في شبكات الكهرباء، قد ترفع السلطات الأسعار عمدًا لكبح الاستهلاك، لكنها لا تستطيع تحقيق ذلك عبر قطع التيار نفسه؛ فالهدف أن يصبح استخدام الكهرباء أكثر تكلفة، لا أن تنهار الشبكة التي تنقلها.
شيء قريب من ذلك يحاول الاحتياطي الفيدرالي فعله الآن بالنقود، حيث يريد رفع تكلفتها لمواجهة التضخم، لكنه لا يريد أن تتحول عملية التشديد إلى نقص مفاجئ في السيولة يعطل الأنابيب التي يمر عبرها المال داخل النظام المالي.
لهذا بدت تحركات سبتمبر متناقضة للوهلة الأولى، إذ أعلن البنك الفيدرالي في نيويورك تعليق المشتريات الجديدة من أذون الخزانة لأغراض إدارة الاحتياطيات للشهر الثاني، وبعد يومين رفع الفيدرالي الفائدة 25 نقطة أساس إلى النطاق بين 3.75% و4.00%.
في هذا السياق يقول الأخ "Dr. Abdel-Hameed Nawar" تعقيبًا على الخبر، إن ما يفعله الفيدرالي "هو محاولة لبث الثقة في استقرار أسواق التمويل إلى حين".
هذا الاعتقاد منطقي خاصة أنه يأتي في وقت كانت وزارة الخزانة تسير فيه في اتجاه يبدو معاكسًا، بعدما وسعت عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل، بالتزامن مع ارتفاع العوائد إلى مستويات لم تشهدها منذ سنوات.
فهل كانت واشنطن تشدد السياسة النقدية بيد، وتحاول حماية سوق السندات باليد الأخرى؟ أم أن المشهد يكشف شيئًا أعمق عن الطريقة التي تغير بها النظام المالي الأمريكي منذ الأزمة العالمية؟
رسالة "الصفر" إلى الأسواق؟
- في الرابع عشر من سبتمبر، قرر بنك نيويورك عدم تنفيذ مشتريات جديدة لإدارة الاحتياطيات خلال الفترة التالية، بعدما كان قد اتخذ القرار نفسه للشهر السابق.
- لكن "صفر مشتريات" لا يعني أن الفيدرالي توقف تمامًا عن شراء سندات الخزانة؛ إذ استمرت المشتريات تحت بند إعادة الاستثمار بنحو 15.6 مليار دولار، وهي عملية مختلفة عن المشتريات الهادفة لإضافة احتياطيات جديدة.
- قد يغري توقيت الإعلان، الذي جاء قبل اجتماع الفيدرالي مباشرة، باعتباره رسالة طمأنة: النظام المصرفي يمتلك سيولة تكفي لتحمل رفع الفائدة، ولا يحتاج إلى جرعة إضافية من الاحتياطيات.
- لكن الأدلة لا تدعم هذه القراءة بوصفها نية معلنة، فبنك نيويورك ينشر عادة حجم مشتريات الشهر التالي قرب يوم العمل التاسع، ومع عطلة عيد العمال وافق الرابع عشر من سبتمبر الجدول التشغيلي المعتاد.
- مع ذلك، حمل الرقم صفر معلومة للسوق حتى إن لم يكن رسالة مصممة عمدًا، فقد كانت الاحتياطيات نحو 3.04 تريليون دولار، فيما ظلت ظروف التمويل القصير مريحة، وتداول معدل التمويل المضمون لليلة واحدة (SOFR) عند أو دون سعر الفائدة على أرصدة الاحتياطيات لفترة كبيرة.
- بعبارة أخرى، ربما لم يقل الفيدرالي للمستثمرين صراحة إن "السيولة بخير"، لكن قراره بعدم إضافة المزيد منها كان يحمل عمليًا هذا المعنى.
