ساعة واحدة
المخيمات خارج الأولويات.. تداعيات وقف المساعدات الأممية في شمالي سوريا
الأربعاء، 20 مايو 2026
بالرغم من تحوّل المساعدات الإنسانية من جديد إلى الحكومة السورية، عقب قرار الأمم المتحدة إيقاف آلية إدخال المساعدات العابرة للحدود من تركيا إلى سوريا عبر معبر باب الهوى، إلا أن المخيمات في شمال غربي سوريا تبدو اليوم أمام واحدة من أصعب أزماتها الإنسانية منذ سنوات.
وبين خيامٍ ما تزال تأوي أكثر من مليوني نازح، وتراجعٍ مستمر في التمويل الإغاثي منذ عام 2023، يجد آلاف السكان أنفسهم أمام واقعٍ يزداد قسوة مع توقف جزء كبير من المساعدات الغذائية والخدمية التي شكّلت لسنوات شريان الحياة الوحيد لهم.
ومنذ إطلاق آلية المساعدات العابرة للحدود عام 2014، دخلت أكثر من 65 ألف شاحنة مساعدات إلى الداخل السوري عبر باب الهوى، وفق الأمم المتحدة، قبل أن تعلن المنظمة الدولية إنهاء العمل بهذه الآلية تدريجياً والاتجاه نحو "المسارات التقليدية" لإدخال الدعم، لكن هذا التحول يثير مخاوف واسعة داخل المخيمات، خصوصاً مع استمرار غياب البنية التحتية وفرص العمل وإعادة الإعمار، في وقت يعتمد فيه مئات آلاف النازحين بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية لتأمين الغذاء والمياه والرعاية الأساسية.
تقول ضحى النايف، وهي معلمة ومقيمة في مخيم المحمدية بمنطقة دير بلوط شمالي حلب لموقع تلفزيون سوريا إن قرار إيقاف آلية دخول المساعدات الإنسانية وتراجع دعم المنظمات انعكس بشكل مباشر على واقع العائلات داخل المخيمات، موضحة أن معظم الأسر كانت تعتمد سابقًا على السلل الغذائية التي توزع بشكل دوري قبل أن تتوقف تدريجيًا خلال الفترة الأخيرة.
وتوضح النايف أن "حالة الفقر أصبحت مئة بالمئة"، بحسب وصفها، مع اضطرار كثير من العائلات إلى تقليل الوجبات اليومية والاستغناء عن مواد أساسية كانت تشكل جزءًا من الغذاء اليومي، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية ومواد النظافة داخل المخيمات.
وتضيف أن الأهالي باتوا يعتمدون اليوم على الديون والعمل اليومي ومساعدات الأقارب لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم، في ظل تراجع واضح بالخدمات والدعم الإنساني داخل المخيمات.
وفي مخيم الريان شمالي اعزاز، تشير ريم الحسين، وهي معلمة ومن قاطني المخيم، إلى أن المساعدات الغذائية والطبية كانت تشكل مصدر الأمان الأساسي لكثير من العائلات قبل توقفها، لكن بعد تراجع الدعم ارتفعت أسعار المواد الغذائية والأدوية بشكل كبير، ما دفع الأهالي إلى تغيير نمط حياتهم بالكامل.
وتؤكد الحسين أن كثيرًا من العائلات اضطرت إلى تقليل الوجبات والاستغناء عن مواد أساسية بسبب ارتفاع الأسعار، موضحة أن راتبها كمعلمة لم يعد يكفي لتغطية احتياجات عائلتها، خاصة مع تأخر الرواتب لعدة أشهر، واضطرارها إلى الاستدانة لتأمين مصاريف المنزل وعلاج والديها المصابين بأمراض مزمنة، في وقت تصف فيه واقع المخيمات اليوم بأنه "أقسى بكثير" مقارنة بالسنوات السابقة.
ومع تراجع المساعدات الإنسانية خلال الفترة الأخيرة، لم تقتصر معاناة المخيمات على الغذاء فقط، بل امتدت إلى الخدمات الأساسية التي كانت تعتمد عليها آلاف العائلات بشكل يومي، وعلى رأسها المياه والنظافة.
