ساعة واحدة
قائمة الثلث الرئاسي في مجلس الشعب السوري.. انتقادات للتشكيلة وشعور بالإقصاء
الجمعة، 3 يوليو 2026
لم يكد يعلن عن قائمة "الثلث الرئاسي" لاستكمال تشكيل مجلس الشعب السوري، حتى بدأت موجة واسعة من النقاشات والانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط السياسية والمدنية، تجاوزت مجرد تقييم الأسماء إلى طرح أسئلة أعمق تتعلق بمعايير الاختيار، ومدى عدالة التمثيل الجغرافي والاجتماعي، وطبيعة الدور الذي ينتظر المجلس في المرحلة الانتقالية.
ورغم أن القائمة جاءت في إطار الصلاحيات الممنوحة لرئيس الجمهورية لاستكمال تشكيل المجلس، واعتبرها مؤيدون محاولة لمعالجة بعض الثغرات التي أفرزتها الانتخابات، خصوصاً فيما يتعلق بتمثيل المرأة والمكونات الاجتماعية وبعض المحافظات، فإن إعلانها فتح الباب أمام انتقادات من ناشطين وسياسيين وشخصيات محلية، رأوا أن عدداً من المناطق التي قدمت أثماناً كبيرة خلال الثورة بقيت خارج التمثيل، فيما ضمت التشكيلة شخصيات اعتبرها البعض أقرب إلى السلطة الحالية منها إلى المزاج الشعبي أو التعددية السياسية.
ويأتي هذا الجدل في لحظة ينظر إليها كثير من السوريين بوصفها محطة مفصلية في بناء مؤسسات الدولة بعد سقوط النظام المخلوع، الأمر الذي جعل أي قرار يتعلق بتشكيل المؤسسات الدستورية يخضع لتدقيق واسع، انطلاقاً من أن المجلس الجديد سيكون أول سلطة تشريعية تعمل في ظل المرحلة الانتقالية، وهو ما رفع سقف التوقعات بشأن معايير اختيار أعضائه وقدرتهم على تمثيل مختلف الشرائح والمناطق.
في مدينة حلب، يقول مصدر محلي لموقع تلفزيون سوريا إن حالة من خيبة الأمل سادت بين عدد من الشخصيات التي كانت تتوقع أن تكون ضمن القائمة، بعد أن تلقت، بحسب قوله، إشارات أو وعوداً غير مباشرة بإمكانية تعيينها، قبل أن تتفاجأ باستبعادها عند صدور الأسماء النهائية.
ويضيف المصدر أن كثيرين اعتبروا ما جرى "غدرة" بحقهم، لكنه يعلق بلهجة ساخرة قائلاً: "مثلما كنتم تقنعون الناس دائماً بأن الرئيس يعرف كيف يرتب الأولويات، فلا تستعجلوا بالاعتراض، فربما كانت هذه التعيينات أيضاً من الأولويات"، ويرى المصدر أن بعض الشخصيات التي دخلت المجلس قد لا يكون لديها مشروع سياسي أو تشريعي واضح، بقدر ما تنظر إلى العضوية بوصفها محطة أخيرة في حياتها العامة، تمنحها مكانة معنوية أو تحفظ لها "ماء الوجه"، قبل أن تغادر المشهد السياسي بهدوء، بعيداً عن أي مسؤوليات تنفيذية أو مساءلة حقيقية، وهنا يلمح المصدر إلى شخصيات كان لها دور في مؤسسات المعارضة العسكرية والسياسية سابقاً، لطالما اشتعل الجدل حولها.
وفي ريف دمشق، تشير الناشطة المدنية والمعتقلة السابقة سلمى سيف، خلال حديثها لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن المسؤولية الملقاة على عاتق أعضاء مجلس الشعب تتجاوز المكاسب الشخصية، معربة عن أملها في أن يكون وجودهم "شاهداً لهم لا شاهداً عليهم"، وأن يسهموا في تعزيز الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة، لكنها في الوقت ذاته تبدي ملاحظات تتعلق بآلية التمثيل المحلي، مستشهدة بمنطقة التل التي تضم أربع عشرة قرية، في حين يتركز التمثيل الإداري والبرلماني، بحسب قولها، في مدينة التل وحدها، رغم وجود كفاءات وشخصيات تستحق التمثيل في القرى الأخرى، معتبرة أن هذا النمط من الاختيار يرسخ شعوراً بالتهميش لدى شرائح واسعة من السكان.
