خلال بعض الأسفار التي حملتني لبلدان مختلفة عبر عقدين من الزمان، جمعتني مدن عدة بلقاءات مع شعراء كتبوا أو شاركوا في بناء أناشيد لأوطان خرجت من عباءة الاستعمار، أو صاغوا أغانٍ لأحزابٍ كانت تحلم بالحكم، ولمنظماتٍ أو جماعات أرادت أن تمنح أتباعها معنىً يتجاوز اللحظة. القول الذي تكرر بينهم بصيغ مختلفة على اختلاف جنسياتهم: إنَّ النشيد ليس أغنية. وإنما موقف أخلاقي مُغنّى. قد تكون الموسيقا فيه سابقةٌ على الكلمات وقد تكون الكلمات فيه مقدّمةٌ على الموسيقا.
فالنشيد الوطني، ليس ما يردده الجمهور واقفاً لأن البروتوكول يفرض ذلك، بل نصٌّ شديد الكثافة، كُتب ليحمل ما لا تتّسع له الخطب ولا تحتمله الشعارات. فيه تتقاطع السياسة بالثقافة من دون أن تتصارعا، ويتسلل التاريخ إلى الوجدان الجمعي لا بوصفه سرداً، بل شعوراً. هو أحد النصوص التي تُؤسِّس للدولة من الداخل، مثل الدستور والعلم، لا لأنه يشرح القوانين أو يمتثل لها، بل لأنه يزرع الإحساس بأن هناك "نحن" تستحق أن تُسمّى وطناً.
وبالتالي فإنَّ كتابة النشيد الوطني لا تعني مخاطبة الحاضر، بل التجريب أن يكون هذا البلد الذي تُكتَبُ لأجلِه القصيدة جديراً بالمستقبل. لذلك فالنشيد الحقيقي لا يكتفي بأن يُعرّف الناس بما كانوا عليه، بل يقترح عليهم ما يمكن أن يصيروا إليه. لا يقول لهم إنّ هذه البلاد كانت مقبرة وإنما يخبرهم أنها ما تزال قابلة للحياة رغم كل شيء. إنه إعلان نوايا أخلاقي قبل أن يكون بياناً وطنياً؛ وعدٌ غير مكتوب بين الدولة ومواطنيها، يطلعهم بوضوح ويشاركهم بالرؤية: هذا ما نحلم أن نكونه معاً. ولأجل هذه النقطة بالضبط، يُفترض بالنشيد أن يكون أطول عمراً من أي سلطة، وأوسع من أي نظام. فالأنظمة تسقط أو ترحل، لكن الكلمات التي كُتبت بصدق تبقى، كذلك الموسيقى التي صيغت لتسع الفرح والحزن معاً.
النشيد الذي ينجح في ذلك لا يعود ملكاً للحاكم ولا للحظة الانتصار، بل يصبح ملكاً للناس، يُورَّث مثل الذاكرة، ويُردَّد لا خوفاً ولا عادة، ولكن لأنهم يجدون أنفسهم فيه. لأنه يعيد تعريف الداخل بذاته في كل كلمة، وفي ذات الوقت يقدِّمُ صورة مكثفة للخارج عن الكيفية التي تريد الأمة مجتمعةً أن تُعرِّف بها نفسها.
