5 أشهر
المجلس الأطلسي: الأموال المصادَرة من نظام الأسد يجب أن تذهب لضحايا سوريا
الجمعة، 12 ديسمبر 2025
نشر المجلس الأطلسي (The Atlantic Council) مادة تحليلية تتناول مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024، معتبرًا أنها تمثّل فرصة تاريخية نادرة لمعالجة ملف الضحايا والناجين في سوريا، في ظل احتياجات إنسانية وحقوقية ما تزال هائلة بعد عقود من القمع والنزاع.
وتشير المادة إلى أن مئات ملايين الدولارات التي صادرتها دول غربية خلال ملاحقات قانونية مرتبطة بسوريا، لم تُوجَّه إلى الضحايا، بل أُودِعت في خزائن تلك الدول، رغم الحاجة الملحّة لدعم المعتقلين المحررين وأهالي المفقودين وضحايا التعذيب والانتهاكات الجسيمة.
وفي هذا السياق، يقترح المجلس الأطلسي إنشاء صندوق دولي لضحايا سوريا، يُعاد من خلاله تخصيص الأموال المصادَرة لدعم الرعاية الطبية والنفسية والاجتماعية، مؤكدًا أن العام الأول بعد سقوط النظام يشكّل نافذة حاسمة لا يجب تفويتها لمعالجة إرث الانتهاكات وبناء أسس التعافي والعدالة الانتقالية.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
خلق سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في كانون الأول 2024 فرصة لن تتكرر لأجيال أمام الضحايا الذين قضوا على يد كل أطراف النزاع، وهذا لا يتصل فقط بالمحاسبة على انتهاكات حقوق الإنسان والعمل على تطبيقها بصورة أسهل، بل يتعلق أيضاً بتقديم مساعدة أكبر لكل من عانوا من حيف جائر. وفي وقت ماتزال الحكومة الانتقالية تعمل على الخروج بخطة عدالة انتقالية شاملة، أضحى الضحايا والناجون بحاجة لدعم فوري.
أمام المنظمات الدولية والدول وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي وغيرهم، دور مهم ليلعبوه في عمليات إعادة الإعمار والتعافي بسوريا، وهذه العمليات تشمل آلاف السوريين الذين عانوا من الاعتقال والتعذيب والانتهاكات، غير أن الدول قدمت استجابتها للنزاع منذ بدايته في عام 2011 وذلك عبر اعتماد إجراءات قانونية فيما يتصل بانتهاكات القانون الدولي التي كانت تحدث في سوريا، وشملت تلك الإجراءات ملاحقة الشركات على دعمها المادي للتنظيمات الإرهابية في سوريا وفرض غرامات على أي تجاوز للعقوبات التي فرضت على سوريا رداً على النزاع الذي قام فيها. ومن خلال تلك التسويات والأحكام القضائية، جمعت الدول أو صادرت مبالغ طائلة، كان منها مبلغاً تجاوز 600 مليون دولار في إحدى المرات. وفي وقت ماتزال الأضرار المستمرة التي عانى منها السوريون تؤكد على أهمية تلك القضايا، نرى الدول عموماً توجه تلك الأموال التي استرجعتها إلى خزائنها، حتى في وقت مايزال السوريون بأمس الحاجة للمساعدات الدولية ليتجاوزوا ما خلّفه عقد ونيف من النزاع.