كما تطرح سيف تساؤلات بشأن تعيين بعض أعضاء المجلس الذين يشغلون بالفعل مناصب حكومية أو إدارية أخرى، متسائلة عما إذا كانت القوانين النافذة تسمح بالجمع بين أكثر من وظيفة عامة في الوقت نفسه، في ظل الحديث المتكرر عن ضرورة توسيع قاعدة المشاركة وإتاحة الفرصة أمام كفاءات جديدة.
وتتكرر ملاحظات مشابهة في أكثر من محافظة، حيث يرى الناشط السياسي فيصل الحميدي أن مناطق الريف الشرقي لمحافظة حلب، وفي مقدمتها مسكنة ومنبج ودير حافر، خرجت من القائمة الجديدة من دون أي تمثيل، رغم أنها تضم، بحسب تقديراته، ما يقارب مليون نسمة، فضلاً عن كونها مناطق عشائرية قدمت أعداداً كبيرة من الضحايا خلال سنوات الثورة، وتضم شخصيات أكاديمية واجتماعية كان يمكن أن يكون لها حضور داخل المجلس.
ويقول الحميدي لموقع تلفزيون سوريا إن الريف الشرقي عانى التهميش خلال عهد النظام المخلوع، معرباً عن خشيته من استمرار هذا الواقع في المرحلة الجديدة، بما يكرس شعوراً لدى أبناء المنطقة بأن تضحياتهم لم تنعكس على مستوى المشاركة في مؤسسات الدولة.
وفي السياق ذاته، عبر مصدر محلي من مدينة مارع، شمالي حلب، عن استغرابه من غياب أي اسم من المدينة عن قائمة التعيينات، رغم مكانتها في الذاكرة الثورية السورية، ويقول المصدر إن مارع كانت من أوائل المدن التي خرجت في الحراك الشعبي عام 2011، وظلت طوال سنوات الثورة حرة، ولم تخضع لسيطرة تنظيم "داعش" أو قوات النظام المخلوع أو قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو غيرها من القوى التي حاولت دخولها وفشلت، كما ارتبط اسمها بالقائد عبد القادر الصالح (حجي مارع)، الذي قاد معارك مفصلية.
ويضيف أن المدينة دفعت أثماناً كبيرة في مواجهة تنظيم "داعش" و"قسد" وقوات النظام المخلوع، متسائلاً: "ألم يكن بين أبنائها من يستحق أن يمثلها في أول مجلس شعب بعد التحرير"، معتبراً أن غيابها عن القائمة عزز شعوراً لدى كثير من أبنائها بأن تاريخها وتضحياتها لم تنعكس على مستوى التمثيل السياسي.
ولا يختلف المشهد كثيراً في إدلب، إذ يرى مصدر محلي أن المدينة، التي شكلت خلال السنوات الماضية أحد أبرز معاقل الثورة السورية، واستقبلت مؤسسات الإدارة الجديدة في مراحل مختلفة، لم تحظ بأي تمثيل في قائمة التعيينات، رغم ما قدمه أبناؤها من تضحيات وما لعبته المدينة من دور سياسي وشعبي خلال سنوات الثورة السورية، ويقول المصدر إن كثيراً من أبناء إدلب كانوا ينتظرون أن يكون للمدينة حضور داخل المجلس الجديد، ليس من باب المحاصصة المناطقية، وإنما باعتبارها واحدة من المدن التي ارتبط اسمها بالثورة والصمود، معتبراً أن غيابها ترك انطباعاً لدى البعض بأن المدينة لم تنل ما يتناسب مع دورها في مسار الثورة السورية.
في المقابل، ترى الناشطة السياسية زين الملاذي، في حديثها لموقع تلفزيون سوريا، أن قراءة قائمة الثلث الرئاسي ينبغي ألا تقتصر على الأسماء الواردة فيها، بل يجب النظر إليها في سياق المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، معتبرة أن التشكيلة جاءت، على ما يبدو، لمعالجة بعض الثغرات التي أفرزتها نتائج الانتخابات، ولا سيما ما يتعلق بتمثيل المرأة، والمكونات الدينية، وبعض المحافظات التي كان حضورها محدوداً في النتائج الأولية.