النشيد ليس بياناً حزبياً ولا خطاباً سيادياً يمثِّل جماعة بعينها، بل صيغة إعلانٍ يحمل رؤية ضمنية للدولة: هل هي دولة حرب دائمة أم دولة حياة؟ دولة عقيدة واحدة أم دولة مواطنة؟
دلالات الدوائر الأدبية:
في منطق الدلالات الأدبية، يمكن تفكيك الدلالات الأساسية لأي نشيد وطني إلى خمس دوائر أدبية متداخلة فيما بينها. أولها الدلالة الجامعة وهذه يجب أن يكون حاملها خطابٌ لجميع المواطنين من دون استثناء، لا يتضمن انحيازاً بأي شكل إلى هوية فرعية "دينية، مذهبية، عرقية، أو أيديولوجية". فالنشيد الرسمي لا يُكتب للأغلبية فقط، وإنما للمواطنين جميعاً بوصفهم شركاء متساوين في الوطن. وثاني الدلالات الأساسية في هذا التركيب تقوم على الدلالة الزمنية المفتوحة وهذه تقوم - وفق تقديري- على عدم الإغراق في تمجيد لحظة تاريخية واحدة، ولا تُقيّد نفسها بسياق سياسي آني. لأنه من المفترض أن يكون النص قابلاً للعيش في أزمنة مختلفة، ويحتمل التأويل عبر الأجيال. أما الدائرة الثالثة في تفكيك دلالات النشيد الوطني تكمن في الأساس الأخلاقي. فكثير من الأناشيد العظيمة لا تُمجِّد القوة العسكرية بقدر ما تُبرز قيماً مثل الحرية، الكرامة، التضحية، العدالة، والعمل المشترك. ركيزة أخرى تبرز عن النشيد الوطني، وتقوم على الدلالة الوجدانية القائمة على الموسيقى واللغة التي يجب – بشكل أو بآخر- أن تُنتج استجابة شعورية مشتركة؛ تعزز الإحساس بالانتماء، لا بالخوف، وبالاعتزاز لا بالاستنفار والتوتر الدائم. ومن نافلة القول أن نشير إلى الدائرة الأخيرة التي تستند إلى الدلالة السياسية غير المباشرة. فالنشيد ليس بياناً حزبياً ولا خطاباً سيادياً يمثِّل جماعة بعينها، بل صيغة إعلانٍ يحمل رؤية ضمنية للدولة: هل هي دولة حرب دائمة أم دولة حياة؟ دولة عقيدة واحدة أم دولة مواطنة؟
دول ما بعد الخراب:
إن محاكمة اللحظة السورية وحالة الجدل الدائرة حول مسابقة النشيد الوطني المرتقب، التي أعلنت عنها وزارة الثقافة ثم شاب شروطها التعديل والتمديد. تتطلب نظرة شاملة عامة على الأناشيد الوطنية في الدول الخارجة من الحروب والصراعات. وفق إطّلاعي فإن تلك الكيانات الجديدة واجهت سؤالاً شبيهاً بالسؤال السوري اليوم: كيف نكتب نشيداً لوطنٍ ممزق من دون إعادة إنتاج الانقسام؟. ولأن الأشياء تغدو أقرب بالأمثلة سأستعرض تجارب حقيقية ربما يمكن التفكير بجوهرها لا بالطريقة والظروف التي صيغت بها، ففي جنوب إفريقيا التي انتقلت بعد سقوط نظام الفصل العنصري من الصراع العرقي إلى التعدد الرمزي. اعتمدت نشيداً مركباً يدمج لغات متعددة وألحاناً مختلفة، في رسالة واضحة مفادها أنَّ الوطن ليس ملكاً لذاكرة واحدة. فالنشيد في الدولة التي تملك حقيقة لا مجازاً ثلاثة عواصم لم يمحِ الماضي، لكنه رفض أن يُختزل فيه. أما في رواندا فقد تخلّت عن نشيدها السابق المرتبط بفترة الانقسام والإبادة الجماعية، واعتمدت نشيداً جديداً يركز على الوحدة والمستقبل والعمل معاً، مع حذف أي إشارات إثنية. وهنا يمكن الإشارة إلى أنَّ الصمت المتعمَّد عن الهويات القاتلة كان خياراً سياسياً أخلاقياً. في حين في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية فقد تم اختيار مقطع واحد فقط من كلمات النشيد القديم مع إسقاط كل الحمولات القومية العدوانية، وهذا ما يعرف أدبياً بالتنقية الرمزية، وسياسياً بمنطق اللا قطيعة كاملة مع الماضي.
الخلاصة التي يمكن الوقوف عليها من الاستعراض السريع لهذه التجارب المختلفة، أنّ الدول الخارجة من صراعٍ أو حرب تميل إلى واحد من ثلاثة مسارات: فإما قطيعة كاملة مع النشيد السابق. أو إعادة تأويل وانتقاء جزئي. أو الذهاب باتجاه إنتاج نشيد جديد محايد لغوياً ورمزياً.
إن اختيار النشيد الوطني السوري الجديد ليس تفصيلاً ثقافياً أو مسألة ذوق فني، ولا قراراً بروتوكولياً يمكن تأجيله أو تمريره بهدوء أو من خلال مسابقة يقاطع المشاركة بها كثير من المبدعين السوريين أو غيرهم..
