6 أشهر
السهل الممتنع في العلاقات اللبنانية السورية.. أي "فيل في الغرفة"؟
الجمعة، 28 نوفمبر 2025
شكّلت الزيارة الأخيرة التي قام بها نائب رئيس الوزراء اللبناني طارق متري إلى دمشق ولقاؤه الرئيس أحمد الشرع، بالإضافة إلى وزيري الخارجية أسعد الشيباني والعدل مظهر الويس، دفعة ضرورية لملف العلاقات الثنائية المتثاقل. ومثّلت زيارة الشيباني في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، كأول مسؤول سوري رفيع المستوى من الحكم الجديد إلى بيروت، تقدّمًا بارزًا وواضحًا في معالجة الملفات العالقة بين البلدين، وكانت التوقعات بعدها أن تتسارع الخطى لتحقيق إجراءات ملموسة لحلحلة الملفات العالقة، لكن الأمور بعد ذلك بقيت تراوح مكانها.
يصح وصف هذه الملفات العالقة بين لبنان وسوريا بـ"السهل الممتنع": العديد منها، أو أقله الملحّ منها، لا تدور حوله خلافات جوهرية أو سيادية، بل إجرائية للتخلص من إرث النظام السابق المزروع في البلدين لهيكلة العداء. ولذلك فإنه ما زال يثير الدهشة هذا البطء في حل الأمور، والعديد منها يحتاج إلى خطوات إجرائية.
تقود السعودية الجهود الرامية لترسيم وضبط الحدود البرية بين سوريا ولبنان.
هناك العديد من العوامل الإيجابية والخطوات التي تحققت في طريق تخليص العلاقات بين البلدين من الشوائب، أبرزها:
1- التقارب السياسي بين الفريقين الحاكمين في لبنان وسوريا:
يملك الحكمان في البلدين التوجهات نفسها بما يخص إيران والانحيازات العربية والدولية، ويتشاركان الخصومة لنظام الأسد الساقط، ما يزيل كثيرا من الحواجز التي ورثاها من نظام الأسدين.
2- الودية في العلاقات بين الجانبين على المستوى الرسمي والتواصل الدائم:
قاطع اللبنانيون، باستثناء زيارات نادرة وغير رسمية لشخصيات ونواب ووزراء تابعين لحزب الله ومحور إيران في لبنان، نظام بشار الأسد طوال سنوات الثورة، واقتصر التنسيق في بعض الحالات عبر قنوات أمنية محددة. أمّا اليوم، وعلى الرغم من عدم حصول أي تبادل للزيارات على المستوى الرئاسي، حصل لقاء بين الرئيس اللبناني جوزيف عون والسوري أحمد الشرع على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أيلول/سبتمبر الماضي. وهذا اللقاء هو الثاني بعد لقاء سابق في القاهرة في شهر آذار/مارس الماضي. كما سبقت ذلك العديد من الاتصالات بين الرئيسين، خصوصًا فيما يخص الشأن الحدودي. ينطبق ذلك أيضًا على التصريحات الرسمية من الجانبين كما الزيارات، وأبرزها زيارات رئيسي حكومة لبنانيين إلى دمشق.
3- التعاون الحدودي:
تقود السعودية الجهود الرامية لترسيم وضبط الحدود البرية بين سوريا ولبنان. وفي هذا الإطار رعت السعودية لقاء لوزيري دفاع البلدين، اللبناني ميشال منسى، والسوري مرهف أبو قصرة، في آذار/مارس 2025 في جدة، حيث وقّعا اتفاقية لترسيم الحدود، وتلا ذلك في تموز/يوليو لقاء على المستوى الأمني بين مديري مخابرات البلدين، اللبناني العميد طوني قهوجي والسوري حسين السلامة.
4- ملف اللاجئين:
يسير هذا الملف بهدوء وببطء لكن بثبات، بعدما باشر لبنان بالتعاون مع الأمم المتحدة في الأول من تموز/يوليو 2025 مشروع الإعادة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين بعد سقوط النظام. وأعلن الحكم الجديد في سوريا التعاون الكامل لتسهيل ذلك. في 30 تشرين الأول/أكتوبر الماضي أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد عن عودة 320 ألف لاجئ سوري خلال هذه المدة، وذلك يتناسق مع ما كان أعلنه المسؤولون اللبنانيون من أن التوقعات هي بعودة 400 ألف لاجئ سوري بنهاية 2025.
5- تكليف متري بملف العلاقات اللبنانية–السورية:
يمثّل تكليف شخصية خبيرة ومتزنة ومحترمة كنائب رئيس الوزراء اللبناني طارق متري بهذا الملف أحد القرارات الإيجابية الدالة على جدية الحكومة اللبنانية. فالرجل المكلّف بملف العلاقة بين البلدين يحمل على كتفيه عبء إيصال الأمور إلى بر الأمان. يساعده في ذلك دعم وثقة من رئيس الحكومة نواف سلام، وإلمام بالملف، ورصيد كبير لدى جمهور الثورة والحكم الجديد بسبب مواقفه الواضحة منذ 2011، وثقافة وفهم سياسي عميق متحرر من أي أحكام مسبقة، مع إدراك متري وإيمانه بأهمية العلاقات الطبيعية بين البلدين الجارين.