لاحت أمام الدول فرص كثيرة لتخصص تلك الأموال للضحايا والناجين في سوريا، إلا أن القيام بذلك كان صعباً للغاية أيام سيطرة نظام الأسد على مساحات شاسعة من سوريا، أما الآن، وبعد أن رسخت الدول علاقاتها بالحكومة الانتقالية في دمشق، صار لزاماً عليها أن تخصص من جديد الأموال التي حصّلتها كغرامات للضحايا المعنيين الذين تضرروا بصورة مباشرة، وينبغي تسهيل هذا الدعم من خلال صندوق لضحايا سوريا يمارس أعماله بالتنسيق بين حكومات دول عديدة، ويمثل هذا الصندوق آلية تعتمدها الدول لتحويل الأموال المرتبطة بسوريا والتي جرى تحصيلها عبر أحكام قضائية في قضايا مالية، إلى جهة مركزية بهدف تحسين الدعم المخصص لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا. ولهذا انبرى مشروع التقاضي الاستراتيجي ومجموعة العمل التي تضم ممثلين عن المجتمع المدني السوري لمناصرة عملية إنشاء هذا الصندوق خلال السنين الماضية.
ماتزال الاحتياجات ملحّة في سوريا
بالنسبة لضحايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والناجين منها ومن غيرها من انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، شكّل سقوط نظام الأسد لحظة فارقة في تاريخ سوريا ونهاية للقمع الذي فرضته الدولة على مدار ثلاثة وخمسين عاماً، كما جاء ذلك حاملاً معه فرصاً مهمة، على رأسها قدرة أكبر للمنظمات الدولية والمراقبين على الوصول لمن يحتاج إلى المساعدة في المناطق التي كان من الصعب في السابق الوصول إليها في سوريا. وقد بدأ المدافعون عن حقوق الإنسان والعاملون في المجال الإنساني سواء في الداخل أو في الخارج بإدارة المساعدات القانونية والطبية التي تصل إلى الضحايا والناجين والناجيات الذين كانوا يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام البائد، كما شرع المحققون بإعداد قوائم بمواقع السجن السابقة إلى جانب فتح القبور الجماعية للتعرف على الجثث التي تستخرج منها، وتساعد سجلات النظام البائد في التعرف على مصير المفقودين أيضاً.
غير أن البلد مايزال يواجه احتياجات صعبة في كل القطاعات حتى يتعافى من عقود طويلة عاشها البلد في نزاع وقمع، ولذلك تحركت الدول والمنظمات الدولية والمجتمع الدولي على جناح السرعة لدعم سوريا بعد سقوط الأسد، وشمل ذلك رفع العقوبات وتقديم الملايين من الدولارات على شكل مساعدات، إلا أن تقديم المساعدات على مدار سنة واحدة لن يغطي ما عانته البلد من ظلم وحيف وأذى طوال عقود، وخاصة في ظل تخفيض الولايات المتحدة لمساعداتها الخارجية. إذ بينما يواجه معظم السوريين في عموم البلد الاحتياجات الإنسانية نفسها، مثل عدم توفر الدعم الطبي أو القانوني أو التعليمي، وخطر الذخائر غير المنفجرة، فضلاً عن الحاجة إلى وجود خطة عامة لإعادة الإعمار في كثير من المناطق التي دمرها النزاع، تواجه مجتمعات الضحايا والناجين في مختلف أنحاء سوريا تحديات فريدة من نوعها.
وهنالك آلاف من معتقلي النظام (الذين اعتقل معظمهم بشكل عشوائي فتعرضوا للتعذيب وغيره من الانتهاكات) والذين جرى تحريرهم من سجون النظام الهمجي، مثل سجن صيدنايا الذي يعرف بالمسلخ البشري، وقد أصبح هؤلاء بحاجة لمساعدات ليبنوا حياتهم من جديد، وهؤلاء المعتقلين المحررين وغيرهم من الناجين من بين آلاف المعتقلين من السوريين خضعوا لتجربة الاعتقال في سجون النظام كما تعرضوا للتعذيب وغيره من الانتهاكات، فصاروا بحاجة اليوم لرعاية طبية خاصة. كما أن الناجين وأهالي أكثر من 500 ألف سوري وسورية يعتقد أنهم قضوا في تلك السجون وأكثر من 100 ألف سوري وسورية يعتقد أنهم تعرضوا للإخفاء القسري، أضحوا بحاجة لمساعدات خاصة نفسية واجتماعية وقانونية وغيرها من المساعدات ذات الصلة.
