تحدث الاختراقات الأمنية والعسكرية لبلد ما حين يكون هذا البلد في حالة عدم استقرار سياسية واقتصادية واجتماعية؛ لهذا لم تكن حادثة بيت جن الأخيرة في ريف دمشق الجنوبي والاعتداء الإسرائيلي عليها وسقوط شهداء سوريين فيها حادثة منفصلة عن سياقها. هي تماما ضمن السياق الذي تعيشه سوريا منذ عام 2011 وحتى الآن، حيث حصل خلل بنيوي وقتها عرى فكرة الدولة المستقرة التي كانت في الواجهة لصالح السلطة الجرمية المستعدة لقتل الشعب كله في سبيل بقائها في الحكم. هذا الخلل تراكم خلال الخمسة عشر سنة الماضية وجعل من سوريا بلادا بلا سقف، بلا تحصين ولا حصانة، وجعل سماءها مكشوفة للجميع وقابلة للاختراق من كل مكان؛ فما انكشف بعد عام 2011 ليس القدرة على الدفاع والتصدي فقط بل هوية هذه السلطة وسرديتها المفترضة. تحولت سوريا في اللحظة التي وقفت فيها السلطة ضد شعبها إلى دولة بلا مركز، إذا اتفقنا على أن مركزية أية دولة هي إرادة الشعب وشرعية القرار الوطني وقيادة جامعة تمثل الشعب وتنفذ قراراته الوطنية. هذا المركز سقط في سوريا تماما بعد 2011. إرادة الشعب صارت هي مقتله وسبب كوارثه، والقرار الوطني بات مرتهنا لدول عدة تمتلك مربعات نفوذ عبر دعمها لسلطات أمر واقع متوازية، ضمن مناطق النظام (إيران وروسيا) وخارج مناطق سيطرته (تركيا وأمريكا)، طبعا دون أن ننسى مصالح الدول الأوروبية والعربية السياسية والعسكرية والاقتصادية في هذه المربعات المختلفة.
هكذا أصبحت سوريا جسدا متهالكا فقد جهازه العصبي الذي يضمن توازنه، بات اعتماده على أجهزة دعم خارجية سرعان ما ستسقط وتختفي مع تغير المعطيات الدولية. ومع تغير المعطيات التي حدثت نتيجة السابع من أكتوبر وحرب غزة وما تلاها، واجتثاث كل ما له علاقة بإيران في الدول المحيطة بفلسطين المحتلة، وإنهاء ملف محور المقاومة والداعمين له ضمن سلسلة طويلة ورهيبة من العمليات العسكرية والأمنية الإسرائيلية في غزة ولبنان، انتهى، على ما ظهر، دور النظام السوري وسقطت عنه الحماية بعد توافقات دولية لم تكن روسيا (الداعم العسكري الأكبر لنظام الأسد) بمعزل عنها، هكذا خلال عشرة أيام انتهى كل ما له علاقة بنظام الأسد من سوريا بما فيها ما تبقى من أسلحته وأسلحة إيران وجيوب حزب الله في الأراضي السورية؛ شنت إسرائيل ضربات جوية متتالية استهدفت كل أماكن السلاح السوري العلني والسري (هل قدم بشار الأسد إحداثيات السلاح مقابل الحفاظ على حياته؟). بحيث أصبحت سوريا بلدا بلا أي قدرة على مقاومة الاعتداءات الخارجية.
وقد يكون من غير المنصف اليوم الطلب من السلطة الجديدة الوقوف في وجه إسرائيل، فهذه السلطة لم ترث أية منظومة دفاعية من سلفها، كما أن سوريا بلدا ومجتمعا غير قادرة حاليا على بناء فعل مقاوم لإسرائيل بسبب ما تعانيه من إنهاك في بنيتها التحتية والاجتماعية والاقتصادية، وبسبب الخراب الكامل الذي خلفه نظام الأسد علي كل المستويات. وبكل حال لا تبدو السلطة المؤقتة أنها مستعدة لهذا، فالجيش الذي لديها ليس مؤهلا لأكثر من معارك إنتقامية ضد المدنيين على غرار ما حدث في الساحل والسويداء، ولا يمكنه مع شح التسليح الثقيل، من الوقوف في وجه جيش مدجج بأحدث أنواع الأسلحة، كما أن التفاهمات الدولية لا تسمح لبلد مثل سوريا بدخول هكذا حرب. هي لن تكون أكثر من ساحة تصفية صراعات أو بناء تفاهمات إقليمية يفرضها فائق القوة الإسرائيلي الذي يستبيح سوريا سماء وأرضا، مع تهديدات يومية من قبل مسؤولي دولة العدو بضربات أعنف في العمق السوري إذا ما ظهرت ملامح مقاومة شعبية أو رسمية؛ كما أن المضمون السوري الموحد لا وجود له حاليا، لا توجد فكرة سورية يلتقي حولها الجميع، ثمة سرديات متعارضة، كل فئة تملك سرديتها