ساعة واحدة
تسعيرة القمح تشعل غضب مزارعي سوريا.. وخبراء يحذرون من تهديد الأمن الغذائي
الإثنين، 18 مايو 2026
أثار قرار الحكومة السورية تحديد سعر شراء القمح من المزارعين بـ46 ألف ليرة سورية جديدة للطن، موجة غضب واسعة في الأوساط الزراعية، ولا سيما في مناطق الجزيرة السورية التي تعد الخزان الرئيسي للقمح في البلاد، وسط تحذيرات من أن التسعيرة الجديدة لا تغطي تكاليف الإنتاج الفعلية، وقد تدفع آلاف الفلاحين إلى تقليص المساحات المزروعة أو هجر الزراعة بالكامل خلال المواسم المقبلة.
وتحوّل ملف تسعير القمح هذا الموسم إلى قضية اقتصادية واجتماعية شديدة الحساسية، مع خروج تظاهرات نظمها مزارعين ترفض سعر القمح المحدد من قبل وزارة الاقتصاد، وسط شكاوى من ارتفاع تكاليف البذار والأسمدة والمحروقات وأجور النقل والعمالة، في وقت يؤكد فيه خبراء اقتصاديون أن السياسة الحالية تهدد الأمن الغذائي السوري وتضع القطاع الزراعي أمام أزمة طويلة الأمد
في لقاءات أجراها موقع تلفزيون سوريا مع مزارعين من الرقة والحسكة ودير الزور والقامشلي ودرعا، عبّر كثيرون عن استيائهم من التسعيرة الجديدة، معتبرين أنها "مجحفة" ولا تعكس حجم الأعباء التي تحملوها طوال الموسم الزراعي.
ويقول أحد المزارعين من ريف الرقة لموقع تلفزيون سوريا إن تكلفة إنتاج الكيلو الواحد تجاوزت أربعة آلاف ليرة سورية قديمة، متسائلاً عن الأسس التي اعتمدت عليها الحكومة في تحديد السعر.
وأضاف: "الفلاح يتحمل تكاليف الحراثة والبذار والمحروقات والري والنقل والحصاد، وفي النهاية يخرج بهامش ربح شبه معدوم، إن وجد أصلاً".
ويرى مزارعون أن السعر العادل للقمح يجب ألا يقل عن 450 إلى 500 دولار للطن، حتى يغطي تكاليف الإنتاج ويؤمن هامش ربح مقبولاً يسمح باستمرار الزراعة، مؤكدين أن الأسعار الحالية لا تتناسب مع الواقع الاقتصادي الذي يعيشه القطاع الزراعي في سوريا.
ويقول مزارع من ريف الحسكة إن المقارنة مع أسعار القمح قبل عام 2011 تكشف حجم التراجع الذي أصاب القطاع الزراعي السوري، موضحاً أن سعر الطن آنذاك كان قريباً من 460 دولاراً، لكن تكاليف الإنتاج كانت أقل بكثير بسبب توفر الدعم الحكومي للمحروقات والأسمدة والكهرباء.
وأضاف: "إذا كانت أسعار المازوت والكهرباء والأسمدة كما كانت سابقاً لكان السعر الحالي جيداً، لكن اليوم الفلاح يدفع كل شيء بأسعار مرتفعة، ولذلك سيخرج خاسراً".
ويقدم المزارعون أرقاماً تفصيلية توضح حجم الأزمة التي يواجهها القطاع الزراعي هذا الموسم. ويقول أحمد الحسين، وهو مزارع من ريف الحسكة، إن تكلفة الدونم الواحد تصل إلى نحو 900 ألف ليرة سورية، موزعة بين بدل ضمان الأرض والحراثة والحصاد والبذار.
وبحسب الحسين، فإن إنتاج طن واحد يحتاج إلى نحو خمسة دونمات، ما يعني أن تكلفة إنتاج الطن تصل إلى قرابة 4.5 ملايين ليرة سورية، بينما تستلمه الحكومة مقابل نحو 4.6 ملايين فقط.
ويضيف: "الفلاح يتعب سنة كاملة ليخرج بمئة ألف ليرة فقط عن كل طن، وهذا المبلغ لا يكفي حتى لتغطية المخاطر أو تعويض سنوات الجفاف".
ويؤكد مزارعون آخرون أن المشكلة لا تتعلق فقط بالموسم الحالي، بل بالخوف من المستقبل، إذ بات كثير منهم يفكر في تقليص المساحات المزروعة أو التحول إلى محاصيل أخرى أقل تكلفة وأكثر ربحية.
كما تحدث بعضهم عن تراكم الديون نتيجة شراء البذار والمحروقات والأسمدة نقداً، في ظل غياب أي تسهيلات حقيقية أو دعم حكومي مباشر.