فرص لجمع الأموال
في أثناء تقدم قوات هيئة تحرير الشام نحو العاصمة دمشق في كانون الأول 2024 خلال عمليتهم العسكرية الخاطفة التي أطلقوها في عموم البلد، فر المديرون الماليون ورؤساء فروع الأمن في الدولة والأسد نفسه من سوريا زرافات وقطعاناً، وقد حمل معظمهم متعلقاتهم الثمينة وثرواتهم المنقولة معهم إلى خارج سوريا أو هرّبوها إلى دول سمحت لهم فيها سلطاتها القضائية بأن يخبئوا ثرواتهم وذلك قبل أن يسقط الأسد، ولذلك يتعين على المحققين أن يتعقبوا خيط أي دليل خلفوه وراءهم للتعرف على نوع تلك الثروات الخاصة وللعمل على استرجاعها.
تحدث خبراء كالخبراء الذين يعملون لدى شركة آلاكو للاستخبارات بأن لديهم اعتقاد راسخ بأن ثروة عائلة الأسد وأعوانه والتي جمعوا معظمها من خلال تجارة المخدرات، والفساد، والتلاعب بالأسواق، وصلت إلى ملاذات ضريبية خارج البلد. كما فر كثير من مسؤولي الحكومة والجيش ورجال الأعمال السوريين ممن ربطتهم علاقات بالنظام البائد إلى روسيا هرباً من قوات الثوار، في حين اختفى غيرهم بكل بساطة مع ملايين الدولارات التي جمعوها من خلال الفساد وغسل الأموال. هذا وقد تمكن صحفيون استقصائيون من فاينانشال تايمز من استرجاع كنوز من الوثائق والمعلومات الاستخباراتية التي لا تتعلق فحسب بسنوات جُمعت خلالها الثروات بطرق غير مشروعة وعبر تمويل انتهاكات حقوق الإنسان، بل أيضاً تتصل بالمكان الذي يرجح أن الأسد وأعوانه هرّبوا أموالهم التي اكتسبوها بطرق غير مشروعة إليه في أثناء هروبهم.
وبحسب تقرير نشرته رويترز، فإن الأسد عند اقتراب قوات المعارضة من دمشق ومحاصرتها لها من كل الأطراف، نقل جزءاً كبيراً من ثروته إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، شمل مبلغاً لا يقل عن خمسين ألف دولار نقداً، فضلاً عن وثائق وحواسيب محمولة وأعمال فنية. وذكرت رويترز بأن تلك الأصول التي نقلت إلى الإمارات تضم سجلات مالية، وعقارات وشراكات ومعلومات عن تحويلات نقدية وشركات خارجية وحسابات بنكية.
كشفت الوثائق والمعلومات الاستخباراتية التي أماطت قوات هيئة تحرير الشام اللثام عنها بعد سقوط النظام عن قيام صفقات غير معروفة في السابق بين رجال أعمال سوريين بارزين والدولة السورية، وقد شملت تلك الصفقات ملايين الدولارات التي أُغدقت على الفرقة الرابعة سيئة الصيت في الجيش العربي السوري، والمشهورة بانتهاكاتها الشديدة لحقوق الإنسان وسرقاتها التي قامت بها بحق المدنيين السوريين خلال الحرب.
لذا يتعين على الدول اليوم أن تخصص موارد للتعرف على الأصول والثروات التي جمعت بطرق غير مشروعة والتي سمحت سلطاتها القضائية بوصولها إلى أراضيها، مع السعي لمتابعة الأمر عبر عمليات قانونية تعمل على مصادرة تلك الأموال، وإعادة توجيهها لتمويل صندوق ضحايا سوريا، لأن القيام بذلك يمنع العناصر الفاعلة في الجهات الخاصة من التربح من تلك الجرائم ويساعدها على إقامة ممر سهل ودائم أمام الدول لتدعم الضحايا والناجين في سوريا.