الخاصة بها وترى سوريا من خلالها، تعيش سوريا حاليا، من جملة الصراعات فيها وحولها، صراع السرديات التي تحدد من هو العدو ومن هو الحليف وماهي الأولويات وما هو الوطن، كل فئة سورية ترى عدوا مختلفا عن الأخرى وترى حليفا مختلفا، كل فئة أيضا ترى الوطن بما يتناسب مع أولوياتها. هذا ليس جديدا، هذا بدأ بعد 2011 لكنه الآن أكثر وضوحا وصراحة وانتشارا. غياب السردية الموحدة يكسر فكرة الوطن ويحولها إلى شظايا يسهل اختراقها واستباحتها. نحن، السوريين، أصبحنا مكشوفين تماما للعدو. مكشوفين إلى حد أنه يمكن لرئيس وزرائه وباقي مسؤوليه أن يتجولوا في الأراضي السورية ويسجلوا أشرطة مصورة تبث مباشرة دون أي إحساس بالخوف. هذا الانكشاف المخجل والمفزع في الآن نفسه لن ينهيه انضمام سوريا إلى الاتفاقيات الابراهيمية، ذلك أن سوريا إذا ما وقعت على الاتفاقية فسوف توقع من موقع الضعيف لا من موقع القوي. الدولة الضعيفة تنتج مجتمعا ضعيفا أيضا لن يتمكن من الوقوف في وجه التطبيع الكامل. بل على العكس سوف يستثمر العدو هذا الضعف في المجتمع لصالح تمكنه أكثر في العمق السوري كخطوات متقدمة في طريق إسرائيل الكبرى.
الآن. كيف يمكن إعادة الحصانة إلى سوريا ومجتمعها كي ننجو جميعا من تبعات الاستباحة الإسرائيلية المتواصلة؟ هذا سؤال جوابه يوجد لدى السلطة المؤقتة الحاكمة ثم لدى الشعب، ذلك أن أي سلطة حاكمة سوف تكون هي المسؤولة عن كل ما يحدث في البلاد التي تحكمها. لهذا دعونا نقول أولا إن الحصانة لا تعني فقط امتلاك منظومة دفاع متطورة وإن القوة ليست فقط في السلاح، القوة الحقيقية هي في تراكم شروط داخلية تمنع العدو من استخدام سلاحه ضدنا، هذه الشروط تبدأ في مشروع بناء الدولة الوطنية بدلا من السلطة، الدولة الوطنية تعني أولا الغاء حكم الفرد لصالح الديموقراطية والتعددية، وتعني التخلص من شكل الدولة الطائفية
والفصائلية القروسطية لصالح الدولة الحديثة، وتعني إعادة فكرة الدولة الكامنة في القرار الواحد والجيش الواحد والمؤسسات الواحدة والقانون الواحد. هذا أيضا يلزمه دولة عادلة تعلي من شأن المواطنة بدلا من الغلبة الطائفية ومن شأن المؤسسة بدلا من الزعيم المنقذ. التحصين يتطلب أيضا مجتمعا يرفض أن يكون هدفا للعدو وفي سوريا اليوم تخاف كل فئة من فئة أخرى أو من باقي الفئات لهذا لا تأخذ الاستباحة الإسرائيلية حيزا كبيرا من اهتمام السوريين المشغولين بعداء الآخر ابن البلد. يتحصن المجتمع حين يشعر السوريون أنهم جميعا ضحايا هذا العدو وأن عليهم جميعا واجب التصدي له، لكن هذا يتطلب، مجددا، من السلطة الحاكمة بناء دولة مواطنة حقيقية وإرساء العدالة والمساواة وعدم التمييز الطائفي والقومي والجندري. هذا أيضا يلزمه تحييد الفساد بكل أشكاله وتحييد حكم العائلة والمحاباة والموالاة ونبذ اقتصاد السلاح واستقطاب الكوادر العلمية والفكرية بدلا من توزيع المناصب الكبيرة والصغيرة على الأصحاب والأحباب والموالين. لن يدافع عن البلد من لا يشعر أن له حقوقا فيها. حين تمنع مواطنين من العمل وتمنعهم من الجيش وتمنعهم من الوظائف العليا فأنت، كمسؤول، تحولهم إلى خاصرة رخوة يسهل اختراقها بقدر ما يسهل طعنها.
Loading ads...
وأخيرا فإن البلد الذي لا يملك قراره لا يملك استقلاله، كل هذا التوجه للخارج والرضوخ له لا يبني دولة ولا مجتمعا ولا يمكنه الصمود طويلا أمام التحديات الداخلية والخارجية، عندما يدرك العدو أن سوريا بلدا موحدا يمتلك قرارا شعبيا واحدا وإرادة وطنية موحدة، وغير خاضع لإيدولوجيات ميليشيوية مختلفة ولا لأجندات خارجية عندئذ سوف تفقد الاستباحة معناها ذلك أن الهدف منها لا يمكن أن يتحقق.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

