Syria News

السبت 31 أكتوبر / تشرين الأول 2026

  • الرئيسية
  • عاجل
  • سوريا
  • العالم
  • إقتصاد
  • رياضة
  • تكنولوجيا
  • منوعات
  • صحة
  • حواء
  • سيارات
  • أعلن معنا
جاري تحميل الأخبار العاجلة...

حمل تطبيق “سيريازون” مجاناً الآن

store button
سيريازون

كن على علم بجميع الأخبار من مختلف المصادر في منطقة سيريازون. جميع الأخبار من مكان واحد، بأسرع وقت وأعلى دقة.

تابعنا على

البريد الإلكتروني

[email protected]

تصفح حسب الفئة

الأقسام الرئيسية

  • عاجل
  • سوريا
  • العالم
  • إقتصاد
  • رياضة

أقسام أخرى

  • صحة
  • حواء
  • سيارات
  • منوعات
  • تكنولوجيا

روابط مهمة

  • أعلن معنا
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • عن سيريازون
  • اتصل بنا

اشترك في النشرة الإخبارية

ليصلك كل جديد وآخر الأخبار مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لصالح مؤسسة سيريازون الإعلامية © 2026

سياسة الخصوصيةالشروط والأحكام
محمد مهدي شمس الدين.. الفقيه الشيعي الذي رفض ولاية الفقيه |... | سيريازون
logo of الجزيرة نت
الجزيرة نت
43 دقائق

