئة جسدية، أو استهزاء بلكنة، أو بملابس، أو بمنطقة، أو بأصل اجتماعي، أو بانتماء ديني، أو بخلفية سياسية، أو استخدام بذيء للذكاء الاصطناعي. هكذا يصبح النقد ستاراً أخلاقياً لتصريف العدوان. والمفارقة أن هذا العدوان يقدّم نفسه غالباً بوصفه دفاعاً عن الحرية.
نحتاج هنا إلى تفريق واضح بين السخرية النقدية والسخرية الهدامة. السخرية النقدية تذهب إلى السلطة والخطاب والمصلحة العامة، وتملك معرفة بالملف الذي تتناوله، وتكشف التناقض وتترك باب الفهم مفتوحاً، وتعاقب الفعل العام أو الفكرة الخاطئة ولا تسحق الشخص كلياً، وتستعمل الذكاء لا الغريزة بأنواعها. أما السخرية الهدامة، فتفتش عن نقطة ضعف، أو جملة مقتطعة من سياقها العام، وتبني عليها فضيحة، وتحشد الجمهور للضحك الجماعي من شخص أو جماعة. الأولى توسع المجال العام، والثانية تحوله إلى حلبة.
المطلوب بناء عقل سوري قادر على التمييز. عقل لا يخلط بين الضحك والوعي، بين القسوة والشجاعة، بين التهكم والتحليل، بين كسر الخوف وصناعة الإهانة.
في سوريا اليوم، نحن أحوج إلى النوع الأول، وأشد عرضة للنوع الثاني؛ لأن البلد يعيش انقساماً أهلياً حاداً، ولأن الذاكرة محمّلة بالدم، ولأن كل كلمة قد تُقرأ من خلال خوف جماعي. السوري العلوي قد يسمع السخرية بوصفها تهديداً لطائفته. السوري السني قد يسمعها بوصفها استهانة بتضحياته. الكردي قد يسمعها بوصفها إنكاراً لهويته. المسيحي أو الدرزي أو الإسماعيلي قد يسمعها بوصفها ضغطاً على وجوده. ابن المدينة المدمرة قد يسمع النكتة بوصفها استهزاءً بخرابه. ابن بيئة النظام السابقة قد يسمعها كحكم جماعي عليه. في هذا السياق، تفقد السخرية براءتها بسرعة، وتصبح سلطة قمعية مساهمة في مزيد من الخراب.
الأخطر أن هذا المناخ يدفع الأطراف كلها إلى إنتاج سخريتها الخاصة. كل جماعة تصنع ساخرها، وكل طرف يبحث عن لسان يهين الآخرين باسمه. وهكذا ينشأ سباق في التحقير. لا أحد يسمع أحداً. كل طرف يضحك داخل قطيعته. الضحك هنا لا يفتح علاقة، بل يثبت خطوط التماس الوهمية. يصبح البرنامج الساخر أو الصفحة الساخرة غرفة صدى، يدخلها الجمهور كي يسمع ما يؤكد احتقاره المسبق للآخرين. ومع وجود الخوارزميات، ينقطع التواصل بين الغرف بشكل تام.
من هنا تأتي الحاجة إلى إعادة بناء العقل الإعلامي السوري قبل الاحتفاء بحرية السخرية. الحرية وحدها لا تكفي. الحرية من دون مسؤولية تتحول إلى فوضى رمزية. والمسؤولية هنا لا تعني رقابة جديدة، ولا دعوة إلى تكميم الأفواه، ولا حنيناً إلى الإعلام المؤدب الخائف. المسؤولية تعني أن يعرف الصحافي والمذيع والمحرر والتيكتوكر وصاحب الصفحة أن كلمته تعمل داخل مجتمع هش. تعني أن السخرية في زمن العدالة الانتقالية تحتاج إلى معرفة أكثر، وحساسية أكثر، وتدقيق أكثر، ومهارة أخلاقية أعلى.
لا يمكن بناء ديمقراطية سورية عبر التنمر. يمكن للسخرية أن تكون أداة ديمقراطية حين تصعد نحو السلطة، وحين تكشف الكذب العام، وحين تفكك البروباغندا التي يجيدها الجميع، وحين تفضح فساد المسؤول، سواء في السلطة أو في المعارضة، وحين تسخر من الاستبداد ومن ادعاءات القداسة السياسية. لكنها تفقد قيمتها حين تهبط نحو الفئات الأضعف، أو حين تعمم الذنب على جماعات كاملة، أو حين تستبدل التفكير بالتهكم. الديمقراطية تحتاج إلى نقد قاسٍ، نعم، لكنها تحتاج أيضاً إلى قدرة على الإصغاء. والتنمر يقتل الإصغاء منذ الجملة الأولى.
