ساعة واحدة
من هيروشيما إلى دمشق.. أي التجارب الدولية تناسب إعادة إعمار سوريا؟
الأحد، 5 يوليو 2026
أعادت زيارة وفد حكومي سوري إلى مدينة هيروشيما اليابانية تسليط الضوء على ملف إعادة الإعمار، في وقت تواجه فيه سوريا تحديات كبيرة لإعادة تأهيل ما دمرته سنوات الحرب. وجاءت الزيارة في إطار الاطلاع على التجربة اليابانية في التعافي بعد الدمار، والاستفادة من الخبرات المتعلقة بالتخطيط العمراني وإدارة مرحلة ما بعد الكوارث، في ظل سعي الحكومة إلى الاستفادة من التجارب الدولية التي نجحت في تجاوز آثار الحروب والأزمات.
ولا تعد تجربة هيروشيما الوحيدة المطروحة أمام سوريا، إذ شهد العالم خلال العقود الماضية نماذج مختلفة لإعادة الإعمار، حقق بعضها نجاحاً لافتاً، بينما واجه بعضها الآخر تعثرات بسبب عوامل سياسية أو اقتصادية أو إدارية.
وبينما تختلف ظروف كل دولة عن الأخرى، يرى باحثون أن هذه التجارب توفر دروساً يمكن الاستفادة منها في بناء رؤية سورية تراعي خصوصية الواقع المحلي، بعيداً عن استنساخ أي نموذج بشكل كامل.
يرى المختص في الحوكمة وإعادة الإعمار، المهندس سلطان بكاريه، أن التحدي الأكبر الذي يواجه سوريا اليوم لا يتمثل في نقص التجارب الدولية، بل في غياب رؤية وطنية متكاملة تقود عملية إعادة الإعمار.
ويشير بكاريه في حديثه لتلفزيون سوريا إلى أن ما يجري حالياً يقتصر في معظمه على عمليات ترميم أو إعادة بناء محدودة، في حين لا تزال البلاد بحاجة إلى خطة شاملة تحدد الأولويات، وتنسق بين المؤسسات المختلفة، وتضع إطاراً قانونياً وإدارياً واضحاً لإدارة هذا الملف.
ويحذر بكاريه من أن استمرار البناء بصورة متفرقة أو عشوائية قد يخلق مشكلات تنظيمية يصعب معالجتها مستقبلاً، ولا سيما في المدن التي تعرضت لدمار واسع. مشدداً على أن الحاجة باتت ملحة لإنشاء هيئة وطنية تتولى الإشراف على إعادة الإعمار، وتنسق بين الوزارات والإدارات المحلية والجهات المانحة، بما يضمن توحيد القرارات وتوجيه الموارد نحو الأولويات الأكثر إلحاحاً.
ويؤكد أن نجاح أي خطة لإعادة الإعمار يبدأ بتحديد احتياجات المواطنين الأساسية، مثل السكن الآمن، وإعادة الخدمات الأساسية، وحماية حقوق الملكية، قبل الانتقال إلى المشروعات الكبرى. فإعادة الإعمار، بحسب رأيه، لا تقاس بحجم الأبنية الجديدة، وإنما بقدرتها على تحسين حياة السكان وإعادة تنظيم المدن بصورة تمنع تكرار المشكلات العمرانية مستقبلاً.
ويعتقد بكاريه أن التجربة اليابانية تمثل أحد النماذج المهمة التي يمكن الاستفادة منها، ولا سيما في مجال التخطيط الحضري وإدارة المدن بعد الكوارث، إلا أنه يشدد على أن سوريا لا تحتاج إلى نسخ تجربة بعينها، بل إلى بناء نموذج خاص بها يجمع بين عناصر النجاح في أكثر من تجربة دولية.
فإلى جانب هيروشيما، يشير بكاريه إلى إمكانية الاستفادة من التجربة الألمانية في إعادة البناء بعد الحرب العالمية الثانية، ومن تجربة البوسنة في معالجة ملفات الملكية العقارية التي تعد من أكثر الملفات تعقيداً بعد النزاعات، إضافة إلى تجارب أخرى في إزالة الأنقاض، وتشغيل اليد العاملة ضمن برامج التعافي، وإعادة تأهيل البنى الخدمية.
ويضيف أن نجاح هذه التجارب لم يكن نتيجة توافر التمويل فقط، وإنما اعتمد على وضوح القوانين، ووجود مؤسسات قادرة على تنفيذ الخطط، وترتيب الأولويات وفق احتياجات السكان. ولذلك فإن نقل أي تجربة إلى سوريا يجب أن يراعي اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية، بحيث يتم اختيار العناصر التي أثبتت نجاحها، وتكييفها مع الواقع السوري بدلاً من استنساخها بصورة كاملة.