يقول طلال العبدو، مختار مخيم دير بلوط في ريف جنديرس شمالي حلب: إن قرار إيقاف آلية إدخال المساعدات الإنسانية وتراجع تدخلات المنظمات انعكس بشكل مباشر على الخدمات الأساسية داخل المخيمات، وعلى رأسها المياه، موضحًا أن الأهالي كانوا يعانون أصلًا من نقص حاد في المياه منذ فترة ما بعد "التحرير"، قبل أن تتفاقم الأزمة خلال الأشهر الأخيرة.
وفي حديثه لـ لموقع تلفزيون سوريا، يضيف العبدو أن كثيرًا من العائلات باتت تعتمد على شراء المياه من الصهاريج أو جلبها من آبار بعيدة نسبيًا، رغم ارتفاع كلفتها، في وقت لا يملك فيه معظم السكان مصادر دخل ثابتة، مشيرًا إلى أن بعض الأسر أصبحت تقتصد في استخدام المياه إلى الحد الأدنى، سواء للشرب أو الطهي أو النظافة.
وفي مخيمات أطمة، يوضح عوض اليوسف، أحد القاطنين هناك، أن الحصول على المياه أصبح مرتبطًا بقدرة العائلات على الشراء، بعد تراجع عمليات التوزيع المجاني المنتظم التي كانت تؤمنها المنظمات سابقًا، ما خلق تفاوتًا واضحًا بين السكان داخل المخيم الواحد.
ويشير اليوسف إلى أن بعض العائلات باتت تكتفي بكميات قليلة جدًا من المياه لعدة أيام، في حين تلجأ عائلات أخرى إلى الاستدانة أو تقليل مصاريف الطعام لتأمين المياه، مؤكدًا أن ضعف خدمات الصرف الصحي وغياب أعمال النظافة داخل المخيمات زاد من المخاوف المرتبطة بانتشار الأمراض، خصوصًا بين الأطفال.
ومع تراجع المساعدات الإنسانية خلال الفترة الأخيرة، لم يعد أثر الأزمة يقتصر على الغذاء أو المياه فقط، بل امتد ليطول مختلف تفاصيل الحياة داخل المخيمات، وسط مخاوف متزايدة من تفاقم الأوضاع المعيشية والصحية والاجتماعية بشكل أكبر خلال المرحلة المقبلة.
يقول عبد الجليل حميدي "أبو وحيد"، مدير مخيم اقرأ في بلدة أطمة شمالي إدلب إن العائلات داخل المخيمات كانت تعتمد بشكل كبير على المساعدات الإنسانية التي كانت تشمل نحو 50 كيلوغرامًا من المواد الغذائية، إضافة إلى 15 ربطة خبز مدعومة شهريًا، موضحًا أن غالبية الأسر كانت تعتمد على تلك المساعدات لتأمين معيشتها الأساسية.
ويضيف حميدي أن انقطاع المساعدات أدى إلى تدهور أوضاع كثير من العائلات المستورة، مؤكداً أن عدداً كبيراً من الأسر اضطر إلى تقليص الوجبات اليومية بسبب ضعف القدرة الشرائية، "حتى كادوا لا يتناولون إلا ما يمسك الحياة"، بحسب وصفه.
ويشير إلى أن تراجع الخدمات الأخرى خلق أزمات إضافية داخل المخيمات، خاصة بعد تقليل كميات المياه، الأمر الذي أسهم بانتشار الأمراض الجلدية، في وقت اضطرت فيه بعض التجمعات السكنية إلى جمع القمامة قرب الخيام ثم إحراقها، ما تسبب بزيادة الأمراض التنفسية وانتشار الحشرات وظهور حالات "حبة السنة".
ويتابع أن الوضع الصحي داخل المخيمات "مزري جداً"، خاصة بعد توقف معظم الخدمات الطبية المجانية، موضحاً أن بعض المستوصفات الموجودة حالياً "لا تفي بالغرض"، في حين فرضت مستشفيات كانت تقدم العلاج مجاناً سابقاً رسوماً تصل إلى 60 بالمئة، ما أثقل كاهل العائلات الفقيرة، لافتاً إلى أن "المآسي باتت تُرى يومياً داخل أروقة المستشفيات الخاصة، خصوصاً لمرضى القلب".