الخبير الاقتصادي ملهم جزماتي يرى أن الحكم على عدالة سعر القمح لا يمكن أن يتم من خلال الرقم المعلن فقط، بل من خلال مقارنته بتكاليف الإنتاج الفعلية التي يتحملها الفلاح السوري.
وقال جزماتي في حديث لموقع تلفزيون سوريا إن الفلاح السوري اليوم لا يزرع في ظروف طبيعية، مشيراً إلى أن تكاليف البذار والسماد والمحروقات والري والنقل وأجور العمال ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات الماضية، إضافة إلى مخاطر الجفاف وتقلبات المناخ.
وأوضح أن السؤال الأساسي يجب أن يكون، "هل تملك وزارة الاقتصاد أرقاماً دقيقة ومحدثة حول تكاليف الإنتاج الحقيقية في المحافظات المنتجة؟ وهل يغطي السعر المعلن تلك التكاليف ويترك هامش ربح معقولاً يشجع الفلاح على الاستمرار في زراعة القمح؟"
وأضاف أن السعر قد يكون مقبولاً من وجهة نظر مالية بالنسبة للحكومة، لكنه لا يشكل حافزاً زراعياً للفلاحين، مشدداً على أن تسعير القمح لا يجب أن يُدار بعقلية تخفيف العبء عن الخزينة فقط، بل باعتباره جزءاً من سياسة زراعية تهدف إلى الحفاظ على استمرار الإنتاج المحلي.
وأشار جزماتي إلى أن تقلبات سعر الصرف تزيد من تعقيد المشكلة، لأن جزءاً كبيراً من تكاليف الزراعة مرتبط بالدولار، مثل السماد والمحروقات وقطع الغيار والنقل، بينما يبقى سعر شراء القمح محدداً بالليرة السورية.
وقال: "الفلاح يدفع تكاليف ترتفع مع ارتفاع الدولار، لكنه يبيع محصوله بسعر ثابت، وبالتالي تتراجع القيمة الفعلية لما يحصل عليه مع كل انخفاض في قيمة الليرة".
ويرى جزماتي أن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في كمية القمح التي ستستلمها الدولة هذا العام، بل في الرسالة التي يتلقاها الفلاح من خلال سياسة التسعير الحالية.
وأضاف: "السؤال الذي يطرحه الفلاح اليوم هو "هل الدولة تريد فعلاً تشجيعه على الاستمرار في زراعة القمح، أم أنها تعتبر الاستيراد بديلاً كافياً عن الإنتاج المحلي؟".
وحذر جزماتي من أن استمرار سياسة التسعير الحالية من دون دعم حقيقي للمدخلات الزراعية قد يدفع المزارعين مستقبلاً إلى العزوف عن زراعة القمح والتوجه نحو محاصيل أكثر ربحية.
وقال إن هذا التحول ستكون له تداعيات خطيرة على الأمن الغذائي والاستقرار الريفي وفرص العمل الزراعية، إضافة إلى زيادة الهجرة من الريف نحو المدن.
وأضاف أن المطلوب لا يقتصر على رفع سعر شراء القمح، بل يتطلب بناء سياسة زراعية متكاملة تشمل دعماً واضحاً للسماد والمحروقات والبذار، وتسهيلات في النقل والتسليم، إضافة إلى دفع مستحقات الفلاحين بسرعة.
كما شدد على أهمية أن تكون آلية التسعير تشاركية وشفافة، من خلال إشراك اتحادات الفلاحين في المحافظات المنتجة ضمن عملية تحديد الأسعار، لأن تكاليف الإنتاج تختلف بين منطقة وأخرى بحسب ظروف الري والنقل وتوافر المحروقات.
وقال: "أي سعر لا يستند إلى حوار حقيقي مع ممثلي الفلاحين سيبقى ناقصاً، حتى لو بدا مقبولاً على الورق".
من جهته، اعتبر الخبير الاقتصادي مجدي جاموس أن السعر المحدد للقمح قد يبدو جيداً إذا ما تمت مقارنته بالأسعار العالمية في بعض الدول، لكنه لا يمكن اعتباره عادلاً في ظل الفارق الكبير في تكاليف الإنتاج والدعم الحكومي المقدم للمزارعين في تلك الدول.
وأوضح جاموس لموقع تلفزيون سوريا، أن المقارنة مع دول مثل الصين أو أوكرانيا يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مستوى الدعم الزراعي والخدمات والتسهيلات المقدمة للمزارعين هناك، إضافة إلى الفارق الكبير في مستويات المعيشة وأسعار السلع.
