ساعة واحدة
نيويورك تايمز: هكذا يفكك ترمب منظومة البحث العلمي في أمريكا
السبت، 31 أكتوبر 2026
لم تعد الضغوط التي تواجهها المؤسسات العلمية الأمريكية تقتصر على تقليص التمويل أو إلغاء المنح، بل امتدت إلى الكوادر والاستقلال الأكاديمي وآليات اتخاذ القرار، بما يهدد موقع الولايات المتحدة في سباق التفوق العلمي والتكنولوجي العالمي.
تقول صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إن إدارة الرئيس دونالد ترمب تضع منظومة البحث العلمي الأمريكية تحت ضغوط غير مسبوقة، محذرة من أن السياسات الحكومية قد تقوّض التفوق الأمريكي في مجالات الدفاع والطب والتكنولوجيا، بحسب الصحيفة، في وقت تقترب فيه الصين من منافستها على قيادة البحث العلمي العالمي.
وفي تحقيق معمق أعده فريق من 7 صحفيين، تشير الصحيفة إلى أن حجم الإنفاق الفدرالي على البحث العلمي لا يزال يقارب 200 مليار دولار سنويا في عام 2026، لكن استمرار الإنفاق لا يعكس حقيقة ما يجري داخل المؤسسات البحثية، التي تعاني نقص الموظفين وتعطيل المنح وتزايد التدخل السياسي في تحديد أولوياتها.
وتحدد الصحيفة 3 محاور رئيسية لسياسات الإدارة:
وتظهر آثار هذه السياسات في تراجع أعداد العلماء والباحثين داخل مؤسسات حكومية رئيسية. فقد فقدت وزارة الطاقة أكثر من ألف عالم وموظف فني، وتقلص عدد العاملين في المعاهد الوطنية للصحة بنحو الخُمس، وفي المؤسسة الوطنية للعلوم بنحو الثلث.
كما فقدت وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" نحو 20% من موظفيها الحاصلين على الدكتوراه، بينهم كبيرة علمائها كاثرين كالفن، التي ألغت الإدارة منصبها.
ولم تقتصر التداعيات على الوظائف، بل طالت التمويل البحثي نفسه. فقد حجبت المؤسسة الوطنية للعلوم أكثر من مليار دولار من الأموال التي خصصها الكونغرس للأبحاث، بينما أرجأت المعاهد الوطنية للصحة أو ألغت أكثر من ألفي منحة لمشروعات طبية تتناول أمراضا مثل ألزهايمر والسرطان وغيرهما.
وتورد الصحيفة مثال عالمة الأعصاب آن كوهين، من جامعة بيتسبرغ، التي كانت تقود دراسة تمتد 5 سنوات لفهم تأثير الضغوط والمشكلات الصحية في مراحل مبكرة من العمر على احتمالات الإصابة بألزهايمر.
وكان فريقها يجمع بيانات من سكان المناطق الريفية في غرب بنسلفانيا ومن مجتمعات السود في بيتسبرغ، بهدف الوصول إلى نتائج أكثر تمثيلا لمختلف الفئات السكانية. لكن المعاهد الوطنية للصحة أوقفت المنحة في أغسطس/آب الماضي، بحجة أن المشروع يركز على العنصرية البنيوية، وهو توصيف قالت كوهين إنه لا يعكس طبيعة البحث.
وتشير الصحيفة كذلك إلى إلغاء منحة لمشروع في جامعة جورج ميسون كان يهدف إلى تشجيع الطلاب الأمريكيين على العمل في مجال تكنولوجيا الكم، بعدما تضمن طلب التمويل إشارات إلى الطلاب من خلفيات متنوعة.
وترى الإدارة أن إدماج مفاهيم التنوع والمساواة والشمول في الأبحاث أسهم في تسييس العلم، وأن الباحثين الذين تبنوا هذه المقاربة يتحملون مسؤولية فقدان التمويل.
جراء سياسات إدارة ترمب فقدت وزارة الطاقة أكثر من ألف عالم وموظف فني، وتقلص عدد العاملين في المعاهد الوطنية للصحة بنحو الخُمس، وفي المؤسسة الوطنية للعلوم بنحو الثلث. كما فقدت وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا " نحو 20% من موظفيها الحاصلين على الدكتوراه
أما الجامعات، فقد وجدت نفسها أمام معضلة بين مواجهة الإدارة والتكيف مع مطالبها خشية خسارة التمويل. وبينما لجأت جامعات مثل هارفارد إلى القضاء، اختارت مؤسسات أخرى التفاوض، فيما بدأ باحثون في تعديل لغة مقترحاتهم وتقليص نطاق مشروعاتهم لتجنب إثارة اعتراضات سياسية.
وتقول دوروتا غراينر برزينسكا، نائبة رئيس جامعة ويسكونسن ماديسون لشؤون البحث، إن التغييرات المستمرة تجعل التخطيط طويل الأمد أمرا بالغ الصعوبة، رغم أن البحث العلمي بطبيعته نشاط يحتاج إلى سنوات من الاستقرار.