محمد مهدي شمس الدين.. الفقيه الشيعي الذي رفض ولاية الفقيه

السبت، 31 أكتوبر 2026
ثمة سؤال يتردد في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي الشيعي منذ لحظة الغيبة الكبرى، أو إذا شئت فقل الفكر الإسلامي برمته منذ لحظة السقيفة، وهو سؤال فلسفي قبل أن يكون فقهيا أو سياسيا؛ من يحكم الأمة حين يغيب النبي أو المعصوم؟ وما طبيعة السلطة التي تبقى شرعيتها ومشروعيتها حين تُحجب السلطة الإلهية المباشرة؟
هذا السؤال ليس سؤالا صوريا عمن يتولى الحكم فحسب، بل هو في حقيقته سؤال عن موقع الأمة في السياسة واللاهوت السياسي. وكان هذا السؤال محل خلاف بين تيارات كثيرة في التاريخ الإسلامي، فمنهم من يمنح الأمة حق الرقابة والمشاركة السياسية، ومنهم من يحرمها حقها السياسي كله أو بعضه.
في العصر الحديث، وبعد أن نظّر الميرزا النائيني للدستورية الشيعية "بل الإسلامية" إبان الثورة الدستورية الإيرانية (1905-1911)، ثم أصّل آية الله الخميني لـولاية الفقيه المطلقة، جاء العلامة الشيعي محمد مهدي شمس الدين ليؤصل لنظرية "ولاية الأمة على نفسها". ويمكن عدّ هذه النظرية استكمالا لتأصيل الميرزا النائيني من قلب التراث الشيعي، بيد أن شمس الدين وسّع زوايا النظر ليؤصل من التراث الإسلامي السني والشيعي معا، فهو يرى أن ولاية الأمة على نفسها هي الأصل في فترة غياب المعصوم عند الشيعة، وهي الأصل بعد وفاة النبي عند أهل السنة.
ولا يعد الخلاف الذي دار بين فقهاء الشيعة منذ نهايات القرن التاسع عشر (حركة التنباك) وبدايات القرن العشرين (الحركة الدستورية) خلافا على من يحكم الدولة فقط، ولا على موقع الأمة في الحكم وتقييد يد الحاكم وسلطته جزئيا أو كليا، بل ينعكس الخلاف بين أولئك الفقهاء على مسائل الفقه والكلام والفلسفة.
فمثلا، يختلف الفقهاء الشيعة في مسألة من له حق التشريع الاجتهادي، وتلك مسألة مبنية على القول بولاية الفقيه أو ولاية الأمة. فالقائلون بولاية الفقيه المطلقة يقولون إن للولي الفقيه سلطة التشريع في مناطق الفراغ التي لم يتنزل فيها النص، وله حق تحديد المصالح الحقيقية والمتوهمة. لكن الذين قالوا بولاية الأمة على نفسها فرقوا بين مسائل جعلوا فيها سلطة التشريع للفقيه المتأهل، وأخرى جعلوا فيها سلطة التشريع للأمة، كالأمور الدنيوية والتدبيرية في العلاقات الدولية وقطع العلاقات مع دولة ما، وتحديد الحريات العامة، وقواعد التصدير والاستيراد ونحو ذلك.
تأثر محمد مهدي شمس الدين بالعلامة موسى الصدر، وكان موسى الصدر امتدادا لمدرسة الميرزا النائيني وتيار الدستورية، وكان قريبا من خط علي شريعتي في إيران ومن كوادر حركة الحرية الإيرانية التي أسسها مهدي بازركان وآية الله محمود طالقاني، مثل مصطفى جمران وصادق قطب زاده. وقد جمع موسى الصدر بين الدراسة الجامعية والحوزوية، فدرس الحقوق في جامعة طهران، وكان من أوائل المعممين الذين درسوا فيها، ودرس على كبار المراجع في قم والنجف مثل السيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي وغيرهما، وهو ابن عم المفكر العراقي محمد باقر الصدر. وبسبب علاقته الوثيقة برجال الدستورية الإيرانيين نُظر إليه فيما بعد من قبل الولائيين (القائلين بولاية الفقيه) على أنه خصم فكري.
وبعد اختفاء موسى الصدر في ليبيا في أغسطس/آب 1978، ورث مشروعه في لبنان العلامة محمد مهدي شمس الدين، كما خلفه في قيادة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الممثل الديني الرسمي للطائفة الشيعية في لبنان؛ فقد كان نائبا لرئيسه منذ 1975، وأدار المجلس بعد الاختفاء، ثم انتُخب رئيسا له عام 1994. واختلف شمس الدين مع قرينه في لبنان السيد محمد حسين فضل الله في لبّ المسألة السياسية. فقد ردد فضل الله حينئذ مقولات قريبة من مقولات حزب الدعوة العراقي حول تطبيق الشريعة وتحكيم الفقه، بيد أن شمس الدين دعا إلى تحسين وضع الجماعة الشيعية واحتوائها في دولة دستورية ديمقراطية على غرار مطالب موسى الصدر.
وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982، بدأت تشكيلات الحرس الثوري تتمركز في البقاع بدعم إيراني صريح وموافقة سورية، وبدأت تحل في البيئة اللبنانية أفكار جديدة تتجاوز أفكار موسى الصدر وشمس الدين وفضل الله، فترددت مقولات ولاية الفقيه والحكومة العالمية وماهية النظام السياسي الإسلامي، وآمن الشباب والمعتنقون لهذا الخط بقيادة الولي الفقيه في طهران وبالتبعية له. وبدأ حزب الله في استقطاب آلاف الشباب وجذبهم عبر الدورات الدينية والتثقيفية، ومن ثم تغيرت مفردات الخطاب الديني لتصير متعلقة بالجهاد والاستشهاد والموت في سبيل الله.
هنا وجد شمس الدين نفسه في مواجهة مع القائلين بولاية الفقيه، التي يراها نوعا من أنواع الاستبداد الديني الذي حذّر منه النائيني من قبل، وفي مواجهة أخرى مع آخرين لا يؤمنون بالشريعة مطلقا ولا بالعمل تحت أسقفها، وآخرين يشاركونه بعض أفكاره دون معظمها. لكن الأرض باتت مهيأة لتيارات حزب الله والولاية المطلقة، في ظل حماسة الشباب الثوري الداعي إلى الجهاد والكفاح المسلح، ليس ضد المحتل الإسرائيلي وحده، وإنما ضد كل مستكبر أو مستبد أو ظالم لا يؤمن بمركزية ولاية الفقيه، بينما كان شمس الدين مع الكفاح الدستوري ونبذ العمل المسلح بكل أشكاله، عدا ما كان منه ضد المحتل.
ورغم أن العلامة شمس الدين يمكن نسبته إلى الإصلاحية الشيعية منذ حركة التنباك والدستورية، مرورا بعلي شريعتي وتيار الحرية والطالقاني، فإنه، بحكم بيئته السياسية والاجتماعية، رفض الثورة على الأنظمة، ودعا إلى الكفاح المدني والدستوري وتجنب المواجهة المسلحة. وكان ذلك مناقضا بوضوح لأفكار التيار الإيراني الداعي إلى تصدير الثورة والكفاح المسلح.
لم تكن مسألة تصدير الثورة هامشية في الفكر الثوري الإيراني من البداية، بل نظّر لها الخميني نفسه وحث عليها. ويقول الباحث حيدر حب الله في دراسته "التيارات الإسلامية في لبنان" في هذا السياق: "اعتقد الشيخ شمس الدين بضرورة مصالحة الحركات الإسلامية للأنظمة العربية، ومارس تنظيرا فقهيا لرفض العنف المسلّح ضد الأنظمة الفاسدة، فيما كان السائد على مستوى الحركات الشيعية في الثمانينيات، وتلك المؤيّدة لإيران، هو الجهاد ضدّ هذه الأنظمة لقلبها والإمساك بالسلطة.
من هنا كانت علاقة شمس الدين بالأنظمة علاقة ممتازة في هذا الإطار وبهذا المعنى، ونحن نعرف أن الحركات والتيارات الإسلامية الشيعية عدلت، في أغلبها، عن هذا النهج الذي رفضه شمس الدين منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، بل قد دعا السيد حسن نصر الله نهاية التسعينيات صريحا الحركات الإسلامية إلى ذلك، وكان هذا تحوّلا كبيرا، يقال: إنّ سببه يرجع إلى السياسات التي انتهجها الشيخ علي أكبر هاشمي رفسنجاني إبان توليه الرئاسة الإيرانية".
وكان هذا النهج الذي اتبعه الشيخ شمس الدين قريبا من النهج الذي اتبعه الشيخ محمد الغزالي في مصر، عندما رفض العمل المسلح الذي مارسته جماعات الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر ضد أنظمة الحكم باعتبارها أنظمة كافرة أو عميلة. لكن الغزالي وإن رفض العمل المسلح فإنه أبقى على خط الكفاح الدستوري في الوقت نفسه، فلم ينصهر في تبرير السياسات الجائرة لبعض الحكومات ولم يكن داعما للاستبداد، كما ذكر صديقه وزميله أستاذ الفلسفة حمدي زقزوق في مذكراته "رحلة حياة".
والحديث عن الغزالي ومجمل المشهد الفكري في العالم العربي مهم في هذا السياق لأنه متداخل ومؤثر بعضه في بعض، فقد ذكر آية الله حسين علي منتظري في مذكراته أن الحركة الإسلامية الإيرانية تأثرت بمنظري الحركة الإسلامية في مصر في الخمسينيات والستينيات. ومن شواهد ذلك زيارة نواب صفوي لمصر عام 1954 بدعوة من سيد قطب، وترجمة علي خامنئي كتابين لقطب إلى الفارسية قبل الثورة.
تنطلق نظرية "ولاية الأمة على نفسها" من تشخيص لاهوتي دقيق لوضع الأمة الإسلامية، والجماعة الشيعية خاصة، في زمن الغيبة. وفهم هذا التشخيص يستلزم أولا أن ندرك ما الذي يعنيه "الغياب" في البنية اللاهوتية الشيعية.
