ساعة واحدة
الوثائقي السوري "الجانب الآخر من الشمس".. تجربة استثنائية داخل سجن صيدنايا
الجمعة، 13 فبراير 2026
تشكل الأفلام الوثائقية التي تدور أحداثها حول السجن والمساجين حيزاً لا بأس به من اهتمام بعض المخرجين العرب، السوريين منهم خاصة. والحقيقة إذا ما حاولنا معرفة السبب الرئيسي وراء ذلك الاهتمام لتبين لنا أن معظم صانعي الأفلام لديهم تجارب خاصة داخل السجون أو لديهم حساسية تجاه ما خلفته تلك السجون عليهم وعلى محيطهم ومجتمعهم من تداعيات، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
الأهم من ذلك، بات واضحا أن هذه الأفلام ما زالت جذابة وهامة بالنسبة للجمهور الغربي بدرجة كبيرة مقارنة بالجمهور العربي الذي لا يرغب بمشاهدة مأساته أو التصريح بها، كما تُعتبر تلك الأفلام محط تقدير واهتمام من قبل مهرجانات سينمائية عالمية وحتى عربية ولدى بعض منصات العرض، لدرجة بات هناك ما يطلق عليه مجازا مسمى (سينما السجون) على شاكلة (أدب السجون) الذي فتح المجال وما زال للكتاب والمثقفين لتسجيل حكاياتهم وتجاربهم في المعتقل واثناء التعذيب والتنكيل بهم.
على سبيل المثال، قدم الكاتب والناشط السياسي اللبناني لقمان سليم رفقة زوجته المخرجة مونيكا بورغمان فيلما عن سجن تدمر في العام 2016 بعنوان (تدمر) ليروي من خلاله قصصا عن المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. شارك في الفيلم مجموعة من المعتقلين اللبنانيين الناجين من الموت وقاموا بتقديم شخصياتهم الحقيقية وشهاداتهم الواقعية عن جحيم السجن وما عانوه، كان الفيلم اشبه بصرخة في وجه الظلم والاستبداد وربما كان أحد الأسباب التي أودت بحياة سليم لاحقا.
كذلك فعل المخرج الفلسطيني ابن الناصرة رائد انضوني في العام 2017 في فيلمه الوثائقي (اصطياد الأشباح) الذي أعاد من خلاله تجربة اعتقاله في المسكوبية، مركز التحقيق التابع للمخابرات الإسرائيلية "شاباك"، حين كان شابا في عمر الثامنة عشر. نجح الفيلم وكان محط اهتمام مهرجانات عالمية وعربية بداية من مهرجان برلين السينمائي الدولي أحد أهم المهرجانات السينمائية، حيث توج بجائزة أحسن فيلم وثائقي، لتبدأ رحلته في المشاركة في أغلب المهرجانات.
أما على الصعيد السوري فيأتي فيلم محمود حسن ابن دير الزور الذي أخرجه في العام 2018 بعنوان (فوق التعذيب) ليحكي قصصا عن السجون وليصور دهاليزها من خلال مقابلات أجراها مع مساجين سابقين يروون الرعب الذي عايشوه فيها، وهو عمل أشبه بالتحقيق الصحفي من كونه فيلما يحكي عن المعاناة بالتحديد، يقول حسن: "الفيلم كان وسيلة لتوثيق المعاناة والتجارب الشخصية للمعتقل حين يصبح ورقة ضغط سياسي لمن يطالب بالمعتقلين".
والملاحظ أن معظم الأفلام وخاصة التي حاولت نقل معاناة المساجين داخل السجن، لم تكن قد صورت على أرض الواقع (داخل السجون) لنرى جدرانها ونعرف دهاليزها ونشاهد أدوات وطرق التعذيب فيها، بل أنتج مخرجوها أماكن بديلة كما فعل رائد انضوني حين أعاد بناء مكان اعتقاله الغامض أو المتخيل، أو كما فعل الناشط لقمان سليم، حين جعل ممثلية يبنون سجنهم ويصنعون أدوات تعذيبهم أمام المشاهدين ويتدربوا على طريقة استخدامها.
