تعثر عليهم في كل مكان.. في محلات الميكانيك، وفي أسواق البالة.. أمام الأفران وعلى البسطات. في الشوارع، يمسحون زجاج السيارات، وعلى الأرصفة، يلمّعون الأحذية أو يبيعون المعروك والقداحات.. إنهم أطفال سوريا، التي تبحث عن المستقبل، في وجوه أطفالٍ، اضطرواإلى أن يصبحوا رجالاً قبل الأوان!.
تؤكد منظمة اليونيسف، أنه في عام 2025، هناك 7.5 ملايين طفل سوري، يحتاجون للدعم الإنساني، و2.45 مليون غير ملتحقين بالمدارس!. و2 مليون طفل معرضون لسوء التغذية. ولا يتوقف الوضع هنا، فالطامة الكبرى كما تقول المنظمة الدولية، تكمن في "هشاشة الوضع على الأرض"، فهناك ما يقارب 300000 ذخيرة من مخلفات الحرب تهدد الأطفال وتفاجئهم في الأراضي الزراعية وأماكن اللعب وفي أثناء التنقلات، عدا عن الاشتباكات المفاجئة التي يمكن أن تداهم الأطفال في أي مكان!.
لكنّ أرقام المنظمات الدولية، ستبدو بلا روح، وأنت تعبر شوارع دمشق، كي تشاهد صوراً من لحم ودم، لأطفالٍ جارت عليهم الدنيا بما يكفي، حتى أوصلتهم إلى حديقة المنشية القريبة من البرامكة، حيث تفرغوا للتسوّل وتدخين لاصق الشعلة في أكياس النايلون!. تسألهم: ألا تدركون أنكم تضرّون صحتكم بهذا السم القاتل؟ فيجيب أحدهم: "أنا أصطهج هكذا وأشعر بالمتعة، ولا أستطيع النوم من دون هذا الكيس!".
أطفال يحجزون أماكنهم على أرصفة دمشق
نبدأ السير من شارع "النصر" باتجاه الحميدية، فبعد أن غزت البسطات هذا الرصيف، حجز الأطفال أماكنهم بسرعة، يتقدمهم بائع البوالين والمظلات الملونة، الذي نسي نفسه أنه صاحب البسطة والرزق، وراح يضرب البوالين ويلعب بها، انسجاماً مع طفولته التي تناديه أن يهرع إليها!. نحذره من أنه قد يتسبب بانفجار بعض البوالين ما يؤدي لخسارته المادية. فيقول: "مليت من القعدة وما حدا عم يشتري"!. فنسأله لماذا اختار هذا النوع من البضاعة، وهل يتصور بأن المواطنين اليوم، سيهتمون بشراء البوالين والمظلات الملونة، وهم بالكاد يحصلون على لقمة العيش؟.
ويرد علينا بائع المظلات الملونة: "أليس لدى الناس أطفال يهمها أن تلعب بالبوالين، أو تحمل المظلات الملونة حتى لا تبتل بالمطر؟". نهز رأسنا بالموافقة، على ما استنتجه هذا الاقتصادي الصغير، ونتمنى له البقاء على رأيه عندما يكبر، فيصبح أباً لا يمانع في شراء البوالين لأبنائه!.
على مسافة ليست بعيدة من هنا، عليك أن تتحضر، لمقابلة أطفال اختاروا التخصص ببيع ربطات الخبز للعابرين، معللين ذلك بأن الناس يمكن أن تتوقف عن كل شيء، إلا عن شراء الطعام والخبز، فكيف إذا كان الفرن مزدحماً يتطلب من المرء الوقوف ساعات حتى يصل إلى الشباك ويحصل على ربطة من عشرة أرغفة؟.
الرهان هنا على المسرعين غير القادرين على الانتظار، يقول أحمد، وهو يفرد ربطاته على مقدمة إحدى السيارات المركونة بالقرب من سوق باب سريجة. نسأله إن كان يجد بيع الخبز مجدياً اقتصادياً؟ فيقول إنه يربح بكل ربطة 2000 ليرة، وهو مبلغ جيد، إذا ما تمكن من بيع الكمية كلها!.
يداوم الأطفال أمام الفرن، بعد انتهاء دوامهم المدرسي. منهم من فقد أباه بالحرب، ومن من تشردت عائلته فتبناه أحد من أقربائه، وكان الشرط أن يساعد في مصروف المنزل. ومنهم من لا يعرف لماذا يجري معه كل ذلك، فهو نشأ على هذا المنوال وتربّى عليه!.
أطفال يكبرون ورجال يشيخون قبل أوانهم
بالتدقيق، نكتشف أن بعض الأطفال يرافقهم آباؤهم أو إخوانهم الكبار، على بسطات قريبة من المكان تبيع أشياء مختلفة، كالفول النابت أو بسطات الجرابات أو الشوندر الأحمر المسلوق، الذي غزا الأسواق مع قدوم موسم الشتاء. فالظروف الاقتصادية الصعبة، التي فرضت على الأطفال أن يكبروا قبل أوانهم، لم تستثن الرجال عندما جعلتهم يشيخون ويظهرون أكبر من أعمارهم بكثير!.
على الجسر الحديدي، الذي يرتفع من منطقة البحصة، باتجاه المرجة، فيهبط عند مقهى "الشرق الأوسط" الشهير، ستكتشف أن الأطفال الرضّع، ينزلون أيضاً كل يوم مع أمهاتهم، من أجل العمل، ويستعيضون عن "حليب السباع" بماء الصبر وطول البال، عسى أن يغير الله أحوالاً، لم يستطع الناس حتى الآن تغييرها!.
يشاء "المقاتل الطفل"، الذي عثرنا عليه في كراجات البولمان، أن يعطي المشهد قتامةً مختلفة تثير القلق، عندما حمل بندقية مصنوعة من عصا، ووضع مكان أخمص البارودة، علبة بلاستيك!. هل تسأله عن الحرب التي ينتظر خوضها؟ ومع من ستكون؟.
Loading ads...
تقول اليونيسف، إن ملايين الأطفال في سوريا، يحتاجون للدعم الإنساني، وما لم تقل المنظمة الدولية، هو أن 20 مليون سوري، يحتاجون "للحنيّة"، ولقلب بنيٍّ كبير يشبه قاسيون، يحتضنهم، ويؤكد لهم أن كل شيء سيكون على ما يرام!.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