وتشير الملاذي إلى أن القائمة تعكس تنوعاً جغرافياً واسعاً، إذ ضمت شخصيات من معظم المحافظات السورية، من دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية وإدلب، وصولاً إلى الجزيرة السورية ودير الزور والرقة والسويداء، في محاولة لإظهار مجلس يعكس الامتداد الوطني للدولة خلال المرحلة الانتقالية.
وتضيف أن التشكيلة شملت أيضاً شخصيات من خلفيات اجتماعية ومهنية متعددة، من أكاديميين وأطباء ومهندسين ووجهاء عشائر ورجال دين وناشطين، إلى جانب شخصيات تمثل المكونات المسيحية والدرزية والكردية، بما يعكس توجهاً لإبراز التنوع المجتمعي داخل المؤسسة التشريعية.
إلا أن الملاذي ترى أن الملاحظة السياسية الأهم لا تتعلق بهذا التنوع بحد ذاته، وإنما بطبيعة الشخصيات التي وقع عليها الاختيار، إذ إن معظم الأسماء، باستثناء عدد محدود من الشخصيات ذات الحضور المستقل، تنتمي إلى فئات شاركت بالفعل في مؤسسات المرحلة الانتقالية، أو عملت مع الإدارة الجديدة خلال الأشهر الماضية، أو تحظى بعلاقة جيدة مع السلطة الحالية، أو لا تُعرف عنها مواقف معارضة للمسار السياسي القائم.
وتلفت إلى أن بعض الأعضاء سبق أن شاركوا في اللجنة العليا المشرفة على انتخابات مجلس الشعب أو في هيئات رسمية أُنشئت خلال المرحلة الانتقالية، وهو ما يعكس، برأيها، مستوى عالياً من الثقة المتبادلة بينهم وبين السلطة، ويشير إلى أن معيار الاختيار بدا أقرب إلى القبول السياسي والثقة المتبادلة منه إلى المنافسة أو التباين السياسي.
وترى الملاذي أن القائمة، من هذه الزاوية، لا تبدو مصممة لإيجاد معارضة برلمانية داخل مجلس الشعب، بقدر ما تستهدف تشكيل كتلة منسجمة مع المسار السياسي الحالي، مع المحافظة في الوقت ذاته على قدر من التوازن المجتمعي والجغرافي. وتؤكد أن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع الأعضاء متطابقون في مواقفهم أو أنهم "موالون" بالمعنى التقليدي، وإنما يعكس طبيعة الأولويات التي حكمت عملية الاختيار في هذه المرحلة.
وتختم بالقول إن مجلس الشعب الجديد قد يكون مختلفاً عن المجالس السابقة من حيث الوجوه والخلفيات الاجتماعية، لكنه لا يبدو حتى الآن مختلفاً بصورة جوهرية من حيث طبيعة العلاقة مع السلطة التنفيذية، مشيرة إلى أن الاختبار الحقيقي لن يكون في الأسماء، بل في أداء المجلس بعد بدء أعماله، ومدى قدرته على ممارسة دوره التشريعي والرقابي باستقلالية خلال المرحلة المقبلة.
يذهب الباحث والمحلل السياسي عبد الرحمن الحاج إلى تبني قراءة مختلفة، إذ يرى أن الانتقادات الموجهة للقائمة لا تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات المرحلة الانتقالية، وحجم التحديات التي تواجه عملية بناء المؤسسات في بلد خرج من حرب طويلة وانقسام اجتماعي حاد.
ويقول الحاج خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن التشكيلة، رغم ما قد يعتريها من نواقص، راعت إلى حد كبير التوازنات الجغرافية والاجتماعية، كما ضمت شخصيات معروفة بخبرتها السياسية أو بنشاطها السابق في الدفاع عن قضايا السوريين خلال سنوات الثورة، سواء في الداخل أو في مسارات المعارضة السياسية.
ويضيف أن بناء مجلس منتخب بالكامل وبمعايير تنافسية مفتوحة في الظروف الحالية كان سيقود، على الأرجح، إلى نتائج أكثر انقساماً، في ظل استمرار العصبيات المناطقية والاجتماعية، ما يجعل من التشكيلة الحالية، برأيه، "أفضل الممكن" في سياق انتقالي معقد.
