6 أشهر
تجربة السوريين في مصر.. كيف أنتجت الغربة مهارات جديدة لدى التجار؟
السبت، 29 نوفمبر 2025
طوال أكثر من عقد من الزمن، كانت مصر محطة محورية في مسيرة مئات الآلاف من السوريين الذين غادروا وطنهم هربا من الحرب بحثا عن الأمان والاستقرار. لم تكن مصر بالنسبة إليهم مجرد بلد مضيف، بل مساحة واسعة للتجربة، وإعادة بناء الذات، والانخراط في سوق اقتصادي واجتماعي نابض بالحياة، وعلى مدى سنوات الإقامة، اكتسب السوريون مهارات جديدة، وتعرفوا إلى أنماط مختلفة من العمل وريادة الأعمال، واحتكوا بثقافة شعبية متفاعلة تقوم على الابتكار اليومي ومواجهة التحديات.
ومع تغير الظروف في المنطقة، وبدء عدد من السوريين العودة إلى بلدهم، أو حتى التفكير بالعودة، يظهر جيل جديد من العائدين ليسوا كما خرجوا، يعودون محملين بمشاريع صغيرة وكبيرة، بأفكار لم تكن ممكنة سابقا، وبمنظور أكثر نضجا للواقع الاقتصادي والاجتماعي. يعودون إلى سوريا ليس فقط ليستقروا، بل ليعيدوا بناء ما تبقى من مدنهم ومجتمعاتهم، حاملين معهم خبرات وتجارب اكتسبوها من مصر التي شكلت مختبرا عمليا لنجاحهم وصقل هوياتهم المهنية.
من اللجوء إلى الإنتاج: ولادة جيل من الرياديين
حين وصل السوريون إلى مصر بين عامي 2012و 2016، حمل معظمهم هموم اللجوء، البحث عن مسكن، وتأمين مصدر رزق، وبدء حياة جديدة في بيئة مختلفة، لكن السوق المصري كان شديد الحيوية، ما أتاح للكثيرين دخول عالم ريادة الأعمال بسرعة.
ظهرت عشرات المطاعم السورية وشركات الحلويات، إلى جانب ورش الملابس، ومحلات العطور، وحتى خطوط الإنتاج الصغيرة والكبيرة في مناطق مثل العبور وجسر السويس والعاشر من رمضان.
هذه التجربة العملية أثمرت جيلا من السوريين الذين اعتادوا إدراة الأعمال في بيئة تنافسية، وتعلموا كيف يخططون ماليا، وكيف يتعاملون مع الزبائن من خلفيات مختلفة، ومع مرور الوقت، اكتسب كثيرون منهم عقلية مختلفة عما كانت عليه قبل الحرب، عقلية قائمة على التنظيم، إدارة الوقت، التسويق واستثمار كل فرصة مهما كانت صغيرة.
رؤية اقتصادية مختلفة
واحدة من أهم التحولات التي يرويها السوريون العائدون هي تغير نظرتهم للسوق المحلي في سوريا، فبعد سنوات من العمل في مصر، أصبحوا يدركون أهمية تنويع مصادر الدخل، وضرورة التسويق الذكي، وعدم الاعتماد على أساليب التجارة التقليدية التي كانت سائدة قبل الحرب.
في مصر، تعلم كثيرون كيف يصنعون علامة تجارية، وكيف ينشئون صفحات تواصصل اجتماعي ناجحة، وكيف يحولون مشروعا صغيرا – حتى لو بدأ من شقة أو متجر بسيط- إلى مشروع مربح وواسع الجمهور.
لهذا حين يفكرون بالعودة، يفكرون بمشاريع تعتمد على الإنتاج المحلي منخفض التكلفة، والتصنيع حسب الطلب، والتجارة الإلكترونية، والتسويق عبر السوشيال ميديا، والمشاريع العائلية طويلة الأمد.
يقول جمال الأحمد، سوري وصاحب مصنع ملابس يفكر بالعودة إلى سوريا، نقلت عملي وخبراتي إلى مصر عام 2013، ولكن مصر أضافت لي الكثير، طريقة العمل و الالتزام بمزاعيد التسليم، بالإضافة إلى التجارة الإلكترونية، علمتنا الكثير، اليوم نعود إلى بلادنا بأفكار جديدة وطموح أكبر.
عودة السوريين اليوم ليست مجرد عودة إلى البيت، إنها عودة إلى بيئة يرون فيها إمكانيات اقتصادية لم تكن واضحة قبل تجربتهم في مصر.
إعادة تشكيل الهوية المهنية والشخصية
في مصر، عاش السوريون تجربة اجتماعية وإنسانية مختلفة، فالاحتكاك اليومي مع المصريين، ومع سوريين آخرين من بيئات متنوعة، خلق حالة من الانفتاح الثقافي.
اكتسب العائدون نظرة أكثر مرونة وتقبلا للآخر، وتعلموا أن النجاح ليس حكرا على أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، وأن الإصرار والمثابرة قادران على تغيير كل شيء.
يقول رامي خليل، أحد العائدين من القاهرة، تعلمت في مصر أن السوق لا يرحم الكسل، لكنه أيضا يكافئ الموهبة، لم أعد أرى العمل مجرد واجب، بل مشروع حياة.
هذه الخبرات لم تؤثر في الجانب المهني فقط، بل في الجانب الاجتماعي أيضا، فقد أصبح العائدون أكثر قدرة على العمل ضمن فريق، وعلى التواصل مع الزبائن، وعلى بناء شبكات علاقات واسعة.
مشاريع جديدة.. ولغة مختلفة في الإدارة
أبرز ما يميز السوريين الذين يعودون مصر اليوم، هو أنهم يعودون بمشاريع جاهزة أو شبه مكتملة، فبعضهم ينقل خبرته في المطاعم، وآخرون ينقلون مهاراتهم الصناعية، والبعض يحمل أفكار لمشاريع مختلفة تعلمها في مصر.
من الأمثلة الشائعة، مصانع صغيرة تعتمد على خبرة العمل في العاشر من رمضان وجسر السويس، مطاعم مأكولات سريعة تستخدم وصفات سورية ومصرية لخلق نكهة جديدة، مشاريع عائلية مثل محامص وغيرها، وتجارة عبر الإنترنت تعتمد على الشحن بين البلدين.
تأثير التجربة المصرية على رؤيتهم للوطن
التجربة في مصر جعلت كثيرين يدركون أن العودة ليست مجرد حلم أو حنين للماضي، لقد أدركوا أن سورية الحالية تحتاج إلى إعادة بناء اقتصادية وفكرية، وأن ما يحملونه من خبرة قد يساهم في هذه العملية.
Loading ads...
أصبح العائدون أكثر واقعية وهم يخططون لحياتهم في وطنهم، يفكرون في: تأمين الاستقرار المالي قبل أي شيء، التأقلم مع الوضع الاقتصادي، الموازنة بين الحنين والتحديات، والحفاظ على علاقاتهم الاقتصادية مع مصر كجسر تجاري بين السوقين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

