ساعة واحدة
التغيير تحت اختبار الشارع.. كيف تُقرأ التعيينات الجديدة في سوريا؟
الأحد، 17 مايو 2026
في مرحلةٍ تعيد فيها سوريا ترتيب مؤسساتها السياسية والإدارية بعد سنوات من التحولات العميقة، برزت التعيينات الوزارية وتغييرات المحافظين بوصفها واحدة من أكثر الملفات إثارة للنقاش حول شكل الإدارة الجديدة واتجاهاتها.
وبينما تُقدَّم هذه الخطوات على أنها جزء من إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتحسين أدائها، يطرح مراقبون تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التغييرات قادرة فعلاً على إحداث انعكاس ملموس داخل البلاد، أم أنها ستبقى ضمن حدود تبديل الأسماء والمناصب.
ولا تتوقف أهمية هذه التعيينات عند البعد الإداري فحسب، بل تمتد إلى طبيعة الرسائل التي تحملها للداخل السوري، سواء من حيث إدارة الملفات الخدمية والمعيشية، أو إعادة صياغة الخطاب الرسمي، وصولاً إلى شكل العلاقة بين الدولة والمواطن في مرحلة تواجه فيها البلاد تحديات اقتصادية وسياسية متراكمة.
شهدت مؤسسات الدولة في سوريا خلال الفترة الأخيرة سلسلة تعيينات وتبديلات شملت عدداً من الحقائب الوزارية ومناصب المحافظين، في خطوة وُصفت بأنها جزء من إعادة ترتيب الهيكل الإداري والسياسي للمرحلة الحالية.
وشملت التغييرات وجوهاً جديدة في بعض المواقع، مقابل نقل أو استبدال مسؤولين آخرين، وسط حديث رسمي عن تطوير الأداء الحكومي وتحسين إدارة الملفات الخدمية والإدارية في المحافظات.
وأثارت هذه التعيينات نقاشاً واسعاً حول دلالاتها السياسية والإدارية، ولا سيما أنها تأتي في مرحلة تسعى فيها السلطات إلى إعادة تنظيم مؤسسات الدولة وتقديم خطاب أكثر ارتباطاً بملفات الإدارة والخدمات وإعادة الاستقرار.
وفي مقابل من يرى في هذه الخطوات محاولة لضخ شخصيات جديدة وإعادة تنشيط المؤسسات، يعتبر آخرون أن الحكم على جدوى هذه التغييرات يبقى مرتبطاً بقدرة المسؤولين الجدد على إحداث فرق ملموس في الواقع المعيشي والخدمي للسوريين.
والجمعة، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، المرسوم رقم 99 لعام 2026، القاضي بتعيين محمد صفوت عبد الحميد رسلان حاكماً لمصرف سوريا المركزي، خلفاً لعبد القادر حصرية، الذي صدر قرار بتعيينه سفيراً لسوريا في كندا.
اعتبرت الناشطة روز النميري، في حديثها لموقع تلفزيون سوريا، أن التعيينات الوزارية وتغييرات المحافظين الأخيرة يمكن النظر إليها كمؤشر أولي على توجه نحو تحديث الإدارة العامة وتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة، إلا أن قيمتها الحقيقية تبقى مرتبطة بقدرة السلطة على تحويلها إلى مسار إصلاحي فعلي يقوم على الشفافية والمساءلة واحترام الحقوق والحريات.
وأوضحت أن أي إصلاح يكتسب أهميته عندما ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين عبر تحسين الخدمات، ومكافحة الفساد، وتعزيز استقلالية المؤسسات، مشيرة إلى أن بناء الثقة بين الدولة والمجتمع يتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون.
وفي السياق ذاته، رأى الحقوقي معتصم الكيلاني أن التغيير لا يمكن أن يُقاس بمجرد تبديل الأسماء أو تدوير المناصب، بل بالمعايير التي تقوم عليها التعيينات، لافتاً إلى أن المرحلة الحالية تحتاج إلى الكفاءة والنزاهة والقدرة على إدارة مؤسسات الدولة بعيداً عن المحسوبيات والولاءات السياسية.
وأضاف أن أي تغييرات ستبقى شكلية إذا لم تترافق مع خطوات عملية تشمل تعزيز الشفافية، وتوسيع صلاحيات الإدارات المحلية، وضمان حرية الصحافة، وتفعيل آليات المحاسبة والرقابة، إلى جانب تحقيق تحسن ملموس في الواقع الخدمي والمعيشي للسوريين، بما يسهم في استعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.
يرى الباحث المتخصص في التحولات الاجتماعية والسياسية في سوريا، طلال مصطفى، أن التعديلات الوزارية وتغييرات المحافظين الأخيرة يمكن قراءتها على أكثر من مستوى سياسي وإداري، مشيراً إلى أن المحافظات التي شملتها التغييرات، مثل حمص واللاذقية ودير الزور والقنيطرة، تُعد من أكثر المناطق التي شهدت خلال الفترة الماضية حالة من التململ الشعبي نتيجة ضعف الخدمات والانفلات الأمني والتوترات الاجتماعية، ما يوحي بأن السلطة تسعى إلى توجيه رسالة بأنها تستجيب للانتقادات المتزايدة في الشارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.