لحظة الجدل السوري:
في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، عاد سؤال النشيد الوطني إلى الواجهة بوصفه سؤالاً عن الهوية، لا عن الموسيقى. الجدل الدائر اليوم يكشف انقساماً عميقاً بين ثلاث مقاربات رئيسية – وفق رصدي- الأولى تقوم على فكرة القطيعة الكاملة. وهذا ترى أن أي رمز استُخدم في عهد نظام الأسد يجب استبعاده، بغضّ النظر عن سياقه التاريخي السابق. والثانية تعمل على إيقاع مقاربة الاستعادة التاريخية. وهذه تدعو إلى استعادة "حماة الديار" بوصفه نشيداً وُلد قبل مرحلة الاستبداد والانقلابات العسكرية، ويمكن إعادة تأويله خارج إرث النظام البائد. أما الاتجاه الثالث فيقدِّم مقاربة الأسلمة الرمزية التي تسعى إلى منح النشيد طابعاً دينياً واضحاً، بوصفه انعكاساً لهوية المجتمع، خاصة بعد فشل فرض هذه الهوية في العلم أو الشعار. وهذه المقاربة هي الأكثر إشكالية، لأنها تُحمِّل النشيد وظيفة إقصائية، وتحوّله من رمز وطني جامع إلى إعلان هوية دينية، وهو ما يتناقض مع الإعلان الدستوري أولاً. ومع تجارب الدول الخارجة من الصراع، والأهم مع طبيعة المجتمع السوري المتعدد.
أمام هذا على الدولة السورية الحالية أن تملك الإجابات على الأسئلة التالية: ماهو أجمل نشيد يريده السوريون؟ وأي سوريا نريد أن نُغنّي لها؟. هل هي سوريا الذاكرة الجريحة أم سوريا العقد الاجتماعي الجديد؟ هل هي دولة غالبة أم دولة جامعة؟ هل نريد نشيداً يعبئ الناس لمواجهة قادمة، أم نشيداً يُعيد تعريف معنى الانتماء بعد الخراب؟، وفي منطق المجالس هل سيكون السوريون أمام نشيد على شاكلة "لبّت لبّت" أم " سنخوض معاركنا معهم" أم " موطني" أم "حماة الديار"؟ أم "في سبيل المجد"؟. وأمام هذا على صاحب القرار أو من تصدّى له ألا يَطلب أن يكون النشيد بطولياً أو غنائياً بقدر ما يشترط أن يكون صادقاً، حذِراً، ومتواضعاً أمام الألم. لا يُقصي أحداً، ولا يَعِد بما لا تستطيع الدولة بمختلف منظوماتها الوفاء به.
موقع النشيد في الدولة والمجتمع:
إن اختيار النشيد الوطني السوري الجديد ليس تفصيلاً ثقافياً أو مسألة ذوق فني، ولا قراراً بروتوكولياً يمكن تأجيله أو تمريره بهدوء أو من خلال مسابقة يقاطع المشاركة بها كثير من المبدعين السوريين أو غيرهم، في تقديري المسألة أعمق من هذا ويمكن وضعها في خانة الاختبار العميق المبكر لجوهر الدولة المقبلة التي يُراد بناؤها أو التي يتم الوعد ببنائها بشكل يليق بالسوريين.
Loading ads...
فالنشيد الذي يُكتب من موقع الغلبة، أو من نشوة انتصار فئة على أخرى، يحمل في داخله بذور هشاشته ورفضه وسقوطه. قد يُلهب الحماس في لحظته الأولى لجموع من البشر، لكنه سرعان ما يتحول إلى نص إقصائي، يذكّر المهزومين بخسارتهم بدل أن يفتح لهم باب الانتماء. مثل هذا النشيد يعيش فقط بمستوى عمر السلطة التي أنجبته، ثم يسقط معها أو يُفرَغ من معناه. في المقابل، النشيد الذي يُكتب بوعي الخسارة المشتركة، وباعتراف صريح أو ضمني بأن الجميع دُفعوا ثمناً باهظاً أو غير باهظ، لكنهم جميعاً يمتلكون الآن في لحظة تاريخية فرصة نادرة للاستمرار. إنه لا ينكر الألم ولا يستثمره، بل يحوّله إلى لغة جامعة، تسمح للسوريين أن يقفوا تحت لحن واحد من دون أن يُطلب منهم إنكار جراحهم أو هوياتهم. عندها فقط، يمكن للنشيد أن يصبح جسراً رمزياً فوق الركام، لا إعلان انتصار، بداية سردية وطنية جديدة، أكثر تواضعاً، وأكثر صدقاً، بعيداً عن مركزية زائفة وجماعة متخيّلة، وأقرب إلى معنى الدولة بوصفها عقداً بين المختلفين لا مكافأة للغالبين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



