ساعة واحدة
سوريا واستعادة الثقة.. هل تكفي القوانين لبناء مرحلة جديدة؟
الأربعاء، 20 مايو 2026
الدول الخارجة من الحروب لا تواجه فقط أزمة دمار مادي أو انهيار اقتصادي، بل تواجه ما هو أعمق وأكثر تعقيدًا: أزمة ثقة. فإعادة بناء الطرق والجسور والمؤسسات قد تكون ممكنة خلال سنوات، أما إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع والسوق فهي عملية أطول وأكثر حساسية، لأنها تتعلق بطريقة عمل الدولة نفسها، لا بشكلها فقط.
وفي الحالة السورية اليوم، تبدو هذه المعضلة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فبعد سنوات الثورة السورية الطويلة، لم يعد السؤال الأساسي مرتبطًا فقط بكيفية تحريك الاقتصاد أو جذب الاستثمارات أو إطلاق مشاريع إعادة الإعمار، بل بكيفية بناء بيئة يشعر فيها السوري—مواطنًا كان أم مستثمرًا—أن الدولة أصبحت أكثر قدرة على إنتاج الوضوح والاستقرار وقابلية التنبؤ.
وهنا تحديدًا، لا تبدو المشكلة في غياب القوانين أو نقص التشريعات بقدر ما تبدو في الفجوة القائمة بين النص القانوني والواقع التنفيذي. فخلال المرحلة الماضية، شهدت سوريا صدور عدد من القوانين والمراسيم التي هدفت إلى تنظيم بيئة الاستثمار وتحفيز النشاط الاقتصادي، غير أن القيمة الفعلية لأي تشريع لا تتحدد بما يقوله النص فقط، بل بقدرة المؤسسات على تطبيقه بشكل متسق وواضح ومستقر.
إن التحدي الحقيقي في سوريا اليوم لا يقتصر على إصدار المزيد من القوانين، بل على إعادة بناء البيئة المؤسسية التي تجعل هذه القوانين قابلة للحياة والتنفيذ.
في الاقتصادات الحديثة، لا يتحرك رأس المال بناءً على الفرص وحدها، بل بناءً على مستوى اليقين القانوني والإداري. المستثمر لا يسأل فقط عن حجم السوق أو القطاعات الواعدة، بل عن طبيعة البيئة التي سيدخل إليها:
من يملك القرار؟ ما هي الجهة المرجعية؟ هل الإجراءات واضحة؟ وهل يمكن التنبؤ بمسار المشروع من بدايته حتى نهايته؟
وفي سوريا اليوم، ما تزال هذه الأسئلة مفتوحة إلى حد كبير.
فالمشهد الإداري والقانوني لا يزال يعاني من تداخل المرجعيات، وتعدد مستويات القرار، واستمرار جزء من البنية البيروقراطية القديمة التي تشكلت خلال عقود طويلة من الإدارة المركزية المعقدة. وفي كثير من الأحيان، لا تتحول المشكلة إلى غياب القانون، بل إلى تعدد طرق تفسيره، أو اختلاف آليات تطبيقه بين مؤسسة وأخرى، أو بطء المسارات التنفيذية المرتبطة به.
وهنا تحديدًا تتشكل واحدة من أخطر التحديات التي تواجه أي محاولة لبناء اقتصاد مستقر: غياب القدرة على إنتاج اليقين.
فالاقتصاد لا يعمل فقط عبر الأرقام والخطط، بل عبر الثقة. والثقة لا تُبنى بالشعارات أو بالإعلانات الرسمية، بل بالتجربة اليومية المباشرة مع مؤسسات الدولة. عندما يشعر المستثمر أن الإجراءات قابلة للفهم، وأن القرارات مستقرة، وأن المرجعيات واضحة، تبدأ الثقة بالتشكل تدريجيًا. أما حين تصبح المعاملات معقدة، والمسارات غير واضحة، والتفسيرات متباينة، فإن كلفة عدم اليقين تصبح أعلى من أي فرصة اقتصادية محتملة.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي في سوريا اليوم لا يقتصر على إصدار المزيد من القوانين، بل على إعادة بناء البيئة المؤسسية التي تجعل هذه القوانين قابلة للحياة والتنفيذ.
فأي مشروع اقتصادي جديد يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من الضمانات الدستورية، مرورًا بسلطة تشريعية قادرة على إنتاج قوانين متناسقة مع التحولات الاقتصادية المطلوبة، وصولًا إلى مؤسسات تنفيذية تمتلك الكفاءة والمرونة والوضوح في التطبيق. وحتى الآن، ما تزال هذه الحلقة غير مكتملة بالشكل الكافي.
كما أن جزءًا كبيرًا من التشريعات الاقتصادية والإدارية المعمول بها اليوم ما يزال ينتمي إلى مراحل مختلفة من بنية الدولة السابقة، وهي تشريعات لم تعد دائمًا منسجمة مع طبيعة المرحلة الاقتصادية التي تحاول سوريا الدخول إليها. وهذا ما يخلق أحيانًا فجوة بين الخطاب الاقتصادي الجديد والأدوات القانونية والإدارية المستخدمة لتنفيذه.
إن أي تحول اقتصادي حقيقي لن يتحقق فقط عبر المؤتمرات أو الخطط أو الحوافز الاستثمارية، بل عبر بناء نموذج إداري وقانوني أكثر وضوحًا وكفاءة وقدرة على التوقع.
وفي موازاة ذلك، تبقى مسألة حماية الحقوق وضمانها واحدة من أكثر القضايا حساسية في البيئة الاقتصادية السورية. فالمستثمر المحلي أو الخارجي لا يبحث فقط عن فرصة ربح، بل عن منظومة قانونية قادرة على حماية العقود، وضبط النزاعات، وضمان الحقوق ضمن إطار مؤسساتي واضح. وهذه العناصر ليست تفصيلًا قانونيًا، بل تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد يريد الانتقال من حالة الانتظار إلى حالة النمو الفعلي.
وفي ظل الحديث المتزايد عن مرحلة اقتصادية مختلفة، وعن مشاريع إعادة تنشيط الاستثمار والإنتاج، تبدو سوريا أمام لحظة تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بإدارة الاقتصاد، بل بإدارة الثقة نفسها: ثقة المستثمر، وثقة المواطن، وثقة المؤسسات ببعضها بعضا.
ولهذا، فإن أي تحول اقتصادي حقيقي لن يتحقق فقط عبر المؤتمرات أو الخطط أو الحوافز الاستثمارية، بل عبر بناء نموذج إداري وقانوني أكثر وضوحًا وكفاءة وقدرة على التوقع. نموذج ينتقل من إدارة التعقيد إلى تبسيط المسارات، ومن تعدد المرجعيات إلى وضوح القرار، ومن البيروقراطية الثقيلة إلى الإدارة الفعالة.
في النهاية، لن تُقاس قوة المرحلة المقبلة بعدد القوانين التي تُصدر، ولا بعدد المشاريع التي يُعلن عنها، بل بقدرة الدولة على بناء بيئة يشعر فيها السوري—قبل المستثمر—أن المؤسسات أصبحت أكثر وضوحًا، وأكثر كفاءة، وأكثر قابلية للثقة.
Loading ads...
لأن إعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ من الإسمنت… بل من استعادة الثقة بين الدولة والمجتمع والسوق.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

