ساعة واحدة
هندسة إسرائيلية في الجبهة الشرقية.. تطويع الجغرافيا أم فرض الوجود
الأربعاء، 29 أبريل 2026
تكمن خطورة نزع الألغام الإسرائيلية من الجبهة الشرقية مع سوريا بأنها خطوة في إعادة هندسة وجودها في المنطقة الجنوبية، فهو خطير للغاية لأنها تتخطى البعد التقني إلى البعد السياسي، وبما أن الشركة التي تعاقدت معها وزارة الدفاع الإسرائيلية هي شركة أميركية، فمن الواضح أن الأميركي سيكون له دور كبير وفعال في تلك المنطقة، وخاصة أن التوجه الأميركي أصبح يعتمد مؤخرا في كثير من مناطق العالم على استبدال الجيوش الأميركية المباشرة بشركات أمنية تحت ستار شركات تنفذ السياسة الأميركية في العالم، وهذا سيكون مدخلاً للجانب الأميركي إضافة لبسط السيطرة الإسرائيلية التي لا تتوقف عند خط وقف الاشتباك لعام 1974، بل يتعداه إلى أهداف إسرائيلية أوسع من ذلك بكثير، مفادها الاستراتيجي والجيوبوليتيكي الهيمنة الإسرائيلية والأميركية على الجغرافيا وميزاتها من حيث الموقع والمكان والتفاعل بين السكان المحليين والبيئة والحركة والمنطقة.
لا شك بأن المشروع الصهيوني العقائدي المتعلق بممر داوود مرتبط ارتباطا وثيقا بهذه المنطقة، الذي يلعب دورا أساسيا في بنائه المستقبلي لتحقيق "أرض إسرائيل الكبرى" من خلال توسع المنطقة الشرقية إضافة لجنوبي لبنان، ومشروع إسرائيل الجديد في نزع الألغام يعتبر مشروعا بمنتهى الخطورة من حيث الأبعاد الأمنية والسياسية والعسكرية والاستراتيجية، وله أبعاد من حيث التوقيت والنوايا المستقبلية التوسعية التي تتعدى ما بعد منطقة الفصل، فالتوقيت تجده إسرائيل مناسبا لسببين: أولا تسويق هذا الأمر لأطراف عربية ودولية، والأمر الثاني انشغال العالم بمواضيع وصراعات في مختلف أنحاء العالم، ولا يتوقف هذا المشروع القائم على نزع الألغام عند حد التقنية فقط، وليس من أجل تحويل الأدوات الأمنية من أداة تقليدية إلى أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بل لدى إسرائيل هدف ذو أبعاد عدوانية تقوم على تطبيع الجغرافيا في الجولان السوري المحتل تحضيرا لإمكانات نفوذ إضافية بعد أن عجزت عن التطبيع السياسي، تمهيدا لخلق أمر واقع في حال تعذر الوصول إلى اعتراف دولي بما تقوم به من قضم لأراض جديدة.
مع تطور أساليب الحرب الحديثة ونتائج الحروب والعبر والدروس المستفادة والمعارك التي خاضتها إسرائيل، فإن المنظومات الهندسية المستخدمة قديما لم تعد تتماشى مع متطلبات المعركة الحديثة
تعتبر المنظومة الهندسية الحربية جزءا هاما من العقيدة العسكرية الإسرائيلية في الجولان السوري المحتل، والتي تحيط بالمستوطنات ونقاط الاستناد المنتشرة بشكل أفقي وعمودي تكتيكي وهندسي محصن بالحواجز والأوتاد الرأسية المؤلفة من طبقات استنادية من البيتون المسلح والحجر الصخري البازلتي في كل نقاط الاستناد كما في تل الفرس وتلول أحمر شرقي وغربي، والموجود بكثرة في الجنوب السوري على الجبهة السورية الممتدة على القطاعين الشمالي والجنوبي، والذي يبدأ من الجبهة السورية مع إسرائيل في (الجولان) شمالا عند سفوح جبل الشيخ (جبل الحرمون أعلى قمة في جبل الشيخ) المشرفة على العاصمة دمشق، ويمتد القطاع الشمالي على طول خط وقف إطلاق النار (الخط الأرجواني) الذي تم تحديده بعد حرب 1973، وينتهي في الجنوب عند نهر اليرموك في بلدات (حيط ومعريا وكويه) على الحدود السورية الأردنية، والذي تتربع خلفه غربا مستوطنات الجولان السوري المحتل البالغة 45 مستوطنة إسرائيلية (موشاف وكيبوتس) يسكنها نحو 20-52 ألف مستوطن يعملون في الزراعة ضمن الكيبوتسات الزراعية التي تحتاج إلى أراض شاسعة وفيرة بالخصوبة، ومن دون توسيع الحزام الخصب من الأراضي الزراعية في الجنوب السوري الغني بالسدود السطحية والثروة المائية، لن يتحقق الهدف من إقامة الكيبوتسات الزراعية التي تعتبر أحد دعائم كيان إسرائيل الكبرى.