مع نقل تلك الثروات إلى دول استبدادية مثل روسيا، بات من الصعب استرجاعها، ولذلك يجب على المحققين الدوليين أن يخصصوا موارد لتحليل المعلومات التي جرى الكشف عنها مؤخراً إلى جانب استعادة تلك الثروات غير المشروعة من الدول التي تعتمد قوانين تسمح باستعادتها، فقد نجحت فرق قانونية في السابق في فرض تجميد على هذا النوع من الثروات بسبب سوء سلوك عائلة الأسد في سوريا، وهذا ما جرى مثلاً عند مصادرة محكمة إسبانية لأصول رفعت الأسد، عم بشار، في عام 2017.
ضرورة إنشاء صندوق لضحايا سوريا
تعمل الحكومة المؤقتة السورية على الخروج بخطة تقودها الدولة بالنسبة للعدالة الانتقالية وذلك من خلال اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية للمفقودين اللتين شكلتهما منذ فترة قريبة، وقد حظي خبر تشكيلهما بترحاب بالغ، ولذلك يجب على الحكومة المؤقتة أن تواصل بذل الجهد في سياق التعاون مع المجتمع المدني السوري، ومع الضحايا والناجين، وغيرهم، وذلك من أجل الخروج بخطة شاملة تمثل الجميع، غير أن الاحتياجات العاجلة لمجتمعات الضحايا في سوريا تفرض وجود استجابة فورية، ولهذا يمكن لصندوق ضحايا سوريا ملء هذا الفراغ.
حري بالذكر هنا أن هذا الصندوق لا يمكن أن يحل محل عمليات جبر الضرر التي تتم من خلال العدالة الانتقالية، لأن عمليات جبر الضرر التي تمت في دول أخرى شهدت نزاعات وعلى رأسها كولومبيا وغامبيا وغواتيمالا، كان هدفها رد كرامة الضحايا، والاعتراف بالأضرار التي لحقت بهم، ومساعدتهم على بناء حياتهم من جديد، ولذلك لا يمكن لبرامج جبر الضرر أن تستمر وأن تعوض الضحايا وترمم ما فقدوه، إلا بمشاركة الناجين والجهات المتضررة التي يجب عليها أن تدلي بدلوها في هذا المضمار.
وبناء على ذلك، يمكن لصندوق ضحايا سوريا أن يتعلم من النماذج السابقة كيفية إعادة تخصيص الأموال المصادرة ورصدها لغايات أخرى، تماماً كما فعلت مؤسسة BOTA بكازاخستان على سبيل المثال، وبذلك يمكن لهذا الصندوق إعادة رصد المبالغ التي تعود ملكيتها من الناحية الأخلاقية للضحايا والناجين السوريين، وهذا يعني مصادرة تلك الأموال بطرق قانونية بناء على انتهاكات جسيمة للقانون الدولي في سوريا، ومن ثم اتخاذ تدابير لجبر ضرر الضحايا بصورة مؤقتة، أي تزويد الناجين بالموارد التي يحتاجونها ليتمكنوا من طلب الرعاية التي يريدونها أو يحتاجون إليها، كما أن الجهود التي يبذلها القائمون على هذا الصندوق، مثل التعاون مع مجتمعات الضحايا ومعرفة احتياجاتهم، يمكن أن تسهم أيضاً في تحقيق العدالة الانتقالية، وذلك من خلال إجراء مسح للانتهاكات وإنشاء سجلات خاصة بالضحايا على سبيل المثال.
إن إنشاء صندوق خاص بالضحايا في سوريا يمكن أن يسهل عمليات التعويض والتعافي بالنسبة للضحايا بعد مرور سنة كاملة على سقوط نظام الأسد، ولهذا يجب على الدول ألا تضيع هذه الفرصة.
Loading ads...
المصدر: The Atlantic Council(link is external)
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



