ساعة واحدة
ركود وفائض في العرض.. لماذا ترتفع أسعار العقارات في الساحل السوري؟
الأحد، 17 مايو 2026
أمام بناء قيد الإنشاء في أحد أحياء مدينة اللاذقية، يقف "سامر"، موظف في الثلاثينيات من عمره، يتأمل شقة ينوي شراءها منذ سنوات، قبل أن يخبره صاحبها بأن سعرها أصبح يتجاوز 300 مليون ليرة، لينصرف بخيبة اعتاد عليها في السنوات الماضية. وعلى مقربة منه، تجلس "أم علي"، أرملة في العقد السادس، على شرفة منزلها القديم، تراقب لافتة على بيت مقابل شقتها، مكتوب عليها كلمة "للبيع"، منذ أكثر من عام، وسط تغير مستمر في السعر دون سؤال من أحد. يستغرب "سامر" كيف انخفضت أسعار السيارات، ولم تنخفض أسعار البيوت، و"أم علي" تتعجب كيف لسعر عقار أن يرتفع دون أن يكون هناك طلب عليه. حكاية "سامر وأم علي"، اثنتان من قصص كثيرة تعكس واقع شريحة واسعة من المواطنين في مدن وأرياف الساحل. ففي ظل تراجع واضح في القدرة الشرائية، تستمر أسعار العقارات بالارتفاع منفصلة تماما عن واقع الناس، كاشفة عن فجوة آخذة بالاتساع بين ما يريده الناس، وما يمكنهم الحصول عليه.
في مشهد بعيد عن قواعد الاقتصاد التقليدية، تواصل أسعار العقارات عامة والبيوت خاصة في الساحل، تسجيل أرقام مرتفعة على الرغم من حالة الركود الواضحة والتراجع الحاد في القدرة الشرائية لدى معظم السكان.
فعلى امتداد محافظتي اللاذقية وطرطوس، تضج المكاتب ومواقع التواصل الاجتماعي بالعروض العقارية، بينما على الأرض تغيب الصفقات الفعلية، ويتم تدوير الشقق والأراضي بشكل مستمر وبسعر متقلب.
وعلى اعتبار أن السوق نشط على الورق، وشبه متجمد على أرض الواقع، يتساءل كثيرون وسط هذه المفارقة "لماذا لا تنخفض أسعار العقارات بسبب ضعف الطلب عليها؟".
"أبو محمود"، تاجر من اللاذقية، يرى أن أسعار العقارات مبالغ فيها ومنفصلة عن الواقع، معتبرا أن السعر المنطقي يجب أن يكون عند نصف الأسعار الحالية.
ويضيف أن الأسعار يجب أن تتناسب مع قدرة الناس الشرائية، حيث يحتاج الموظف اليوم وفق قوله لرواتب 300 شهر دون أن يصرف منها ليرة واحدة لشراء شقة في حي متوسط في اللاذقية.
أما "سارا عيسى"، موظفة حكومية في طرطوس، فتعتبر أن أسعار البيوت قبل سقوط النظام المخلوع وفي الوقت الحالي واحدة، متسائلة عن سبب الاستمرار على نفس الأسعار في وقت انخفضت فيه تكاليف البناء كما تقول.
وتضيف: "كلنا نعلم أن فترة النظام المخلوع كان سعر المواد في السوق الحرة مرتفعا، وكانت رخصة البناء غالية وتحتاج لرشاوى، وكان ذلك مبررا لرفع الأسعار، أما اليوم فيجب برأيي مراعاة غياب السبب، والقيام بتخفيض الأسعار".
من جهة أخرى، يعتبر عدد لا بأس فيه ممن استطلعنا رأيهم في اللاذقية، أن أسعار العقارات وخاصة المنازل، منطقية جدا في الوقت الحالي.
يقول "أحمد"، وهو عامل قديم في مجال البناء، إن الارتفاع نتيجة طبيعية لارتفاع تكاليف مواد البناء، إضافة لوجود ضرائب ورسوم على المباني والرخص.
ويضيف: "اليوم إذا أردنا أن نبني منزلا من مئة متر، سيكلفنا أكثر من مئة مليون من دون احتساب سعر الأرض، في حين متوسط سعر البيوت من مئة متر يتراوح بين مئة ومئة وخمسين مليونا في الضواحي والأرياف".
ويوافقه "أبو حيدر"، وهو صاحب مكتب عقاري في جبلة، مشيرا إلى أن الأسعار جيدة جدا قياسا بعدة عوامل، أبرزها ارتفاع الأجور الوظيفية، وأهمية العقار للحفاظ على قيمة المال، إضافة إلى ارتفاع تكلفة البناء.