كما يؤكد حميدي أن تراجع الوضع المعيشي انعكس اجتماعياً أيضاً، مع ازدياد أعداد المتسولين وارتفاع حالات السرقة وقطع الطرق، مضيفاً أن الديون أصبحت الحل الأكثر انتشاراً بين الأهالي، إلا أن أصحاب المحال التجارية أنفسهم لم يعودوا قادرين على تحمّل تراكم الديون بسبب ضعف أوضاعهم المالية.
ويقول إن بعض العائلات ما تزال تعتمد على مساعدات فردية بسيطة من خارج سوريا "كانت بمثابة الحصوة التي تسند الجرة"، إلا أن ذلك لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية داخل المخيمات.
ويصف حميدي المخيمات اليوم بأنها "منسية"، موضحاً أن كثيراً من الأهالي كانوا يعتقدون أن أوضاعهم ستتحسن بعد "التحرير"، وأن المخيمات ستبقى مدعومة إلى حين عودة سكانها إلى مناطقهم، إلا أن الواقع جاء مختلفاً تماماً.
ويضيف أن معظم السكان يفكرون بالعودة إلى قراهم، لكن الدمار الواسع، وضعف البنية التحتية، وغياب فرص العمل يمنعهم من ذلك.
ويختم بالقول إن كثيراً من العائلات لا تملك اليوم سوى أرض أو مكان بيت مدمر في قراها الأصلية، مضيفاً: "نخشى إذا استمر الوضع على هذه الوتيرة أن نضطر لبيع تلك الأراضي، وهي أملنا الوحيد بالعودة، فقط لنستطيع تأمين ما يسد الرمق ويمسك الحياة".
ومع توقف جزء كبير من المساعدات الإنسانية، اضطرت آلاف العائلات داخل المخيمات للاعتماد على العمل اليومي أو الديون لتأمين احتياجاتها الأساسية، في ظل غياب أي مصادر دخل مستقرة. لكن ضعف فرص العمل وارتفاع الأسعار جعلا كثيرًا من الأسر عاجزة عن مواكبة تكاليف الحياة اليومية داخل المخيمات.
يوضح أبو عبدو الشحود، أحد القاطنين في مخيمات أطمة، أن قرار إيقاف المساعدات الإنسانية وتراجع دعم المنظمات انعكس بشكل مباشر على حياة عائلته، خاصة مع استمرار غياب فرص العمل وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق داخل المخيمات.
ويقول الشحود إنه يحاول العمل بشكل شبه يومي في أعمال "الباطون" أو أي عمل حر متوفر، إلا أن فرص العمل قليلة والأجور لا تكفي، بحسب وصفه، موضحًا أن بعض الأيام تمر دون أن يجد أي فرصة عمل فعلية، ما يزيد من صعوبة تأمين احتياجات أسرته.
ويضيف: "حتى المواد الأساسية ارتفعت بشكل كبير.. علبة الزيت التي كانت تباع بـ 60 ليرة تركية أصبحت اليوم تتجاوز 100 ليرة"، لافتًا إلى أن كثيرًا من العائلات باتت تعتمد على الديون أو تقليل الطعام بسبب ضعف القدرة الشرائية.
بدورها، تقول ربا الرشيد، وهي معلمة ومختصة نفسية، إن غالبية العائلات داخل المخيمات كانت تعتمد سابقًا على السلل الغذائية والمساعدات الموسمية التي توفر الحد الأدنى من الاستقرار، قبل أن تتقلص تدريجيًا بعد "التحرير" حتى توقفت بشكل شبه كامل.
وتوضح الرشيد أن كثيرًا من الأهالي باتوا يعتمدون اليوم على العمل اليومي في المزارع أو البناء رغم ضعف الأجور، في حين اضطرت بعض العائلات إلى إخراج أطفالها من المدارس لتغطية العجز المالي، مؤكدة أن سوء التغذية وتسرب الأطفال من التعليم أصبحا من أكثر الظواهر وضوحًا داخل المخيمات خلال الفترة الأخيرة.
Loading ads...
وبين تراجع المساعدات الإنسانية، وغياب الخدمات الأساسية، واستمرار صعوبة العودة إلى المناطق الأصلية، تجد آلاف العائلات في مخيمات الشمال السوري نفسها أمام واقع معيشي يزداد قسوة يوماً بعد آخر، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار توقف الدعم إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية داخل المخيمات خلال المرحلة المقبلة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