فالإمامة في الفكر الشيعي الاثني عشري ليست قيادة سياسية ونظاما للحكم فقط، بل هي أيضا امتداد للنبوة، وصيانة للرسالة، ومرجعية للتفسير والتطبيق. وحين دخل الإمام الثاني عشر الغيبة الكبرى (329هـ/941م)، لم يكن ذلك فراغا سياسيا يمكن ملؤه بسهولة، بل تسبب في صدمة كبيرة للجماعة الشيعية؛ فما عاد ثمة معصوم، ولم يبق تنصيب سياسي يستند إلى شرعية إلهية.
تعامل شمس الدين مع هذه الفجوة بصورة مغايرة تماما لما فعله الخميني؛ فبينما ذهب الخميني إلى أن الفقيه الجامع للشرائط يرث في زمن الغيبة صلاحيات الإمام السياسية والدينية، وأن ولايته امتداد للولاية الإلهية في سلسلة متصلة من النبي إلى الأئمة إلى الفقيه، يرفض شمس الدين هذا المنطق من أساسه.
الحجة المركزية عند شمس الدين هي أن الولاية المعصومة غير قابلة للتفويض؛ فالولاية التي يتمتع بها الإمام المعصوم مستمدة من عصمته، وهذه العصمة ليست صفة اكتسابية يمكن إحلالها في شخص آخر، بل هي صفة وجودية ذاتية. وعليه، فإن غياب الإمام لا يخلق فراغا تملؤه ولاية الفقيه، بل يخلق وضعا مختلفا نوعيا، هو وضع الأمة الموكولة إلى نفسها في تدبير شؤونها الدنيوية.
هنا تظهر الحجة الأهم في تفكير شمس الدين، وهي أن الغيبة ليست مجرد غياب للإمام، بل هي في حقيقتها إعادة توزيع للصلاحيات بين القطبين الرئيسيين في اللاهوت الشيعي، القطب الإلهي المتجسد في الإمامة، والقطب الإنساني المتجسد في الأمة. ففي زمن الغيبة، يحتفظ الإمام الغائب بولايته الدينية والروحية المتعلقة بصون الدين وحفظ الشريعة، لكنه يتنازل عن الولاية السياسية التدبيرية لصاحبها الطبيعي حين يغيب المعصوم، أي الأمة ذاتها.
ما الأمة في فلسفة شمس الدين السياسية؟ الأمة ليست مجرد مجموع الأفراد المسلمين، وليست كتلة مبهمة يُحرّكها الفقيه أو الزعيم بما يراه ملائما. الأمة عند شمس الدين كيان ذو شخصية حقوقية وأخلاقية وسياسية متمايزة، وهي صاحبة الولاية الأصلية على نفسها وعلى شؤونها في غياب الولاية المعصومة. وهذه المقاربة تستلزم نقلة فلسفية في فهم مفهوم "الولاية" نفسه.
فالولاية في الفقه الكلاسيكي تحمل دلالة تسلطية، فأن يكون فلان وليا على آخر يعني أن تكون له سلطة الوصاية والتصرف. لكن شمس الدين يغير هذا المعنى حين يجعل الأمة ولية على نفسها؛ فالولاية هنا ليست سلطة شخص على جماعة، بل سيادة الجماعة على مصيرها.
والفارق الجوهري بين مفهوم شمس الدين والمفاهيم الليبرالية للسيادة الشعبية يكمن في مصدر الشرعية ومحدداتها، ففي النظرية الليبرالية الكلاسيكية من روسو إلى رولز، السيادة للأمة لأن الأمة هي الكيان الذي ينبثق منه العقد الاجتماعي ابتداء. أما عند شمس الدين، فالأمة صاحبة الولاية لأن الله نفسه، في نظام الغيبة، هو الذي أعاد إليها هذه الصلاحية، إذ أناط بها تدبير شؤونها.
فالولاية تبقى في إطارها اللاهوتي، لكن موضعها ينتقل من الفقيه إلى الأمة. وهذا يعني أن ولاية الأمة على نفسها ليست إقرارا علمانيا بأن السياسة مستقلة عن الدين، بل هي إقرار ديني عميق بأن الأمة، كجماعة مؤمنة مكلَّفة، هي الممثل الشرعي الوحيد للإرادة السياسية في غياب الإمام المعصوم. فالدين لا يُلغَى من السياسة، بل يُعاد توزيعه على الأمة عوضا عن توزيعه على الفقيه.
كان السيد محمد حسين فضل الله في بداية الثمانينيات يرى عدم شرعية الأنظمة العربية ووجوب الخروج المسلح عليها لأنها لا تتخذ من الإسلام نهجا (قبل أن يعدل عن هذا الرأي لاحقا)، فاختلف معه قرينه العلامة شمس الدين، وقال بنظرية "ولاية الأمة على نفسها". يقول حيدر حب الله في هذا السياق: "وبدرجة أخفّ، ذهب شمس الدين إلى أنّ الإسلام طرح نظرية ولاية الأمّة على نفسها، مقدّما بهذه النظرية شكلا من أشكال الديمقراطية الإسلامية، رافضا بشكل صريح، ومنذ الثمانينيات، نظرية ولاية الفقيه جملة وتفصيلا".