وأوضح مصطفى، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن بعض التغييرات تحمل دلالات سياسية تتجاوز البعد الإداري، وأشار إلى أن تعيين شخصيات ذات خلفيات أكاديمية وإدارية، مثل خالد زعرور وباسل السويدان، يعكس توجهاً نحو إظهار الدولة بصورة "تكنوقراطية" أكثر من كونها إدارة ذات طابع ثوري، بالتوازي مع سعي الحكومة الانتقالية لتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي في ظل الضغوط المرتبطة بإعادة الإعمار ورفع العقوبات وضبط الملف الأمني.
وفي ما يتعلق بانعكاس هذه التعديلات على الداخل السوري، اعتبر مصطفى أن تغيير الأشخاص قد يساهم في تحقيق تحسينات جزئية على مستوى الإدارة المحلية والخدمات وتقليل الفساد الإداري، إلا أن النتائج ستبقى محدودة في ظل استمرار الأزمات البنيوية المرتبطة بضعف التمويل، وتعدد القوى الأمنية، وهشاشة مؤسسات الدولة، والانقسامات الاجتماعية والسياسية التي خلفتها سنوات الحرب.
وأضاف أن الشارع السوري بات يقيس أي تغيير من خلال نتائجه المباشرة على الواقع المعيشي، مثل الكهرباء والأمن والرواتب والأسعار والخدمات الأساسية، محذراً من أن غياب تحسن ملموس خلال الأشهر المقبلة قد يدفع كثيرين إلى اعتبار هذه التعديلات مجرد "تدوير للمناصب" لا إصلاحاً حقيقياً.
وختم مصطفى بالقول إن هذه الخطوات تبدو أقرب إلى إعادة تموضع سياسي وإداري ومحاولة لامتصاص الغضب الشعبي وتحسين صورة الحكومة الانتقالية، إلا أن نجاحها سيظل مرهوناً بقدرة السلطة على تحقيق إصلاحات أوسع تمسّ بنية المؤسسات والواقع الاقتصادي والخدمي في البلاد.
من جهته، أوضح الباحث في مركز تحليل السياسات، محمود علوش، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن التعديلات الأخيرة في الوزارات والمحافظات تأتي في سياق مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، وتهدف بالدرجة الأولى إلى تعزيز هذه العملية وتحسين الأداء الحكومي ورفع كفاءة المؤسسات.
واعتبر علوش أن هذه التغييرات تمثل مؤشراً صحياً في المراحل الانتقالية، لأنها تعزز فكرة أن المناصب ليست دائمة، بما يدفع المسؤولين إلى تحسين أدائهم والابتعاد عن استغلال السلطة والمحسوبيات، وهي ممارسات ساهمت، بحسب وصفه، في ترهّل البيروقراطية الحكومية وتفشي الفساد خلال العقود الماضية.
وأشار إلى أن تعيين أمين عام جديد لرئاسة الجمهورية بدلاً من شقيق الرئيس أحمد الشرع يحمل دلالة سياسية ورسالة موجهة إلى الداخل، مفادها أن آلية تشكيل السلطة، ولا سيما في المواقع الحساسة، لم تعد قائمة فقط على دائرة المقربين والعلاقات العائلية كما كان الحال سابقاً.
وأضاف أن مرحلة ما بعد التحول السياسي تتطلب الانتقال إلى منطق مؤسساتي مختلف، يقوم على توسيع المشاركة في إدارة الدولة وإفساح المجال أمام شخصيات تمتلك الكفاءة والخبرة، بدلاً من حصر المواقع ضمن دوائر ضيقة.
ورأى علوش أن تزامن هذه التعديلات مع الانفتاح المتزايد لسوريا على الخارج ومحاولات جذب الاستثمارات الأجنبية، يبعث برسائل إيجابية للمجتمع الدولي بأن السلطة الجديدة تسعى لإعادة هيكلة نفسها بما يتناسب مع متطلبات مرحلة إعادة الإعمار والتركيز على الملفات الخدمية والمعيشية التي تمس المواطنين بشكل مباشر.
وفي ما يتعلق بتغييرات المحافظين، أوضح أن الرئيس الشرع حاول الاستفادة من تجارب المحافظين السابقين لتحسين أداء الإدارات المحلية، خاصة في ظل توجه يمنح المحافظات صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها المحلية واتخاذ قرارات أكثر ارتباطاً باحتياجات كل منطقة.
Loading ads...
وبين من يرى في التعيينات الأخيرة بداية لمحاولة إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين أدائها، ومن يعتبرها مجرد إعادة توزيع للمناصب ضمن البنية ذاتها، يبقى الحكم الحقيقي مرتبطاً بما ستنعكس به هذه التغييرات على حياة السوريين اليومية. فنجاح المرحلة المقبلة لن يُقاس بالأسماء الجديدة بقدر ما سيُقاس بقدرة السلطة على تحسين الخدمات، وتعزيز الشفافية، وبناء مؤسسات أكثر كفاءة واستقراراً في بلد ما يزال يواجه تحديات سياسية واقتصادية ومعيشية معقدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
تغيير محدود وصلاحيات واسعة
منذ ساعة واحدة
0