لماذا تشتري الحكومة السندات إذن؟
- بالتزامن تقريبًا، كانت وزارة الخزانة تفعل شيئًا مختلفًا؛ إذ رفعت الحد الأقصى لعمليات إعادة شراء السندات في شرائح العشر إلى عشرين سنة والعشرين إلى ثلاثين سنة من ملياري دولار إلى أربعة مليارات على الأقل للعملية الواحدة.
- وصل حجم إحدى العمليات لاحقًا إلى ستة مليارات دولار، والظاهر هنا قد يبدو كأنه محاولة حكومية لدعم أسعار السندات واحتواء ارتفاع العوائد، لكن البيانات تشير إلى تفسير أقل إثارة وأكثر أهمية.
- الوزارة قالت إن الهدف هو تحسين سيولة السندات القديمة الأقل تداولًا، ومنح المستثمرين منفذًا منتظمًا للتخلص من الأوراق التي أصبحت خارج الإصدارات القياسية الحديثة.
- لو كان الهدف خفض العوائد نفسها، فإن السوق قدم اختبارًا قاسيًا لهذه الفرضية: عائد السندات لأجل عشر سنوات واصل الصعود مقتربًا من 5%، بينما دار عائد الثلاثين عامًا قرب 5.35%.
- الحجم أيضًا يكشف حدود الأداة، فخلال الربع الجاري، تتوقع الخزانة اقتراضًا صافيًا بنحو 739 مليار دولار، مقابل نحو 45 مليارًا فقط من عمليات إعادة الشراء.
- لذلك، فالتمييز الحاسم هو أن الوزارة لم تكن تحاول بالضرورة منع المستثمرين من طلب عائد أعلى؛ بل منع ارتفاع العوائد من التحول إلى مشكلة في قدرة السوق نفسها على التداول بسلاسة.
ثلاثة أطباء لمريض واحد
- المشهد يصبح أكثر وضوحًا إذا فصلنا الوظائف، فالفيدرالي رفع سعر الفائدة لكبح التضخم، وبنك نيويورك يدير الاحتياطيات حتى لا تصبح السيولة المصرفية شحيحة، أما الخزانة فتحاول تحسين تداول أجزاء من سوق الدين الحكومي القديم.
- هذه الأدوات جميعًا تتحرك داخل النظام المالي نفسه، لكنها لا تستهدف المرض نفسه.
- في نظام "الاحتياطيات الوفيرة" الحديث، لم يعد الفيدرالي مضطرًا إلى خلق ندرة في الأموال بين البنوك حتى يرفع الفائدة، إذ يستطيع ببساطة رفع السعر الذي يدفعه على الاحتياطيات والأسعار الأخرى التي يديرها مباشرة.
- هكذا يمكنه جعل المال أكثر تكلفة بينما يضمن بقاء المال نفسه متاحًا بالقدر الذي يسمح للأسواق بالعمل. هذه ليست مسألة تقنية صغيرة؛ إنها نتيجة درس مكلف تلقاه النظام الأمريكي قبل سبع سنوات.
اليوم الذي اكتشف فيه الفيدرالي الخطر
- في سبتمبر 2019، انخفضت احتياطيات البنوك الأمريكية إلى نحو 1.34 تريليون دولار، بالتزامن مع مدفوعات ضرائب وتسويات لسندات الخزانة استنزفت سيولة كبيرة في توقيت واحد.
- بدت الكمية ضخمة، لكن ما حدث بعدها أثبت أن الرقم المجرد لا يكفي؛ قفز معدل "SOFR" إلى نحو 5.25% من 2.43% في يوم واحد، وسجلت بعض معاملات الريبو أسعارًا أعلى كثيرًا.
- اضطر الفيدرالي إلى التدخل بضخ سيولة عبر عمليات الريبو، ثم بدأ شراء أذون خزانة بنحو 60 مليار دولار شهريًا لإعادة الاحتياطيات إلى مستوى أكثر راحة.