الصحافة السورية المقبلة مطالبة، برأيي، بأن تخرج من إدمان النبرة الساخرة. لدينا ما يكفي من المآسي كي نكفّ عن تحويل كل شيء إلى مادة للضحك. لدينا ما يكفي من ملفات حقيقية كي نواجهها بجدية لا برعونة: جرائم الحرب، والمعتقلون، والمفقودون، والملكيات، والفساد، وإعادة الإعمار، وعودة اللاجئين، والتعليم، والقضاء، والإعلام العام، والسلاح، وعلاقة المركز بالأطراف، والحقوق الثقافية والسياسية للجماعات، ومراجعة الماضي المكرّس، ومساءلة المسؤولين الجدد، ومراجعة أخطاء المعارضة نفسها. هذه الملفات تحتاج إلى تحقيقات، وأرشيف، واستقصاء، وشهادات، ولغة قانونية، ومعرفة اقتصادية، ومخيال سياسي. التعليق الساخر لا يكفي.
المطلوب بناء عقل سوري قادر على التمييز. عقل لا يخلط بين الضحك والوعي، بين القسوة والشجاعة، بين التهكم والتحليل، بين كسر الخوف وصناعة الإهانة. وهذا العقل يبدأ من صناع الخطاب قبل الجمهور. يبدأ من المقدمين والمذيعين والصحافيين والكتّاب وصناع المحتوى الذين احتلوا الفضاء العام في ظل انحسار الفكر الحر وقلة متابعيه. هؤلاء يحتاجون إلى تدريب أخلاقي ومهني بقدر حاجتهم إلى الموهبة. الذكاء الساخر من دون معرفة يتحول إلى خفة. والخفة في بلد مجروح قد تصبح نوعاً من العنف. والعنف ليس فقط بالرصاص كما نعرف. والحرب يمكن أن يكون لها شكل آخر هو الحرب الباردة. لكننا لا نبحث حتى عن حروب باردة، بل عن توافق وعمل مشترك.
ليست الدعوة هنا إلى قتل السخرية. السخرية جزء من حرية التعبير، وحرية التعبير يجب أن تبقى حقاً مكفولاً. ومن حق المجتمع أن يضحك من سلطاته، ومن أكاذيبه، ومن رموزه المصطنعة. الدعوة هي إلى تحرير السخرية نفسها من التنمر، ومن الغرور، ومن وهم التفوق الأخلاقي والأفضلية. الساخر الحقيقي لا يقف فوق المجتمع كواعظ مضحك. يقف داخله، يرى عيوب الآخرين ويرى عيوبه، ينتقد السلطة من دون أن يتحول إلى سلطة، ويعرف أن الضحك الذي يهدم الخوف يختلف عن الضحك الذي يهدم ما تبقى من الثقة بين الناس.
Loading ads...
سوريا الجديدة، إن أرادت أن تكون جديدة فعلاً، تحتاج إلى إعلام يضحك أحياناً، ويحقق كثيراً، ويفكر دائماً. تحتاج إلى صحافة لا تخاف من السلطة، ولا تستسهل احتقار المجتمع عبر السخرية. تحتاج إلى نقد حاد بلا تحقير، وإلى سخرية ذكية بلا تنمر، وإلى لغة عامة تعرف أن البلاد التي خرجت من النار لا تحتمل المزيد من اللعب بالكبريت.

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


اقرأ أيضاً


السخرية حين تصبح بديلا عن السياسة

السخرية حين تصبح بديلا عن السياسة

تلفزيون سوريا

منذ ساعة واحدة

0
الإعلام مرة أخرى

الإعلام مرة أخرى

تلفزيون سوريا

منذ ساعة واحدة

0
انطلاق أعمال المؤتمر الدولي للعلوم التربوية والنفسية في جامعة الفرات بدير الزور

انطلاق أعمال المؤتمر الدولي للعلوم التربوية والنفسية في جامعة الفرات بدير الزور

تلفزيون سوريا

منذ ساعة واحدة

0
بعد زيارة الشيباني إلى مصر.. ماذا تغير بالنسبة للسوريين؟

بعد زيارة الشيباني إلى مصر.. ماذا تغير بالنسبة للسوريين؟

تلفزيون سوريا

منذ ساعة واحدة

0