وانبنى على ذلك الموقف من الولي الفقيه في إيران، فذهب السيد فضل الله منذ أواخر الثمانينيات إلى إمكانية تعدد الولي الفقيه بعد أن كان يقول بولاية الفقيه، واتُّهم بأنّه يريد تنصيب نفسه وليا فقيها في لبنان، مما أحدث خلافا بينه وبين التيارات الولائية الثورية مثل حزب الله، التي ترى التبعية الشاملة للولي الفقيه في طهران. لكن شمس الدين كان حاسما، فارتأى "لبننة" التشيع اللبناني بأن يكون تشيعا وطنيا مندمجا في البيئة اللبنانية، وطالب بعلاقة ندية متوازنة وإستراتيجية مع إيران. وفي حديث مغلق عام 1997 مع شخصيات قريبة من حزب الله، نشرت صحيفة الشرق الأوسط نصه في يناير/كانون الثاني 2026 في الذكرى الخامسة والعشرين لوفاته، قال شمس الدين: "أنا يهمني أن أدمج الشيعة اللبنانيين في نظام المصالح اللبناني"، وذهب إلى أن إيران ليست مرجعا سياسيا ولا دينيا لشيعة العالم.
ويرى شمس الدين أنه لا يحق لأحد أن يستحوذ على مكانة الإمام المعصوم، أو يزعم نيابته عنه، فالأمر كله بيد الأمة فترة غيابه، وليس بيد فقيه أو جماعة من الفقهاء؛ فالأمة لا تحتاج إلى ولي يمارس الوصاية عليها، بل هي ولية نفسها، ومسؤولة عن اتجاهاتها. ومن ثم فهو يؤمن بمركزية الأمة ويرجع إلى أصول التشيع ومنابعه الأصيلة، أي أن له قراءة خاصة لسياسة الإمام علي والأئمة من بعده مغايرة لقراءة غيره من الفقهاء الشيعة القائلين بولاية الفقيه.
وعمل شمس الدين على وجود مسافة بين الفقهاء والدولة تحفظ استقلالية الفقيه، وتجعله مجتهدا في الإطار الفقهي والأصولي والعلمي لا في الإطار الحكومي، فرفض القول إن ولاية الفقيه ركن من أركان الدين، لأن ولاية الفقيه حسب شمس الدين مغايرة تمام المغايرة لصيغة الإمامة المعصومة، ويقول معللا ذلك: "ووجه عدم حجية هذا الاعتبار أن الحكومة الإسلامية على صيغة ولاية الفقيه الثابتة باعتبار كون الفقيه نائبا عن الإمام، ليست حكومة الإمام المعصوم، ولا يثبت لها عمومية ولاية الإمام المعصوم، وإن كان البعض يحاول ذلك ويدعيه، لاعتبارات يدعي أنها فقهية، وهي في حقيقتها اعتبارات سياسية ليس لها سند فقهي معتبر".
ويلخص صلاح جواد شبر في كتابه "ثيولوجيا التشيع السياسي" موقفه في الوقت نفسه بقوله: "إن التشيع ليس أطروحة استلام حكم، ولا الإسلام كذلك، وإنما السياسة هي أمر دنيوي بحت، ومن الخطأ حشر الدين في متاهاتها، نعم؛ كان يرى أن الدين يهذب السياسي ويضع له القواعد الأخلاقية في استعمال القوة والسلطة" (ثيولوجيا التشيع السياسي، ص451).
فالدولة التي تقوم على أساس مشروعية ولاية الأمة على نفسها تعتمد الشورى في المسألة السياسية والتنظيمية المتعلقة بالمجتمع السياسي. وهي دولة مدنية لا يجوز للفقهاء إدارة الحكم فيها، لأنهم غير مختصين في ممارسة الحكم في الدولة. والحال هذه، تصبح الدولة من مناطق الفراغ التشريعي المحالة إلى الأمة، فلا مجال لأن يستأثر بها شخص واحد ولو كان الفقيه العادل.
ينظّر شمس الدين للدولة الدستورية الشورية، التي تستند إلى التعددية واحترام الحقوق السياسية والدينية للأمة، والمشاركة في اتخاذ القرار، ومنبع ذلك كله عنده الشورى والتمثيل الشعبي الحقيقي لا المتوهم. يقول شمس الدين: "ينبغي أن يكون مبدأ الشورى في الشؤون العامة أهم المبادئ الدستورية السياسية على الإطلاق، عند الشيعة الإمامية في عصر غيبة المعصوم، وعند السنّة وسائر المسلمين منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم" (شمس الدين، في الاجتماع السياسي الإسلامي، بيروت: المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، 1992، ص107). ويمكن تلخيص المبادئ الدستورية وفقا لتصوراته في مجموعة من المبادئ.