وفي المقابل، يرى الناشط السياسي من ريف حماة الشمالي فياض الصطوف أن الإشكالية الأساسية تكمن في غياب معيار واضح وشفاف للاختيار، متسائلاً عن الأسس التي تم اعتمادها في إدراج الأسماء، وما إذا كانت الكفاءة أو التمثيل الحقيقي للمناطق هو المعيار الحاسم، ويشير الصطوف إلى أن بعض التعيينات ارتبطت، بحسب معلومات محلية، بعلاقات شخصية أو تزكيات داخل دوائر السلطة الجديدة، وهو ما يفتح، من وجهة نظره، باباً واسعاً للتساؤل حول مدى استقلالية عملية الاختيار.
وفي خضم هذا الجدل، يبرز رأي آخر أكثر نقداً، عبر عنه الصحفي محمد نور، الذي اعتبر أن عدداً من الأسماء المعلنة "بعيدة عن المزاج الشعبي"، وبعضها كان محل خلاف خلال سنوات الثورة، ولم يحظَ سابقاً بقبول واسع داخل مجتمعاته المحلية، ويرى نور أن عودة هذه الشخصيات إلى واجهة المشهد السياسي عبر مجلس الشعب تثير تساؤلات حول طبيعة المرحلة الجديدة، وما إذا كانت تعكس قطيعة حقيقية مع الماضي أم إعادة تدوير لبعض الأدوار السابقة، معتبراً أن ذلك يعزز شعوراً لدى بعض السوريين بأن التمثيل السياسي لم يعكس بعد تطلعاتهم.
يميز عضو الحركة الوطنية السورية، شادي صلاح محمود، بين مسؤولية رئيس الجمهورية ومسؤولية اللجنة التي تولت إعداد قائمة التعيينات، معتبراً في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن وصفها بـ"الثلث الرئاسي" لا يعني بالضرورة أن الرئيس هو من اختار الأسماء بنفسه، بل إن التسمية، وفق تعبيره، تأتي على سبيل المجاز، باعتبار أن الرئيس كلف اللجنة العليا باختيار الشخصيات المناسبة، بينما تولت هي عملية البحث والمفاضلة وإعداد القائمة.
ويرى محمود أن هذا الفهم يحمل اللجنة، لا الرئيس، مسؤولية اختيار بعض الشخصيات التي أثارت جدلاً، وكذلك مسؤولية استبعاد شخصيات أخرى كان ينظر إليها على أنها أكثر استحقاقاً لتمثيل السوريين في أول مجلس شعب بعد التحرير، معتبراً أن من أوكلت إليهم مهمة الاختيار يتحملون مسؤولية أي قصور في التحري أو تقييم الكفاءات والسير الذاتية.
ويضيف أن الجدل الدائر حول بعض الأسماء لا ينبغي أن ينحصر في تفاصيل شخصية أو في النقاشات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل يجب أن ينصرف إلى القضية الأساسية التي خرج السوريون من أجلها، ويقول إن الثورة لم تنطلق بسبب تراجع الخدمات أو الأوضاع المعيشية فحسب، وإنما بسبب غياب المشاركة السياسية واحتكار القرار العام، مؤكداً أن بناء الحياة السياسية لا يتحقق بمجرد تحقيق توازن بين المناطق أو المكونات الاجتماعية، وإنما بإفساح المجال أمام التعددية السياسية وقبول الآراء المختلفة، حتى بين أبناء البيئة الواحدة، بما يتيح قيام حياة سياسية حقيقية تليق بتضحيات السوريين خلال سنوات الثورة.
بين الانتقادات التي تتحدث عن شعور بالإقصاء في بعض المناطق، والقراءات التي ترى في التشكيلة محاولة لتثبيت التوازنات في مرحلة انتقالية حساسة، يبقى مجلس الشعب الجديد أمام اختبار عملي يتجاوز الجدل الذي رافق تشكيله، فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بمدى عدالة التمثيل الجغرافي أو تنوع الأسماء، بل بقدرة هذا المجلس على التحول إلى مؤسسة تشريعية فاعلة تمارس دورها الرقابي والتشريعي باستقلالية، وتترجم التنوع الذي تحمله تشكيلته إلى أداء سياسي حقيقي داخل قبة البرلمان.
Loading ads...
وفي الوقت الذي تستمر فيه النقاشات حول معايير الاختيار وحدود التمثيل، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد صورة هذا المجلس، ليس من خلال قائمة أعضائه، وإنما من خلال الممارسة الفعلية على الأرض، ومدى قدرته على التعبير عن مجتمع سوري ما زال يعيد تشكيل نفسه سياسياً واجتماعياً بعد سنوات طويلة من الحرب التي شنها النظام المخلوع ما خلفته من انقسام ودمار.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