وقال إن دول العالم لا تتعامل مع المحاصيل الاستراتيجية بعقلية التاجر القائم على الربح والخسارة فقط، بل تنظر إلى دعم القمح باعتباره قضية سيادية مرتبطة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
وأضاف: "معظم دول العالم تشتري القمح من مزارعيها بأسعار أعلى من السعر العالمي من أجل دعم المزارع والحفاظ على الجدوى الاقتصادية للإنتاج الزراعي".
وأشار جاموس إلى أن الوضع في سوريا أكثر حساسية، في ظل ارتفاع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، موضحاً أن الحفاظ على المزارعين أصبح أولوية تفوق مسألة تحديد السعر بحد ذاته.
وقال إن خيارات الفلاح السوري باتت محدودة، إذ يجد نفسه مضطراً لتسليم محصوله للدولة بسبب صعوبة التخزين وغياب البدائل الحقيقية.
وأضاف أن الحكومة تعتمد بشكل متزايد على عقود استيراد القمح من الخارج، ولا سيما من أوكرانيا وتركيا، ما يجعلها أقل اعتماداً على الإنتاج المحلي.
لكن جاموس حذر من أن هذا التوجه قد تكون له انعكاسات خطيرة على المواسم المقبلة، خاصة مع غياب الدعم الحكومي المباشر للمزارعين.
وأوضح أن الحكومة لم توفر البذار للمزارعين بالدين أو عبر تسهيلات، حيث اضطر كثير منهم لشراء البذار نقداً بأسعار مرتفعة وصلت إلى نحو 5.8 ملايين ليرة للطن الواحد.
وأضاف أن غياب الدعم الحقيقي سيولد ردود فعل سلبية لدى المزارعين، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع موسم جفاف أو ارتفاع جديد في أسعار الصرف.
كما لفت إلى أن تحديد سعر القمح بالليرة السورية في ظل تراجع قيمتها المستمر يجعل الفلاح أكثر عرضة للخسارة، متوقعاً أن يؤدي أي ارتفاع جديد في سعر الدولار إلى تآكل العائد الحقيقي للمزارعين.
بدوره، رأى الدكتور في كلية الاقتصاد في جامعة حماة، عبد الرحمن محمد أن السعر المحدد لشراء القمح لا يمكن اعتباره عادلاً، لأنه بالكاد يغطي تكاليف الإنتاج الفعلية في معظم المناطق السورية.
وأوضح أن سعر 46 ألف ليرة سورية جديدة للطن يعادل نحو 400 دولار وفق سعر الصرف الرسمي، لكنه ينخفض إلى نحو 340 دولاراً عند احتسابه وفق سعر السوق الموازية، وهو ما يغير الصورة الاقتصادية بالكامل.
وأشار إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن معظم مستلزمات الإنتاج الزراعي مرتبطة بأسعار السوق السوداء، بينما يتم تسعير القمح على أساس سعر صرف رسمي أقل بكثير من القيمة الحقيقية.
وقال إن هذه الفجوة تفرض "ضريبة ضمنية" على الفلاح السوري، لأنه يشتري البذار والمحروقات والأسمدة بأسعار مرتفعة مرتبطة بالدولار، ثم يبيع محصوله وفق تسعيرة لا تعكس تلك التكاليف.
وتوقع عبد الرحمن محمد أن تؤدي التسعيرة الحالية إلى عزوف جزئي عن تسليم القمح للدولة، مع احتمال لجوء بعض المزارعين إلى بيع محصولهم لتجار القطاع الخاص أو تهريبه إلى مناطق أخرى بحثاً عن أسعار أفضل.
كما رجح أن يتجه عدد من الفلاحين في المواسم المقبلة إلى تقليص المساحات المزروعة بالقمح أو التحول إلى محاصيل أخرى أقل تكلفة وأكثر ربحية.
وبحسب تقديرات المؤسسة السورية للحبوب، تحتاج سوريا سنوياً إلى نحو 2.55 مليون طن من القمح، في حين تشير التوقعات إلى أن إنتاج موسم 2026 قد يتراوح بين 2.3 و2.5 مليون طن في أفضل الأحوال. ويعني ذلك وجود فجوة غذائية قد تصل إلى 250 ألف طن سنوياً، يجب تغطيتها عبر الاستيراد، إضافة إلى الحاجة لبناء مخزون استراتيجي يكفي لعدة أشهر، وفقاً لعبد الرحمن محمد.
Loading ads...
ويحذر عبد الرحمن محمد من أن أي تعثر في تمويل واردات القمح قد يؤدي مباشرة إلى أزمة خبز، باعتبار أن الخبز ما يزال السلعة الأكثر حساسية اجتماعياً وسياسياً في البلاد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