يوجد العديد من ضباط جيش الأسد في لبنان، خصوصًا من الفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد، والمتورطين بدماء السوريين.
لكن على الرغم من كل ذلك، ما زال التقدّم في هذه الملفات بوتيرة أقل من المتوقع، وذلك لا يتماشى مع كل العوامل الإيجابية الوارد ذكرها سابقًا. نورد هنا بعض الاحتمالات، أو ما يمكن اعتباره "الفيل في الغرفة" (The elephant in the room):
1- "حزب الله":
قد يكون الحزب هو العقدة الحقيقية المسكوت عنها من قبل الطرفين. لكن على الرغم من ذلك فإن الملفات المتصلة به والمتعلقة بضبط الحدود الشرقية وتفكيك شبكات التهريب وتصنيع الكبتاغون قد تكون أكثر مجالات التعاون نجاحًا وفاعلية بين الطرفين. نجح الأمن السوري في ضبط العديد من عمليات تهريب المخدرات والكبتاغون من لبنان، بالإضافة إلى منع محاولات تهريب سلاح للحزب من مخازن سورية كانت تتبع له أو لنظام الأسد. بالمقابل يخوض الجيش اللبناني حربًا بلا هوادة، منذ الصيف الماضي، على رؤوس شبكات التهريب والكبتاغون المرتبطة بحزب الله في الشمال الشرقي للبنان، وتم القضاء على رؤوس كبيرة وصولًا إلى توقيف نوح زعيتر الذي يوصف بأنه بارون التهريب والكبتاغون.
2- مزارع شبعا:
يتمسّك الشرع بخطاب توارثه اللبنانيون منذ أيام النظام السابق تجاه ترسيم الحدود لناحية مزارع شبعا. وهو خطاب غامض لا يستسيغه اللبنانيون، خصوصًا أن حزب الله استخدمه لتبرير استمرار تسلحه بعد التحرير عام 2000. الأمر الآخر بالنسبة لبعض اللبنانيين في عدم قبول ترحيل البحث بملف الحدود بين لبنان وسوريا في مزارع شبعا، هو شعور بأن ذلك يعني قضم جزء من أراضيهم. كان الشرع صريحًا بترحيل بحث الترسيم حين زاره مفتي الجمهورية اللبنانية عبد اللطيف دريان في تموز/يوليو الماضي، وكذلك حين لقائه متري مؤخرًا. في الواقع، إن الترسيم غير ممكن من دون اتفاق ثلاثي يضم إسرائيل، وهذا يتطلب تفاهمات دولية–إقليمية غير متوفرة حاليًا. لكن ذلك لا يمنع تأكيد الشرع، من حيث المبدأ، لبنانية مزارع شبعا، ومن ثم ترك تفاصيل الترسيم إلى حين حصول ذلك. هذا الخطاب بالتأكيد سيترك آثارًا إيجابية في العلاقة مع لبنان.
3- فلول الأسد في لبنان:
يوجد العديد من ضباط جيش الأسد في لبنان، خصوصًا من الفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد، والمتورطين بدماء السوريين. تم تأمين هروب هؤلاء إلى لبنان من قبل "حزب الله" بشكل رئيسي، وتأمين الحماية لهم. بلغ الأمر إلى أن بعض هؤلاء، ومنهم مسؤولون سابقون رفيعو المستوى في نظام الأسد، باتوا يظهرون في وثائقيات ويجرون مقابلات متلفزة. ينظر حكم الشرع بعين الارتياب إلى وجود هؤلاء، وعدم جدية لبنان في ملاحقتهم، على الرغم من أنه تم تسليم البعض لسوريا. وعلى الرغم من عدم احتلال هذا الموضوع لمساحة هامة في النقاش والملفات بين البلدين، فإن التعامل معه بجدية من قبل لبنان يريح الحكم السوري المتخوّف من أن يقود هؤلاء محاولات زعزعة الأمن في سوريا.
4- السوريون في السجون اللبنانية:
Loading ads...
يعدّ ملف السجناء والموقوفين والمعتقلين السوريين أحد أبرز القضايا العالقة. ولم تكن زيارة وزير العدل السوري إلى بيروت بعد أيام من زيارة الشيباني إلا دليلًا على الأهمية التي توليها سوريا لهذا الملف. وعلى الرغم من أن وزير العدل اللبناني عادل نصار صرّح أكثر من مرة بأنه يعمل على اتفاقية تفاهم قضائي بين البلدين، لكن هذه الاتفاقية التي تبدي سوريا استعدادها للتوقيع عليها، مع تفهّم كل التحفظات اللبنانية كعدم شمولها غير سوريين أو أولئك الذين صدرت بحقهم أحكام في معارك ضد الجيش أو قضايا إرهاب، لم ترَ النور بعد. يمثّل هذا الملف نقطة انطلاق قوية، ذلك أنه من الممكن أن يشهد خطوات سريعة وملموسة بالنسبة لمئات الموقوفين تؤدي إلى انفراج ينعكس إيجابيًا على باقي الملفات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