ويقول: "في جميع دول العالم تكون أسعار المنازل هي الأعلى وبفوارق شاسعة جدا عن باقي أسعار العقارات أو السيارات، وفي سوريا برأيي الأسعار مقبولة جدا، والمشكلة تكمن في انخفاض مستوى المعيشة لا في أسعار العقارات".
تشهد الليرة السورية تدهورا مستمرا في قيمتها، فقدت بموجبه دورها التقليدي كوسيلة للادخار، حيث اتجه كثير من الناس إلى العقارات كوسيلة آمنة لحفظ قيمة العملة، لتتغير بالتالي طبيعة السوق من حاجة إلى وسيلة.
لذلك لم يعد شراء العقارات مرتبطا بالحاجة إلى السكن، بل لحماية رأس المال من التضخم، ما أفرز ظاهرة "الطلب الصامت"، وهو طلب لا يرتبط بحركة البيع والشراء النشطة، لكنه يسهم بشكل كبير في جعل الأسعار مرتفعة باستمرار.
كما أسهمت الرسوم الحكومية والضرائب في رفع إجمالي تكلفة المشاريع العقارية، إضافة إلى الدور المحوري الذي يلعبه المضاربون في دفع الأسعار نحو الأعلى، من خلال شراء العقارات وإعادة عرضها بسعر أعلى، والأخبار المتناقلة التي تتحدث عن مشاريع استثمارية مستقبلية.
ومن الخارج، يبرز عامل لا يقل أهمية عما ذكرناه، وهو سياسة المغتربين في شراء العقارات داخل البلاد، حيث تلعب تحويلاتهم المالية دورا بارزا في دعم السوق، فنجد معظمهم يشترون عقارات بهدف الاستثمار أو تأمين سكن مستقبلي، أو الاحتفاظ بأصول داخل بلدهم الأم.
يكفي أن نقوم بجولة في شوارع ضواحي اللاذقية أو طرطوس، لنرى الأبنية قيد الإنشاء أو المعروضة للبيع تملأ جوانب الطريق، فالسوق بالفعل يعاني من فائض في العرض، لكن الواقع يعكس تفاصيل هامة جدا.
يقول "أبو العبد"، موظف في بانياس يعمل في تجارة العقارات، إن الجزء الأكبر من البيوت غير معروض للبيع، باعتبار معظمها غير مكتمل البناء أو غير صالح للسكن، إضافة إلى وجود إشكاليات قانونية على عدد كبير من العقارات وفق قوله.
ويضيف: "البيت النظيف عقاريا والذي يتمتع بموقع جيد وإكساء مميز، يتم تسعيره بأرقام مرتفعة جدا، وهو أمر منطقي برأيي، فهناك كثير من البيوت المعروضة بأربعة آلاف دولار وما دون، لكنها سيئة جدا أو عليها إشكاليات معينة".
من جهته، يؤكد "يامن"، صاحب مكتب تأجير وشراء وبيع، أنه وباقي البائعين يرفضون تخفيض الأسعار بعد أن اشتروا عقارات بأسعار مرتفعة قبل عامين وأكثر.
ويتابع: "من لا يستطيع دفع هذه المبالغ، فليجرب حظه في البناء، حيث سيجد كيس الإسمنت بمئة ألف ليرة وأكثر، والحديد وأجور النقل والعمال مرتفعة للغاية، لن ينتهي من الأساسات قبل أن يكون قد تكلف عشرات الملايين، أنا أستغرب ممن يجد سيارة كورية موديل عام 2008 بسعر تسعة آلاف دولار رخيصة، بينما يجد بيتا بنفس السعر غاليا جدا!".
في الحقيقة، ما يحدث في سوق العقارات في اللاذقية وطرطوس، يعكس عمق التحول في طبيعة السوق، إذ لم تعد الأسعار ترتبط بالطلب والعرض كما هو معروف، بل تتأثر بالتضخم والمضاربة والخوف من فقدان قيمة العملة.
ورغم بيع بعض العقارات بأسعار زهيدة قياسا بالأسعار المطروحة في السوق، بسبب الديون التي تتسبب بها ألعاب المراهنات، أو بسبب الاستعجال للسفر، أو على خلفية تضرر مباني بسبب الزلزال الذي ضرب الساحل في عام 2023، إلا أن الواقع يؤكد أن الأسعار مرتفعة جدا قياسا بالقدرة الشرائية.
Loading ads...
ويبقى التساؤل الأهم، هل سنجد ضوابط قانونية تراقب السوق وتضع أسعارا منطقية للعقارات؟، وهل سنرى تسهيلات كالجمعيات السكنية والقروض والتقسيط؟ أم أن العائلات ستبقى معلقة بين الإيجار والحلم؟.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
تغيير محدود وصلاحيات واسعة
منذ ساعة واحدة
0