لكن سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وفتح أبواب الزنازين وخروج ما تبقى من معتقلين ناجين، دفع المخرج السوري توفيق صابوني للعودة إلى سوريا، ليحقق تجربة استثنائية وليصور من داخل سجن صيدنايا فيلمه الوثائقي المعنون (الجانب الآخر من الشمس)، وسجن صيدنايا كما بات معروفا هو أحد أكبر وأكثر السجون السورية قسوة. في الفيلم، يصبح السجن شاهداً حقيقياً على حجم الكارثة الإنسانية التي لم ينج منها إلا أصحاب العمر الطويل، حيث يروي صابوني تجربته الشخصية هناك إلى جانب بعض السجناء الذين قضى بعضهم نحبه، بينهما خرج بعضهم الآخر للشمس. كان الفيلم قد حصل على دعم من مهرجان البحر الأحمر السينمائي وسيكون حاضرا خلال أيام في مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026 ضمن قسم البانوراما.
يقول صابوني: "الفيلم قصة شخصية تدور حول فترة اعتقالي بسجن صيدنايا بالمشاركة مع معتقلين سابقين منهم عبد الكافي الحاج، محمود القدح ومحمد حمكي وعبد الحميد جدوع، ويشكل الفيلم إعادة احياء لذاكرتنا ولحياتنا داخل ذلك السجن وما تعرضنا له، كما أنه مُهدى لأولاد عمتي الاثنين الذين اختفوا بالسجون ولم يخرجوا ابدا، وأيضا مهدى لجميع المعتقلين الذين اختفوا بسجون نظام الأسد".
وعن الصعوبات التي واجهها أثناء تنفيذ الفيلم، يشير صابوني إلى أنها "كانت ذو شقين؛ الأول نفسي، وهو الجانب الأصعب في التجربة، لأننا سنعيد تمثيل أو استرجاع ذكريات مؤلمة لا نحب مشاركتها، والثاني تمثّل في صعوبة الحصول على ترخيص للتصوير ضمن السجن، لكن هذا الأمر قام به المنتج المنفذ للفيلم زياد علي، الذي حصل على الموافقة بعد عدة محاولات"، أما عن اختياره لعنوان الفيلم (الجانب الاخر للشمس) فيقول صابوني: "استوحيته من مقولة كانت تقال للمعتقلين داخل السجن (رح نوديك وراء الشمس)".
Loading ads...
وكان المخرج صابوني قد غادر سوريا إلى بلجيكا ودرس السينما وحصل على شهادة الماجستير في الإخراج السينمائي من المعهد الوطني العالي للدراسات السينمائية، وقدم مشروع تخرجه من خلال فيلم روائي كتبه وأخرجه بعنوان (بلا وطن) 2023 ودارت أحداثه حول سيدة سورية تدعى سلمى، تلعب دورها الممثلة ريم علي، تصل مع ابنها إلى بلجيكا كلاجئة، وتقيم في منزل شقيقها، يلعب دوره الممثل جلال الطويل. تعاني سلمى من حنينها إلى وطنها الأم وأزمة هوية حين تكشف أنهم وضعوا كلمة لاجئة في خانة الجنسية على بطاقة إقامتها بدلا من جنسيتها السورية، ولتبدأ رحلة صراعها الداخلي ما بين البقاء في بلد يقدم ما يحتاجه ابنها أو العودة إلى بلدها، تم اختيار الفيلم ضمن جوائز أكاديمية الطلاب "أوسكار الطلاب"، وهو انجاز كبير لمخرج سوري في بلد الاغتراب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
فشل المشروع الإسرائيلي لتقسيم سوريا
منذ ساعة واحدة
0