وقد أعادت المحاكم وبعض التسويات مليارات الدولارات إلى الجامعات، لكن فترات التوقف وتبدل الأولويات تسببت في تأخير تجارب ومشروعات أو تعطيلها.
وتلفت "نيويورك تايمز" إلى أن الضرر امتد حتى إلى المؤسسات التي تعمل في مجالات تعلن إدارة ترمب أنها من أولوياتها، وفي مقدمتها الدفاع والطاقة النووية والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية.
فقد حذّر تقرير لوزارة الدفاع من أن مختبراتها البحثية فقدت نحو 14% من موظفيها، وأن صعوبة تعويض الكفاءات المغادرة قد تؤدي إلى تعطيل أبحاث دفاعية مهمة.
وخلص التقرير إلى أن محرك الابتكار داخل الوزارة معرض للتوقف ما لم يجر التراجع عن هذه السياسات بسرعة واستمرار.
وفي مثال آخر، ألغت البحرية الأمريكية تمويلا لمشروع في معهد جورجيا للتكنولوجيا كان يطور اختبارات تساعد على اختيار مراقبي الحركة الجوية والطيارين وغيرهم من العاملين في الوظائف العسكرية المعقدة.
وكان الباحث راندال إنغل قد توصل إلى أن الاختبارات الجديدة تستطيع تحديد الأشخاص الأكثر قدرة على النجاح في هذه الوظائف، لكن المشروع توقف رغم عدم ارتباطه بقضايا التنوع أو السياسات الأيديولوجية.
وتبرز المفارقة أيضا في وزارة الطاقة، التي تشرف على مبادرة "جينيسيس" التي أطلقها ترمب لتسريع الاكتشافات العلمية باستخدام الذكاء الاصطناعي، بينما فقدت الوزارة نحو ربع موظفيها منذ عودته إلى البيت الأبيض، وتراجع تمويل مكتبيها الرئيسيين للعلوم بأكثر من الربع خلال السنة الأولى من ولايته الثانية، بانخفاض تجاوز نصف مليار دولار.
ولا تقف المخاوف عند حدود المؤسسات الأمريكية. فالصين تضيق الفجوة مع الولايات المتحدة في عدد من مؤشرات التفوق البحثي، بما فيها تصنيفات الجامعات وتأثير الأبحاث المقاس بالاستشهادات العلمية، بينما بدأت دول أخرى استغلال حالة الاضطراب لاستقطاب العلماء الأمريكيين والأجانب.
وأعلنت أستراليا برنامجا لجذب المواهب العالمية، وخصصت كندا أكثر من مليار دولار لاستقطاب ألف باحث دولي. كما نجحت الصين في استقطاب عالم حائز جائزة نوبل في الكيمياء من جامعة كاليفورنيا في بيركلي لقيادة معهد في بكين يوظف الذكاء الاصطناعي في اكتشاف مواد جديدة.
وتحذر الصحيفة من أن تداعيات تقويض البحث الأساسي قد لا تظهر فورا، لأن الاكتشافات العلمية تحتاج غالبا إلى عقود قبل أن تتحول إلى تقنيات وعلاجات ومنتجات تغير حياة الناس.
فالأبحاث الفدرالية التي بدأت في أواخر أربعينيات القرن الماضي أسهمت في تطوير الساعات الذرية التي مهدت لنظام تحديد المواقع العالمي، كما قادت اكتشافات في السبعينيات إلى تطوير أدوية منقذة للحياة لعلاج السرطان.
في المقابل، ترفض إدارة ترمب هذه الانتقادات، وتقول إن الرئيس يقود "عصرا ذهبيا جديدا" للعلم الأمريكي عبر تحديث المؤسسات وتوجيه التمويل نحو الأبحاث الأكثر جدوى، وتعزيز دور القطاع الخاص والذكاء الاصطناعي.
كما تؤكد أن كثيرا من الموظفين غادروا وظائفهم طوعا، وأن الجامعات نفسها اتخذت قرارات خفض قبول طلاب الدكتوراه بسبب ظروف التمويل.
لكن الرئيسة السابقة للأكاديمية الوطنية للعلوم مارسيا ماكنوت، تحذر من أن تراجع القدرة العلمية لا يمكن إصلاحه بسهولة بعد ظهور نتائجه. وتقول إن العلم "لعبة طويلة الأمد"، وإن الولايات المتحدة قد تدرك خسارتها حين يصبح استعادة موقعها أمرا متعذرا.
وتخلص الصحيفة إلى أن الخطر لا يكمن فقط في تراجع عدد العلماء أو الأموال المخصصة للأبحاث، بل في إضعاف منظومة متكاملة قامت على الاستقرار والاستقلال العلمي والشراكة بين الحكومة والجامعات.
Loading ads...
وهذه المنظومة صنعت كثيرا من عناصر القوة الأمريكية، لكن استمرار إخضاعها للحسابات السياسية قد يمنح المنافسين، وفي مقدمتهم الصين، فرصة لانتزاع موقع الريادة العلمية من واشنطن.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