مع تطور أساليب الحرب الحديثة ونتائج الحروب والعبر والدروس المستفادة والمعارك التي خاضتها إسرائيل، فإن المنظومات الهندسية المستخدمة قديما لم تعد تتماشى مع متطلبات المعركة الحديثة، بل أصبحت تحتاج إلى إعادة تأهيل وتحديث من جديد لكي تقوم على أسس أكثر ذكاء تماشيا مع تقنية الحرب الحديثة، ونتيجة لتوسيع إسرائيل مسرح العمليات من الجبهة الشرقية فقد اقتضت المصلحة الجيوبوليتيكية الإسرائيلية أن تتعاقد وزارة الدفاع الإسرائيلية مع شركات عملاقة كشركة ذات مهام تقنية متخصصة بإنشاء هيكل منظومة رادارية استطلاعية تجسسية، تتماشى مع الخطط المستقبلية الإسرائيلية العسكرية في سياق واسع لتأمين الحدود الشرقية لإسرائيل، كمراحل إضافية سيتم تفعيلها تدريجيا وفقا للتقدم الذي سيتم إحرازه جغرافيا وعسكريا، لأن شبكة الكونسرتينا الهندسية الشائكة التي كانت تعيق الهجمات الأرضية بالأسلحة البرية التقليدية لم تعد تجدي نفعا كمنظومة منفردة، فالتحصين الهندسي والألغام الأرضية من م/د المضادة للدبابات والـ م/أ المضادة للأفراد وخنادق الـ م/د وخنادق الـ م/أ المحيطة بالنقاط العسكرية على الحدود والمستعمرات القائم على السور والبرج لم تعد فاعليتها الدفاعية لوحدها شاملة للأخطار المحدقة من كل الاتجاهات، بل أصبحت تحتاج إلى منظومة رادارية استطلاعية إلكترونية مجدية، كأحد الدروس المستفادة من الخروقات التي واجهتها في أكتوبر وعمليات التسلل الجوية المنخفضة التي لا تظهر على الرادارات، ليس ذلك فحسب بل أيضا لا تستطيع الاشتباك والتعامل معها صاروخيا.
لإسرائيل برنامج متكامل لما يسمى دول الطوق سواء في لبنان وسوريا وقطاع غزة والضفة الغربية، يعتمد هذا البرنامج على تقسيم المناطق وتجزئتها بالتوغلات العميقة على أنواع متعددة..
إن كل ما يتعلق بالاستفادة من الأراضي والثروات الطبيعية وتطبيع الجغرافية في الجولان السوري المحتل، الذي يعتبر امتدادا طبيعيا لسهل حوران وحوض اليرموك الغني بالثروات المائية والسدود السطحية، أمرا هاما وحيويا، حيث يعد حوض اليرموك في جنوبي سوريا (غربي درعا) منطقة استراتيجية فائقة الأهمية، حيث يمثل شريانا مائيا حيويا يغذي الأراضي الزراعية ويوفر مياه الشرب لملايين السكان في درعا والسويداء. وتكمن أهميته في كونه يضم سدودا رئيسية (كسد الوحدة وسد سحم الجولان وسد عابدين وسد نافعة ورويحينة والجبيلية وحوض اليرموك)، الذي يمثل حدودا طبيعية وموردا مشتركا، بالإضافة إلى مكانته التاريخية كساحة لمعركة اليرموك الفاصلة، ليس مجرد مصدر للمياه، بل إنه يمثل أحد العوامل الجيوسياسية التي تؤثر على العلاقات بين الأطراف ذات المصالح الجيومائية، لأنه يعتبر النهر مصدرا رئيسيا للمياه السطحية، ويغذي الأراضي الزراعية الخصبة في سهل حوران، كما يضم "خط الثورة" الذي ينقل مياه الشرب لقرى درعا وريف السويداء.
Loading ads...
لإسرائيل برنامج متكامل لما يسمى دول الطوق سواء في لبنان وسوريا وقطاع غزة والضفة الغربية، يعتمد هذا البرنامج على تقسيم المناطق وتجزئتها بالتوغلات العميقة على أنواع متعددة، منها أولا الضم الفعلي وإن لم يكن رسميا كما هو الحال في جنوب الليطاني في لبنان والجولان السوري المحتل والخط الأصفر في غزة والضفة الغربية، والمجال الثاني هو مناطق ما بين الخط الفاصل الأمني الإسرائيلي في الجولان وصولا إلى مشارف دمشق تريدها مناطق منزوعة السلاح بالتزامن مع سيطرة أمنية إسرائيلية جوية ووسائط إلكترونية، وثالثا منطقة خارج هاتين المنطقتين يتم التدخل بها دبلوماسيا بوسائل أميركية، فالموضوع هو اختلاف رؤى إقليمية مع قوة إقليمية أخرى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


