ثمّة حروبٌ تُقرَأ على خرائط المعارك، وأخرى تُقرَأ على شاشات أسواق المال وفق اقتصاد ومصالح الدول. والحرب الأميركية الإيرانية المشتعلة منذ شباط 2026 تنتمي إلى النوع الثاني قبل الأول. فمن يكتفي بقراءتها سياسياً ونووياً، يُفوّت نصف القصة.. وربما نصفها الأهم.
كان الاقتصاد الأميركي، قبل الحرب على إيران، يرزح تحت معادلة خانقة، فالدَّين الفدرالي بلغ مستويات غير مسبوقة تجاوز الناتج المحلي لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، والعجز المتوقع في 2026 يصل إلى نحو 1.9 تريليون دولار، في حين تتجاوز كلفة خدمة الدين تريليون دولار سنوياً. إلى جانب ذلك، كانت العائلة الأميركية نفسها تعاني تحت وطأة ضغط الديون؛ فقد وصل إجمالي ديون الأسر إلى 18.8 تريليون دولار، وهذا يعني أن الفائدة المرتفعة لا تضغط على الحكومة فقط، بل تضغط أيضاً على المستهلك، أي على المحرك الأساسي للاقتصاد الأميركي.
هنا تظهر المعادلة الصعبة: تضخم الأسعار في ازدياد، تُغذِّيها حرب الرسوم الجمركية التي شنها ترمب على العديد من الدول، ما يمنع خفض الفائدة، وديونٌ ضخمةٌ تجعل استمرار الفائدة المرتفعة مكلفاً وخطيراً. فإذا خفّض الفدرالي الأميركي الفائدة، لن يبقى التضخم مجرد موجة مؤقتة، بل يتحول إلى دوامة تضخمية تغذي نفسها بنفسها: الأسعار ترتفع، الأجور تحاول اللحاق بها، الشركات ترفع أسعارها مجدداً، والمستهلك يفقد قدرته الشرائية، وتدخل البلاد في ما يُعرف بالركود التضخمي: اقتصاد لا ينمو، وأسعار لا تتوقف عن الارتفاع. أما إذا أبقاها مرتفعة، زادت أعباء الدين وفوائِدَه على مستوى المستهلك والدولة معاً، فيستمر الدَّين في الارتفاع والفوائد ترتفع معه في حلقة خطيرة تُفضي الى أزمة مديونية خانقة تهدد قدرة الدولة على تمويل نفسها.
لذلك لم يكن الاقتصاد الأميركي في أفضل حالٍ قبيل الحرب على إيران، بل اقتصاد محاصر بين ثلاثة جدران: التضخم، الفائدة، والدَّين.
ثمّ جاءت الحرب على إيران، فبدا وكأنّ واشنطن وجدت طريقاً لتَفتح في الجدران الثلاثة شقوقاً تَكفي لتمرير الهواء، وذلك عبر تحويل فاتورة الحرب إلى الخليج على نموذج حرب الخليج عام 1990؛ فمئات مليارات الدولارات لتمويل الحرب وإعادة تعبئة المخزون ترغب الإدارة الأميركية أن تُغطّيها خزائنُ الرياض وأبوظبي والدوحة كما تشير التسريبات، في حين تنتظر واشنطن تدفّق 3.2 تريليون دولار من الاستثمارات الخليجيّة الموعودة منذ عام، كمقابل لما تقدّمه الولايات المتحدة من حماية كما يُحب أن يردد دائماً الرئيس ترمب. والأهم سِلسلة صفقات السلاح الضخمة مع دول الخليج من أنظمة الدفاع للتعامل مع خطر الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي بدأت بالفعل بـ16.5 مليار دولار منذ أول شهر في أثناء الحرب، وما يتبعها من عقود الصيانة والتحديث لسنوات تُحرّك الاقتصاد وتخلق الوظائفَ في الولايات المتحدة.
وحتى مشكلة التضخّم التي تتفاقم بارتفاع أسعار النفط، حملت في طيّاتها مفاجأةً استراتيجيّة: فالولايات المتحدة، بوصفها أكبر منتجٍ للنفط في العالم بـ13.58 مليون برميلٍ يومياً، تجد في الأسعار المرتفعة انتعاشاً لقطاع النفط الصخريّ الذي كان يحتضر بسبب ارتفاع كلفة إنتاجه، كما تجد بانخفاض الإنتاج الإيراني والخليجيّ فراغاً تَملؤه صادراتُها التي بلغت رقماً قياسيّاً بـ5.44 مليون برميلٍ يومياً في نيسان 2026، وهذا الرقم مرشحٌ للازدياد بعد وعد الرئيس الصيني لترمب في زيارته الأخيرة بتعويض احتياجات بلاده من النفط الأميركي، خصوصاً أن عودة إنتاج دول الخليج وإيران إلى طبيعته سيستغرق سنوات بسبب تضرر البنية التحتية.
ولأنّ الأثر التضخميّ مؤقّتٌ بطبيعته ويَهدأ مع توقف القتال وعودة الملاحة، في حين عقودُ السلاح وتدفّقاتُ الاستثمار والنفوذ الجيوسياسيّ الجديد هي بنيويٌّ ومستدام، فإنّ ترمب يَستعجل وقفَ إطلاق النار لقطف الثمار بأقل الكلفة على الناخب الأميركي وبالتالي عليه سياسياً.
Loading ads...
لكن ما يَبدو اليوم عبقريّةً اقتصاديّةً أميركية مكررة منذ حرب الخليج الأولى، قد يَتَكَشَّف غداً بوصفه آخر دورةٍ في نموذجٍ يَستَنفِذ نفسه: أن تَعيش الإمبراطوريّة على حساب حلفائها، في حين يَكتَشف الحلفاء، شيئاً فشيئاً، أنّ ثمن الحماية صار أعلى من ثمن السعي إلى البدائل. حينها فقط، سَنَعرِف ما إذا كانت حرب إيران مَخرَجاً حقيقيّاً من الجدران الثلاثة، أم مجرّد تأجيلٍ لِما لا يُؤَجَّل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