- لكن الدرس الأكثر غرابة لم يكن أن 1.34 تريليون دولار "قليلة"، وإنما أن الفيدرالي نفسه لا يستطيع تحديد رقم ثابت يقول عنده إن الاحتياطيات انتقلت من الوفرة إلى الندرة.
- قال جون وليامز، رئيس البنك الفيدرالي في نيويورك، إن المستوى المتوافق مع الاحتياطيات الوفيرة "غير مؤكد بطبيعته". فالاحتياطيات قد تبدو هائلة إجمالًا، لكن البنوك ربما تصبح أقل استعدادًا لإقراضها بسبب القيود التنظيمية أو احتياجاتها الداخلية.
- اليوم، يحاول الفيدرالي اكتشاف الاقتراب من الحافة قبل السقوط منها، بمراقبة أسعار الريبو واستعداد البنوك لإقراض النقد واستخدام تسهيلات السيولة.
لماذا لا تكفي ثلاثة تريليونات؟
- قد يبدو الفارق بين 2019 و2026 مطمئنًا؛ فالاحتياطيات الحالية تزيد على مثلي مستواها وقت أزمة الريبو، لكن النظام نفسه أصبح أكبر وأكثر اعتمادًا على التمويل قصير الأجل.
- كما اختفى تقريبًا أحد ممتصات الصدمات المهمة: أرصدة صناديق أسواق المال في تسهيل إعادة الشراء العكسي، والتي كانت تستطيع تمويل إصدارات أذون جديدة دون أن تستنزف احتياطيات البنوك مباشرة.
- مع تقلص هذا المخزن، أصبحت تحركات وزارة الخزانة وإصدارات الدين قادرة على الانتقال بصورة أسرع إلى كمية الاحتياطيات المصرفية، ما يزيد أهمية إدارة الفيدرالي الدقيقة للسيولة.
- لذلك، فإن السؤال ليس إن كان الفيدرالي يمتلك ثلاثة تريليونات دولار من الاحتياطيات، وإنما كم منها تستطيع المؤسسات الاستغناء عنه في اللحظة التي يحتاجه فيها الآخرون.
تنسيق أم مجرد نظام يعمل كما صُمم؟
- لا توجد أدلة كافية على اجتماع ضمني للفيدرالي والخزانة قررا فيه حماية الأسواق من رفع الفائدة. التوقيت المنتظم لإعلان بنك نيويورك، وصغر حجم إعادة الشراء، واستمرار ارتفاع العوائد كلها تضعف هذه الرواية.
- لكن هذا لا يعني أن تزامن الإجراءات بلا دلالة.
- ما تكشفه أحداث سبتمبر هو منظومة بُنيت تحديدًا كي تسمح للتشديد بأن يحدث في المكان الذي يريده الفيدرالي وتحديدًا من خلال سعر الفائدة، لا عبر انفجار غير مخطط له في تكلفة الريبو أو عجز المتعاملين عن تداول سندات الخزانة.
- هذه ربما أهم نتيجة تركتها أزمة 2019، فقبل سبع سنوات، عرف الفيدرالي أن الاحتياطيات أصبحت قليلة بعدما أخبره السوق بذلك بعنف، أما اليوم، فهو يحاول قراءة المؤشرات قبل أن تصل إلى النقطة نفسها.
- يعرف البنك المركزي الأمريكي سعر النقود الذي يريده بدقة، لكنه لا يعرف بالدقة نفسها الكمية الدنيا من السيولة التي يحتاجها النظام كي يستمر في العمل.
- هنا تكمن المفارقة، فأصعب جزء في تشديد السياسة النقدية لم يعد دائمًا تحديد مقدار رفع الفائدة، بل معرفة كمية المال التي يجب أن تظل تجري في شرايين النظام حتى يستطيع الفيدرالي رفعها أصلًا.
Loading ads...
المصادر: أرقام- الاحتياطي الفيدرالي- وزارة الخزانة- الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك- الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند- بلومبرج- رويترز- بنك التسويات الدولية
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