المبدأ الأول هو الشورى. وإذا كانت الشورى أهم مبدأ دستوري عند شمس الدين، فهي من أهم المبادئ المكونة لمفهوم الأمة ومفهوم المجتمع السياسي في الإسلام عنده. والأهم أن شمس الدين جعل الشورى من القطعيات لا من الظنيات، قائلا: "وحسبنا أن نذكر هنا أن النص القرآني القاطع قد دلّ على تشريع هذا المبدأ الدستوري في آيتين محكمتين: الأولى: دلت على وجوب الشورى على الأمة في إدارة أمورها العامة، وهي قوله تعالى في سورة الشورى المكية: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، وهذا ليس وصفا للمؤمنين، وإنما هو حكم شرعي وضعي تنظيمي على المسلمين، يقضي أن يطبقوه في حياتهم العامة، ليتم إسلامهم وإيمانهم". أما الآية الثانية فقد "دلت على وجوب الشورى على الحاكم في ممارسته لمهمة الحكم، وهي قوله تعالى في سورة آل عمران المدنية: ﴿وشاورهم في الأمر﴾" (شمس الدين، في الاجتماع السياسي، ص108).
وفي هذه الآية الأخيرة يلتفت شمس الدين إلى لمحة مهمة لم أجد من تفطن إليها غيره، وهي أن الآية نزلت في المدينة المنورة بعد غزوة أحد، وبعد خطأ رأي الشورى الذي ألزم المسلمين بالخروج لملاقاة المشركين. وعلى الرغم من أن رأي النبي نفسه وجمهرة من كبار الصحابة كان المكث في المدينة، فإنهم التزموا برأي الشورى الذي آل إلى هزيمة المسلمين. وعلى الرغم من أن "نتيجة الحرب قد كشفت عن خطأ الرأي الذي انتهت إليه الشورى من الناحية العسكرية وصواب الرأي الآخر، نصَّ الوحي على إلزام النبي باتباع طريق الشورى" (في الاجتماع السياسي، ص108).
ويجعل شمس الدين آيات الشورى عامة وشاملة، لتشمل التدبير السياسي والشأن العام: "فإن المشورة والمشاورة في القضايا الفردية والأمور الخاصة من الأمور التي جرت عليها عادة البشر جميعا ومما تقتضيه طباعهم ويتلاءم مع مصالحهم الخاصة، وليس الأمر بها تأسيسا لنهج جديد في حياة الناس. وإنما الجديد هو الشورى في الأمور العامة على مستوى المجتمع، وعلى مستوى الحكم، فإن ذلك أمر لم يكن مألوفا في المجتمع السياسي، وفي قضية الحكم فقد كان السائد على مستوى الحكم هو الاستبداد والديكتاتورية والحكم الفردي ولم يكن لرأي المجتمع وزن أو قيمة".
ثم جعل هذا الحكم الدستوري حكما وضعيا: "وحيث اقتضت حكمة الله أن الحكم السياسي لا يكون في غير حالة كون الحاكم معصوما إلا بالشورى فقد اقتضى ذلك إنشاء هذا الحكم الوضعي، التنظيمي والأصل الدستوري، للأمة الإسلامية" (في الاجتماع السياسي، ص109). وشرط الشورى عنده ألا تخالف نصا قطعيا من كتاب أو سنة.
ولكن كيف تُمارس الأمة ولايتها على نفسها؟ هنا تلتقي النظرية بمبدأ الشورى الذي يُحوِّله شمس الدين من فضيلة أخلاقية موصى بها إلى ركيزة بنيوية لازمة في النظام السياسي الإسلامي الشرعي.
فالشورى في القراءة التقليدية الكلاسيكية كثيرا ما جرى تفسيرها على أنها آلية استشارية غير ملزمة، يستشير فيها الحاكم أهل الرأي لكنه يحتفظ بحق القرار النهائي. ويرفض شمس الدين هذا الفهم الاستشاري ويذهب إلى أن الشورى في جوهرها أداة لتحقيق ولاية الأمة لا مجرد إجراء تشاوري؛ فالشورى هي الطريقة التي تُعبّر بها الأمة عن إرادتها الجماعية وتمارس بها حقها في التقرير السياسي.
وهنا يدخل شمس الدين في مناقشة فلسفية دقيقة مع مفهوم "أهل الحل والعقد" التراثي، وهو مفهوم يُشير إلى النخبة السياسية والدينية التي تنوب عن الأمة في القرارات المصيرية. يقبل شمس الدين الفكرة من حيث المبدأ، لكنه يصر على أن مشروعيتها مستمدة من تفويض الأمة لهم، لا من خصائص ذاتية دينية أو علمية يتمتعون بها بمعزل عن هذا التفويض. فالعالم الفقيه ليس صاحب حق في الحكم بسبب علمه وفقاهته، بل قد يكون الأنسب لممارسة دور معين ضمن المنظومة السياسية حين تفوّضه الأمة.
وهذا يفتح المجال أمام شكل من أشكال الديمقراطية التمثيلية المؤطَّرة إسلاميا؛ فالانتخابات والبرلمانات ومؤسسات الحكم الحديثة ليست ابتداعا غربيا يجب رفضه أو النظر إليه بقلق، بل يمكن قراءتها كآليات معاصرة لتحقيق مبدأ الشورى وإعمال ولاية الأمة على نفسها في السياق التاريخي الراهن. لكن هذه الآليات لا تستمد قيمتها من كونها نتاج الحداثة الغربية، بل من كونها قادرة على تجسيد المبدأ الإسلامي الأصيل في ظروف عصرنا.
