4 أشهر
مبادرة "الليرة الواحدة".. نموذج محلي في سلقين بديل عن الإغاثة المنظمة
الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025
في مدينة سلقين شمال غربي إدلب، حيث تتراكم آثار النزوح والفقر وتراجع فرص العمل، لم يعد العمل الخيري نشاطًا طوعيًا هامشيًا، بل تحول إلى آلية يومية لتفادي الانهيار المعيشي.
ففي ظل غياب مؤسسات قادرة على الاستجابة المستمرة، برزت مبادرات محلية تحاول سد فجوات متزايدة، اعتمادًا على موارد بسيطة وشبكات تضامن اجتماعي ضيقة، لكنها فعالة.
ضمن هذا الواقع، ظهرت مبادرة "مشروع الليرة" كنموذج مختلف عن الأطر الإغاثية التقليدية، لم تنطلق كمشروع منظم، ولا كحملة موسمية، بل تشكلت تدريجيًا من استجابة فردية لحالات متكررة، قبل أن تتحول إلى مسار مستمر يعتمد على مساهمات صغيرة من المجتمع المحلي، ويغطي احتياجات مئات العائلات في المدينة ومحيطها.
ولم تنطلق من فكرة مكتوبة، ولا من تخطيط مسبق، بل من فقد شخصي دفع صاحبه إلى إعادة تعريف معنى المساعدة؛ يروي شادي سنان، مؤسس المبادرة، في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، أن وفاة والدته كانت اللحظة التي غيرت مسار حياته، فوالدته كانت تمتلك جهاز رذاذ يُستخدم لمرضى الجهاز التنفسي، وبعد رحيلها قرر وضع الجهاز في محله التجاري، وإعارته لكل من لا يملك ثمنه.
في تلك المرحلة، لم يكن شادي يتحدث عن مشروع أو مبادرة، بل عن استجابة بسيطة لحالات فردية كانت تتكرر يومًا بعد يوم.
غير أن تزايد الطلب على الجهاز كشف له حجم الحاجة الصحية الكامنة، ولفت انتباهه إلى واقع أوسع من مجرد إعارة أداة طبية، ومع مرور الوقت، وجد نفسه أمام عائلات لا تحتاج إلى جهاز رذاذ فحسب، بل إلى غذاء ودواء ومساعدة عاجلة، عندها، وفي عام 2021، بدأ بتأمين سلال غذائية محدودة لبعض المحتاجين، اعتمادًا على محيطه الاجتماعي الضيق، من دون أن يحمل هذا الجهد اسمًا أو إطارًا تنظيميًا واضحًا.
وبحسب "سنان" فإن هذا التحول من فعل فردي إلى مسار متكرر لم يكن نتيجة لطموح توسعي، بل نتيجة لضغط الواقع، فكل حالة جديدة كانت تطرح سؤال الاستمرارية، وكل مساعدة كانت تكشف هشاشة الحلول المؤقتة، ما مهد لانتقال المبادرة إلى مرحلة جديدة.
مع اتساع دائرة المحتاجين، لم يعد بالإمكان الاستمرار بالاعتماد على التبرعات الفردية المحدودة، عند هذه النقطة، ظهرت الفكرة التي ستمنح المبادرة اسمها وهويتها.
يقول شادي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن فكرة وضع صناديق تبرعات في مدينة سلقين جاءت انطلاقًا من قناعة بسيطة مفادها أن المبلغ الصغير، حين يتكرر، يمكن أن يتحول إلى مورد مؤثر.
هكذا، وُضعت الصناديق في الصيدليات، والسوبر ماركت، والأفران، وهي أماكن يرتادها الناس يوميًا، بهدف جمع ليرة واحدة من أكبر عدد ممكن من المتبرعين.
لم يكن الرهان على قيمة الليرة بحد ذاتها (0.022$)، بل على بعدها الرمزي والتنظيمي، فالصندوق لم يكن مجرد أداة جمع مال، بل وسيلة لإشراك المجتمع المحلي في تحمل المسؤولية، وتحويل المساعدة من فعل فردي إلى ممارسة جماعية.
واعتمدت المبادرة في توسعها على شبكة علاقات اجتماعية، شملت أصدقاء وأبناء المدينة، إضافة إلى مغتربين أسهموا في تغطية تكاليف أدوية أو سلال غذائية، من دون أن يكون هناك داعم ثابت أو جهة راعية.
تدريجيًا، انتشرت الصناديق في مختلف أحياء سلقين بريف ادلب الشمالي، ثم خرجت الفكرة إلى أكثر من خمس مناطق بإدلب، مع الحفاظ على الآلية ذاتها.
لم تتغير طبيعة العمل، ولم تُدخل أنظمة معقدة، بل ظل الاعتماد قائمًا على الجمع الدوري للتبرعات، وتحويلها مباشرة إلى مساعدات عينية، وفق أولويات تُحدد ميدانيًا.
هذا التوسع لم يكن مصحوبًا بتضخيم إعلامي، بل جاء نتيجة لتداول الفكرة بين الناس، وشعورهم بأن الصندوق يعكس حاجاتهم، ويعود نفعه إلى محيطهم المباشر، في ظل واقع اقتصادي يزداد قسوة.