في المقابل، يرى الباحث في الشأن السياسي محمد زكوان كوكا أن الحديث عن إعادة الإعمار لا ينبغي أن يقتصر على إعادة تشييد الأبنية أو إصلاح البنية التحتية، لأن التجارب الدولية أثبتت أن نجاح هذه العملية يرتبط أولاً بقدرة الدولة على إعادة بناء مؤسساتها. ويوضح كوكا في حديثه لتلفزيون سوريا إلى أن سوريا ما تزال تمر بمرحلة التعافي، وهي مرحلة تسبق إعادة الإعمار الشاملة، وتتطلب استعادة فاعلية المؤسسات العامة، وتعزيز الأمن، وإعادة بناء البيئة القانونية والإدارية التي تنظم عمل الدولة.
ويؤكد كوكا أن الدول التي نجحت في تجاوز آثار الحروب لم تحقق ذلك بفضل التمويل وحده، وإنما بفضل وجود مؤسسات قوية قادرة على إدارة الموارد وتنفيذ الخطط ومراقبة الإنفاق.
ومن هذا المنطلق ينوه كوكا إلى أن بناء جهاز إداري كفء، وتطوير التشريعات، وتعزيز الحوكمة، تمثل متطلبات أساسية لتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، إذ إن المستثمر يبحث قبل كل شيء عن الاستقرار القانوني والإداري وضمانات حماية الاستثمارات.
ويضيف أن التعويل على القروض أو المساعدات الخارجية لا يمكن أن يشكل أساساً دائماً لإعادة الإعمار، لأن الدول والمؤسسات المانحة تتحرك وفق مصالحها، بينما يبقى الاستثمار المحلي والقطاع الخاص من أهم المحركات القادرة على دعم مرحلة التعافي.
ورغم اختلاف وجهات النظر حول الأولويات، يتفق الباحثان على أن التجارب الدولية تقدم لسوريا دروساً مهمة، سواء من النماذج التي حققت نجاحاً أو من تلك التي واجهت تعثراً. فاليابان وألمانيا ورواندا تمثل، من وجهة نظرهما، أمثلة على دول استطاعت تحويل الدمار إلى فرصة لإعادة بناء مؤسساتها واقتصاداتها، في حين تكشف تجارب أخرى، مثل العراق، عن تأثير الفساد وضعف المؤسسات والانقسامات السياسية في تعطيل مشاريع إعادة الإعمار، رغم توافر التمويل.
ويشدد كوكا على أن الاستثمار في الإنسان يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي خطة وطنية، عبر تطوير التعليم، والرعاية الصحية، والتدريب المهني، والاستفادة من التكنولوجيا والحوكمة الرقمية لتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.
وفي الوقت نفسه، يؤكد بكاريه أن إعادة الإعمار ينبغي أن تنطلق من احتياجات المواطنين الفعلية، مع الحفاظ على حقوق الملكية، وتنظيم عمليات البناء وفق مخططات مدروسة تمنع التوسع العشوائي وتضمن سلامة المنشآت وجودة البنية التحتية.
وتبرز من خلال هذه الرؤى قناعة مشتركة بأن إعادة الإعمار ليست مشروعاً هندسياً فحسب، بل عملية تنموية متكاملة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والمؤسسية. كما أن نجاحها لا يقاس بسرعة تنفيذ المشاريع أو حجم الأموال التي يتم إنفاقها، بل بقدرتها على إعادة بناء الدولة وتعزيز ثقة المواطنين وتهيئة بيئة مستقرة تشجع على الاستثمار والتنمية.
Loading ads...
وبينما تواصل سوريا البحث عن أفضل السبل للاستفادة من الخبرات الدولية، تبدو التجارب العالمية أقرب إلى مصادر للإلهام منها إلى نماذج جاهزة للتطبيق. فلكل دولة ظروفها الخاصة، وما نجح في بلد قد لا يصلح بالضرورة في بلد آخر. ويبقى التحدي الأساسي أمام سوريا هو تحويل تلك الخبرات إلى رؤية وطنية متكاملة، تستند إلى مؤسسات قوية، وتحدد أولويات واضحة، وتوازن بين إعادة بناء الإنسان والعمران، بما يضمن إطلاق مسار تعافٍ وإعمار قادر على الاستمرار وتحقيق التنمية على المدى الطويل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