المبدأ الثاني عند شمس الدين هو الحاكمية، وهي متصلة بسؤال الحُكم أو القضاء (كلمة الحُكم تطلق في التراث الإسلامي على الحكم القضائي، وصنف فيها القرافي كتابه "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام")، وهو سؤال مركزي في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر. فمنذ ظهور المحاكم الأهلية والمختلطة كمحاكم موازية للمحاكم الشرعية في زمن الإمبريالية والاستعمار برز سؤال الشريعة والحكم بما أنزل الله؛ كان السؤال حاضرا تاريخيا، لكنه بات ملحا باعتباره عامل النجاة والنهوض عند كثيرين.
وقد كتب العلامة المحدث أحمد شاكر في غياب الشريعة ووجوب الحكم بما أنزل الله، لكنه جعل السبيل إلى ذلك الكفاح الدستوري وحده دون ممارسة العنف ضد الدولة الحديثة، ويبدو أنه تأثر في ذلك بالشيخ رشيد رضا، الذي أخذ عنه، والذي طالب بالكفاح الدستوري لإصلاح الدولة والقضاء، الحاكم والمحكوم. وهو السؤال نفسه الذي تأسست عليه الجماعات الإسلامية التي رفعت شعار تطبيق الشريعة، ثم جاء سيد قطب وبنى مقولاته على غياب الشريعة عن المشهد العام والخاص من حياة الدول والأفراد والمجتمعات.
لم يغب هذا السؤال عن التيارات الشيعية الإصلاحية والتقليدية على حد سواء، فالثورة الإسلامية في إيران إنما أسست حواضنها الشعبية والتقليدية بالدعوة إلى تطبيق الشريعة التي تعمد الشاه تهميشها في حياة الإيرانيين. وجل الخلافات بين الإصلاحيين والتقليديين الشيعة داخل إيران وخارجها تدور حول القراءة الدينية وفهم الشريعة وموضعها من الحكم والدولة.
هنا يأتي شمس الدين ليعلن أن الحكم بالشريعة لا مفر منه، وأن الحكم بما أنزل الله قطعي لا خلاف فيه؛ لكن شمس الدين يذهب إلى أن تولية القضاة في زمن حضور المعصوم عند الشيعة تكون بيد المعصوم لا بيد غيره، كما أن تولية القضاة عند أهل السنة إنما تكون بيد الخليفة ينصبهم ويعزلهم. ونحن نخالف العلامة شمس الدين هنا، لأن الواقع التاريخي لا يؤخذ منه حكم شرعي أو قاعدة ثابتة لا بد منها، كذلك فإن تنصيب القضاة ينافي استقلاليتهم واجتهادهم في الشريعة. ولذا يبدو أنه استشعر التناقض بين قوله بتنصيب القضاة وقوله بولاية الأمة على نفسها؛ فسارع ليطرح على وجل مسألة "إمكانية انتخاب القاضي من قبل الأمة"، واستدل بقوله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تردوا الأمانات إلى أهلها﴾ (النساء: 58)، على أن الخطاب فيها موجه إلى الأمة، وهذا يقتضي "أن القضاء شأن من شؤون ولاية الأمة على نفسها، في حالة عدم وجود النبي أو الإمام المعصوم".
ثم يجزم ثانيا بعدما تردد أولا، فيجعل القضاء من شؤون الأمة في فترة غياب النبي والمعصوم: "وأما تعيين الفقيه الفلاني في منصب القضاء فلا بد أن يكون باختيار الأمة بنحو من أنحاء الشورى والانتخاب وليس من سلطات الحاكم أو ولي الأمر غير المعصوم" (في الاجتماع السياسي، ص120). وهنا تتسق نظريته؛ فالقضاء مستقل عن السلطة السياسية، والسلطة السياسية كذلك منتخبة بيد الأمة تتأتى شرعيتها من الناس، لا من الفقيه ولا من أي شخص غير معصوم، لما تكتنفه من العوارض البشرية.
ويبقى سؤال المال؛ فقد كان شمس الدين من القلة الحوزوية التي التفتت إلى سؤال المال وعلاقته بالدولة والحكم والاستبداد والدستورية، فالمال مدار من مدارات الصراع بين التيارات والأحزاب والأشخاص طوال تاريخ البشرية، والصراع على الموارد كامن في أحشاء الشأن العام والتدبير السياسي كله.
ويمكن القول إن شمس الدين من أهم من تكلم من الفقهاء عن الحقوق المالية للناس وحفظ كرامة الجماهير، وقد أصّل لإغناء الناس وكفايتهم وجعل ذلك من واجبات الدولة، فيقول: "ولا يجوز من الناحية النظرية التشريعية أن يكون في المجتمع الإسلامي أسرة أو شخص لا يجدان كفايتهما، من الحاجات الحياتية بحسب المستوى السائد المتعارف عليه في المجتمع" (في الاجتماع السياسي، ص123). وتأصيله قريب مما طرحه وأوجبه إمام الحرمين الجويني والعز بن عبد السلام قديما، ومحمد الغزالي حديثا.
