تحكم سوريا اليوم الهواجس أكثر ممَّا يحكمها اليقين، وفي المسافة التي تفصل بين الحاجة إلى الاستقرار وبين جراح السنوات الماضية، تنشأ فراغات لا يمكن ملؤها إلا بالخطاب الذي قد يكون جسراً يعيد تشكيل الروح العامة، وقد يكون فخاً يستدرج المجتمع إلى الانقسام، ومن بين كلِّ أشكال الخطاب يظلُّ الخطاب الطائفي الخطاب الأخطر والأكثر قدرة على تغيير طبيعة الاجتماع الإنساني من فضاء مشترك إلى مساحة مغلقة، ومن وطن إلى مجموعات متجاورة لا تتبادل سوى الريبة، حيث تكمن خطورته في أنَّه لا يقدِّم نفسه بوصفه صراعاً مباشراً، لأنَّه يتجدد يوماً بعد يوم، حتى يصبح مألوفاً؛ فيتمُّ التعامل معه على أنَّه واقع، لأنَّه يرتبط بتعريف الدولة لذاتها، وبالعقد الذي ينبغي على المواطنين أن يتبنّوه، ليكون بنية تأسيسية في صناعة المستقبل.
أولاً- الدولة بين مسؤوليتين.. حماية المجتمع ومحاسبة المحرِّضين
تواجه الدولة مسؤوليتين متداخلتين في لحظات التحوُّل التاريخي؛ مسؤولية حماية المجتمع من الخطابات التي تستهدف وحدته، ومسؤولية محاسبة من يحوِّل الكلمة إلى أداة تهديد للسلم الأهلي، وهذا العبء لا يختصر بسنِّ القوانين، رغم أهميتها، بل يتجاوزها إلى إنتاج معيار أخلاقي وسياسي يجعل من التحريض على الكراهية فعلاً معادياً لجوهر الدولة نفسها، فالتجريم القانوني يصبح خطوة أولى في إطار أوسع، يهدف إلى إعادة تعريف المجال العام بوصفه فضاءً لا تستباح فيه كرامة الأفراد والجماعات تحت ذرائع الهوية والانتماء.
وفي المقابل، فإنَّ تأكيد الدولة على أنَّ سلطة القانون هي السلطة الوحيدة القادرة على تأمين العيش المشترك هو شرط وجودي؛ لأنَّ السماح بظهور سلطات موازية-عشائرية، مناطقية، أو حتى مجموعات ذات نفوذ ذاتي، يعني تفكيكاً تدريجياً للسيادة، وتفريغاً لمعنى المواطنة، ومن هنا تبرز ضرورة دمج القوى الاجتماعية ضمن إطار الدولة؛ لفتح المجال أمامها لتكون جزءاً من مشروع وطني مشترك لا يتأسَّس على الولاءات الجزئية. فالاختبار الحقيقي للدولة يكون حين تتعرَّض قدرتها على ضبط المجال العام للاهتزاز، وحين تطلب منها الحيلولة دون أن تتحوَّل النزاعات الكلامية إلى خطوط تماس فعلية. وبهذا تكون حماية المجتمع رؤية تُعلي من شأن القانون بوصفه فكرة قبل أن يكون نصاً؛ لأنَّه يؤكِّد أنَّ الدولة هي الإطار الأوسع لوجود الجميع.
إنَّ التعامل مع الإعلام بوصفه مجرد ناقل يختزل دوره في وظيفة تقنية أمر يجب إعادة النظر فيه، لأنَّه في الحقيقة بنية معرفية تشكِّل تصورات الناس.
ثانياً- المشهد الإعلامي بين الحقيقة والتحريض
في زمن تخترق الكلمة الوعي العام بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على المواكبة، بات المشهد الإعلامي أحد أهم ميادين الصراع، إذ أصبحت المنصات الرقمية فاعلاً نفسياً ومعرفياً قادراً على إعادة تشكيل إدراك الناس لما هو واقع وما هو متخيَّل، وفي ظلِّ هذا التداخل، تظهر صفحات مجهولة تحترف صناعة الذعر، ومنصات تستثمر في الانفعال، ومحتوى يتخفَّى وراء لغة النقل المباشر، ليعمل على ترسيخ الانقسام.