إنجازات تتجاوز الإمكانات
مع توسع المبادرة، تشكلت لجنة صغيرة لإدارتها، مكونة من أربعة متطوعين، رجلان وامرأتان، يعملون من دون أي مقابل مادي.
ويؤكد شادي أن العمل تطوعي بالكامل، وأن الفريق لم يطالب يومًا بأجور، رغم الضغط اليومي وكثرة الحالات المستعصية التي تتطلب تدخلًا عاجلًا.
فالمبادرة بحسب "سنان" لا تعمل وفق مواسم أو حملات محددة، بل تواجه احتياجًا مستمرًا، يتغير شكله من دون أن يتراجع حجمه.
وتعتمد اللجنة معايير واضحة في تحديد المستفيدين، تشمل الأرامل، والأيتام، وحالات الفقر الحاد، وذوي الإعاقة، ومرضى السرطان؛ غير أن تطبيق هذه المعايير على أرض الواقع ليس مسألة إجرائية، بل قرار يومي يُفرض في ظل موارد محدودة، وحالات تتزاحم على الأولوية.
ورغم هذه المحدودية، تشير معطيات المبادرة إلى أرقام تعكس حجم الدور الذي اضطلعت به، فقد تمكن المشروع من تغطية احتياجات أكثر من 1200 عائلة فقيرة ومحتاجة من سكان ونازحي سلقين، وأشرف على توزيع أكثر من 10 آلاف سلة غذائية، و350 حصة لحم، إضافة إلى أجهزة طبية ومواد قرطاسية وأدوية.
كما وفّر مادة الخبز بشكل شبه يومي لمئات العائلات، إلى جانب توزيع كميات كبيرة من زيت الزيتون.
في مجال التدفئة، برزت إحدى الحملات التي وصلت إلى توزيع نحو 200 طن من مادة "البيرين"، في منطقة يعاني سكانها من شتاء قاسٍ، وارتفاع مستمر في أسعار المحروقات، هذه الأرقام، مقارنة بحجم الفريق وغياب التمويل الثابت، لا تعكس فقط كفاءة المبادرة، بل تكشف حجم الفراغ الذي تعمل على ملئه.
شكل زلزال شباط/فبراير محطة مفصلية في مسار المبادرة، يوضح شادي أن الفريق وجد نفسه مسؤولًا عن إنشاء وإدارة مخيم كامل للمتضررين، وتأمين احتياجاته الأساسية، في وقت كانت فيه الفوضى سمة عامة للمشهد الإغاثي.
ولم يكن هذا الدور مخططًا له، لكنه فُرض بحكم الحضور المحلي، والقدرة على التحرك السريع، ما نقل المبادرة من توزيع مساعدات إلى إدارة أزمة ميدانية كاملة.
إلى جانب ذلك، برز ملف مرضى السرطان كأحد أكثر المسارات استنزافًا للمبادرة، يشير "شادي" إلى أن المشروع بدأ بتأمين جرعات علاج لعشرات المرضى، ولا يزال مستمرًا في هذا الالتزام، رغم الكلفة العالية وصعوبة تأمين الأدوية.
كما أسهم في تمويل أكثر من سبع عمليات جراحية لحالات حرجة، بالتعاون مع أطباء ومتطوعين، وداعمين أفراد.
غير أن هذا العمل لم يخلُ من التحديات؛ فقد واجهت المبادرة انتكاسة حين توقّف أحد الداعمين عن تغطية الوصفات الطبية في الصيدليات، وتأمين الخبز عبر رصيد مفتوح في أحد الأفران، بعد عام من العطاء.
هذا التوقف كشف هشاشة الاعتماد على الأفراد، وأعاد المبادرة إلى نقطة الاعتماد الكامل على الصناديق والتبرعات اليومية.
رغم ذلك، تستمر مبادرة "مشروع الليرة" في عملها، مدفوعة بحلم يتجاوز الإغاثة المباشرة؛ فالقائمون عليها يتحدثون عن طموح لإنشاء مشروع إنتاجي مستدام، يوفّر موردًا ثابتًا، ويخلق فرص عمل للفقراء، ويُعاد ريعه لدعم المرضى والحالات الإنسانية.
حتى يتحقق ذلك، تبقى المبادرة نموذجًا حيًا لكيفية تحول التضامن المحلي إلى أداة بقاء، في مكان لم يعد فيه الغياب مجرد تقصير، بل واقع دائم.
لا يتحدث القائمون على "مشروع الليرة" عن توسع إعلامي أو تحول إلى منظمة كبيرة، بل عن حلم أكثر واقعية: إنشاء مشروع إنتاجي صغير، يؤمن موردًا ثابتًا، ويوفّر فرص عمل لأبناء العائلات الفقيرة، ويُعاد ريعه لدعم المرضى والحالات الإنسانية.
Loading ads...
حتى يتحقق ذلك، تستمر المبادرة في عملها اليومي، معتمدة على الليرة الواحدة، وعلى قناعة راسخة بأن التضامن المحلي، مهما بدا بسيطًا، يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا في مدينة أنهكها الغياب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