وشمس الدين لا يرفض إثقال كاهل الفقراء بالضرائب فحسب، بل يجعل فلسفة الزكاة والصدقات والضرائب في الإسلام مبنية على حفظ كرامة الفقراء، فالمبدأ الأساسي للسياسة المالية التي أقرها القرآن هو ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ (الحشر: 7). أي أن مسألة الزكاة والصدقات ليست منّة ولا نفحة من الأغنياء للفقراء، بل فريضة شرعية، وعمل تدبيري من أعمال الدولة وفقه العدالة فيها.
واللافت أن شمس الدين جعل الأمة كذلك هي المسؤولة عن المسألة المالية، وليس الحاكم المستبد، أي أن لها حق الولاية أيضا في تلك الناحية، لأن الخطاب القرآني المتعلق بالمال إنما توجه إلى عموم الأمة، حسب قوله. ثم استدل بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾ (البقرة: 278)، وقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (النساء: 29)، فخطاب التكليف في هذه الآيات وغيرها موجه إلى الأمة لا إلى الحاكم (في الاجتماع السياسي، ص125).
بل يجعل شمس الدين المهمة الجوهرية للحاكم أو الرئيس أو الخليفة هي رعاية الإنسان وحفظ كرامته، فيقول: "الحكم في الإسلام لا يقف عند حدود مهماته البوليسية التي تتلخص في حفظ الأمن الداخلي والخارجي فحسب، بل هو ذو مهمات تتجاوز هذا النطاق بكثير، إن مهمات الحكم في الإسلام هي رعاية الإنسان من جميع الوجوه" (شمس الدين، بين الجاهلية والإسلام، ص192).
وأخيرا، فإن شمس الدين وإن كانت له رؤية مغايرة عن غيره من الإصلاحيين السنة والشيعة في بعض المسائل، فإنه يمكن القول إنه امتداد لمدرسة الإصلاح الكبرى في العالم الإسلامي التي أرسى دعائمها الشيخ محمد عبده وأستاذه جمال الدين الأفغاني، وقد تكلم عن هذه المدرسة في غير موضع بانبهار شديد، بيد أن له مؤاخذات وجيهة عليها ليس محلها هنا (بين الجاهلية والإسلام، ص301-311).
تبدو إذن نظرية "ولاية الأمة على نفسها" اجتهادا فقهيا ومحاولة لإعادة توزيع السلطة داخل البنية الإسلامية ذاتها، من الفرد إلى الجماعة، ومن الوصاية إلى المسؤولية، ومن الولاية إلى الحق السياسي للأمة. إنها لا تنفي الدين عن السياسة، بل تعيد توطينه في ضمير الأمة، بحيث تصبح الجماعة المؤمنة، لا الفرد المعصوم ولا نائبه، هي الفاعل المركزي في تقرير مصيرها.
غير أن السؤال الذي يظل قائما، وربما أكثر إلحاحا اليوم، ليس في صلاحية هذه النظرية من حيث التنظير الفلسفي والتأصيل الفقهي والأصولي، بل في قدرتها على التحقق في واقع سياسي معقد، تتداخل فيه السلطة بالدين، والجغرافيا بالأيديولوجيا، والمصالح بالتأويلات. فهل يمكن للأمة، في عالمنا المعاصر، أن تمارس ولايتها على نفسها حقا؟ أم أن هذا التصور سيظل أمرا نظريا يصطدم بواقع القوة والسيطرة والنفوذ من جماعات المصالح المحلية وأنظمة الحكم تارة، ومن الإمبريالية العالمية تارة أخرى؟
Loading ads...
بين هذا الأفق وذلك الواقع، تظل أطروحة شمس الدين واحدة من أكثر المحاولات عمقا في التفكير في سؤال السلطة في الإسلام، لا لأنها تقدم جوابا نهائيا، بل لأنها تعيد طرح السؤال على نحو أكثر جذرية وصدقا، وتجعل الأمة في القلب منه، فهي، أي الأمة، مداره وعلّته ومورده، وهي من تَحكم وتُحكم.

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


اقرأ أيضاً


إعلام عبري: مظاهرات حاشدة في تل أبيب للمطالبة بتشكيل...

إعلام عبري: مظاهرات حاشدة في تل أبيب للمطالبة بتشكيل...

رؤيا

منذ 4 دقائق

0
طقس العرب: منخفض جوي عميق مرفق بالأمطار والثلوج يؤثر على...

طقس العرب: منخفض جوي عميق مرفق بالأمطار والثلوج يؤثر على...

رؤيا

منذ 4 دقائق

0
أكثر من 51 مليونا يصوتون مبكرا في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية

أكثر من 51 مليونا يصوتون مبكرا في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية

الجزيرة اقتصاد

منذ 6 دقائق

0
أميركا والهند وأستراليا واليابان تؤكد حماية الملاحة بهرمز وباب المندب

أميركا والهند وأستراليا واليابان تؤكد حماية الملاحة بهرمز وباب المندب

الشرق للأخبار

منذ 7 دقائق

0
preview