إنَّ الخطر هنا لا يكمن في وجود هذه المنصات وحدها، بل في البيئة التي تمنحها القدرة على التأثير، بيئة يسهل فيها أن تتحوَّل الشائعة إلى حقيقة، وأن يصبح التحريض مادة دسمة لاختبار هشاشة الوعي الجمعي. ولذلك يحتاج المجتمع إلى أكثر من أدوات تقنية أو قوانين رقابية، فهو يحتاج إلى وعي نقدي قادر على قراءة الخطاب قبل تصديقه، وعلى التساؤل قبل الانجراف. فالوعي النقدي آلية حماية، مثله مثل السياسة الإعلامية المسؤولة على الاتصال بمستقبل السلم الأهلي.
إنَّ التعامل مع الإعلام بوصفه مجرد ناقل يختزل دوره في وظيفة تقنية أمر يجب إعادة النظر فيه، لأنَّه في الحقيقة بنية معرفية تشكِّل تصورات الناس، وتعيد إنتاج خوفهم أو اطمئنانهم، وتبني سرديات تستطيع أن تقرِّب الفجوات أو توسِّعها، وفي هذا الحقل، تكون مجابهة خطاب التحريض واجباً لا يقلُّ أهمية عن مجابهة العنف نفسه؛ لأنَّه في كثير من الأحيان يكون المقدمة التي تبرِّر حدوثه.
مواجهة رواسب الخوف التاريخي بين السوريين مهمة تحتاج إلى رؤية طويلة المدى تتعامل مع التاريخ بوصفه درساً ينبغي الاستفادة منه.
ثالثاً- السلم الأهلي مشروع طويل لا يتحقَّق بالشعارات
إنَّ السلم الأهلي مشروع طويل الأمد تتداخل فيه الأخلاق بالسياسة، والوعي بالمسؤولية، والهوية بالانتماء، وهو يتطلَّب قدراً من النضج الجماعي يجعل من احترام القانون قيمة مشتركة والتزاما مفروضا، ويجعل من التنوُّع مصدر ثراء بعيداً عن الاصطفافات، فالمجتمعات التي تتجاوز هشاشة اللحظة تفعل ذلك؛ لأنَّها تدرك أنَّ الوقاية من الانقسام أهمُّ بكثير من معالجة نتائجه، وأنَّ ترميم الثقة لا يتمُّ دفعة واحدة، فهو بحاجة إلى خطاب مسؤول، ومؤسسات عادلة، وتعامل يومي يعيد الاعتبار لمعنى المواطنة.
كما أنَّ مواجهة رواسب الخوف التاريخي بين السوريين مهمة تحتاج إلى رؤية طويلة المدى تتعامل مع التاريخ بوصفه درساً ينبغي الاستفادة منه، ولعلَّ أهم ما يميز هذه السيرورة أنَّها تقوم على البناء السياسي وعلى إعادة تشكيل العلاقة بين الأفراد والمجتمع والدولة، بحيث تصبح الهوية الوطنية أكثر اتساعاً من الانتماءات الجزئية، وأكثر رسوخاً من الذاكرة التي خلَّفتها سنوات الحرب.
Loading ads...
ختاماً، يمكننا أن نقول إنَّ السلم الأهلي ثمرة وعيٍ ومسؤولية، ودولة تؤمن بأنَّ كرامة المجتمع تبدأ من الكلمة التي تُقال فيه، وأنَّ حماية سوريا المستقبلية تبدأ من تجفيف منابع الخطاب الطائفي، ومن ترسيخ دولة القانون باعتبارها الإطار الوحيد الذي يضمن وحدة المجال العام وقدرته على مقاومة التفكك، فالكلمة التي تحرِّض على الانقسام قد تكون شرارة، لكن الكلمة التي تحمي المجتمع يمكن أن تكون أساساً لعقد جديد يستعيد السوريون من خلاله شعورهم بالانتماء المشترك. فبناء وطن متماسك هو خيار سياسي وأخلاقي لا بديل عنه في زمن تتكاثر فيه الأصوات التي تتغذَّى على الفتنة بينما يتطلَّع الناس إلى مستقبل أكثر اتساعاً ورحابة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


