مع انطلاق عملية ردع العدوان قبل عام لتحرير سوريا من براثن النظام المجرم وتحقيق آمال الشعب السوري بالانعتاق والتحرر من العبودية وبناء دولة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان، كان من المؤكد أن التحضيرات جرت على أكثر من صعيد عسكري واجتماعي ومدني واقتصادي وسياسي ودبلوماسي ودولي، ولعل إدراك الدول المعنية بالملف السوري فقدان النظام للحاضنة الشعبية المؤيدة له وانحصارها بفئات مستفيدة منه فقط راهنت عليه، لعل ذلك الإدراك دفعها في نهاية المطاف للتخلي عنه وإدراك أن مواصلة الاستثمار به ليس سوى خسارة اقتصادية وسياسية ومالية واضطرابات وعدم استقرار وأزمات إقليمية ودولية، وهو ما تكلل بعدم تقديم أي دعم له في مرحلة معركة ردع العدوان وخاصة من روسيا وإيران.
صحيح أن الدول الضامنة روسيا وإيران رفعت الغطاء عن النظام وخاصة روسيا التي كانت تدعمه جويا وتحرق المدن والقرى والبلدات السورية بقصفها العنيف، وصحيح أن هناك مباركة من الولايات المتحدة الأمريكية للعملية واستمرارها، إلا أن ثمة حراكا كان يجري من قبل تركيا وهي أكبر الدول تدخلا بالشأن السوري على صعيد المعارضة، وكانت الدولة الضامنة للقوى العسكرية والسياسية، وتسعى بكل جهد صادق إلى إيجاد الحلول، وتحاول استيعاب تمادي الدب الروسي، والغطرسة الإيرانية المذهبية، في مسعى للحفاظ على وقف التصعيد، ولكنها بنفس الوقت كانت لديها خططها البديلة في حال تدهورت الأمور من خلال الانتهاكات واستمرار عمليات القصف والقتل والضغط على النازحين، بالعودة إلى النقطة الأولى وقلب الطاولة على هذه الدول.
واتاح عملي على الملف السوري عن قرب ومتابعة مسارات جنيف وأستانة واللجنة الدستورية واجتماعات الدول الضامنة، الاطلاع على بعض المجريات التي كانت تجري في الغرف المغلقة بين الدول الضامنة، وخاصة الموقف التركي الصريح والواضح، حيث كان يتوضح دائما أن إيران لطالما سعت لتعطيل وعرقلة الاتفاقيات الإقليمية والدولية والأممية، ومنع النظام من التقدم بأي خطوة تجاه أي حلول واقتراحات وخطط مقدمة له، وربما خيرا فعل النظام لأن التعنت هذا قاد إلى إسقاط النظام من دون الدخول معه في عمليات سياسية معقدة ربما كان ستؤدي للحفاظ على كيانه وبقائه واستمراره، وتواصل الاستعصاء في البلاد.
عملت الدبلوماسية التركية على لقاءات مع دول الجوار والإقليم، لتأمين الدعم اللازم للحكم الجديد القادم في سوريا بعد معارك التحرير الجارية واحدة تلو الأخرى وصولا إلى دمشق.
تركيا خلال الاجتماعات واللقاءات مع الدول الضامنة وخاصة روسيا، هددت أكثر من مرة بالعودة إلى النقطة صفر ونسف الاتفاقيات الموقعة في أستانة ومناطق خفض التصعيد، رغم أنها كانت تلك الاتفاقيات لصالح النظام وأدت لسيطرته على المناطق المحاصرة الساقطة عسكريا، إلا أن محاذاة محافظة حلب لتركيا يجعل منها نقطة انطلاق لثاني أكبر محافظات سورية وأهمها اقتصاديا، أي أن العودة للنقطة صفر كانت خيارا مطروحا على الطاولة بشكل دائم، وعزز ذلك الدخول العسكري القتالي بدلا عن نقاط المراقبة الدفاعية، وتشكيل خط لصد القوات المتقدمة، إضافة للرغبة السياسية التركية الحقيقية بوضع حد وإنهاء الملف السوري المسبب للصداع للحكومة التركية على الصعيد الداخلي أيضا.
كما أن الضامن التركي سعى للحفاظ على نموذج الإدارة في إدلب رغم مخاطر دعم هيئة تحرير الشام المصنفة آنذاك ضمن قوائم الإرهاب الدولية والتركية، وشددت على ضرورة تمديد القرارات الأممية لإدخال المساعدات للحفاظ على الشرعية، وحافظت على النموذج المستمر في المناطق المحررة من النظام، وكان الرد دائما على هذه التساؤلات المتعلقة بدعم جهة مصنفة إرهابية، أن ثمة مشروعا في إدلب يتم المحافظة عليه، لكي لا تكون هناك بدائل أخرى لدى الدول الكبرى، عبر قوى الأمر الواقع في شمال شرق البلاد، وساهمت تركيا بتعزيز نموذج الحوكمة والإدارة في إدلب وتقديم الخدمات واستمرار التجارة، لتكون نموذجا يمكن الدفع به مستقبلا.
وعندما جاءت اللحظة الحاسمة مع تأكد المجتمع الدولي، والدول العربية من استحالة إصلاح النظام عبر تعويمه ومنحه التطبيع ومراحل خطوة بخطوة وعودته للجامعة العربية والدول الإسلامية، ورفض الدعوات التركية للحوار وعودة اللاجئين، انطلقت معركة ردع العدوان لتردع الدول الداعمة للنظام أيضا ودعمه، وخلال هذه المرحلة بذلت تركيا جهودا لتحييد هذه الدول وفق ما أفاد به وزير الخارجية هاكان فيدان بعد سقوط النظام، بأنه أبلغ نظراءه في روسيا وإيران بعدم دعم النظام في هذه المعركة، لأن تركيا ستدخل وتدعم قوى المعارضة، ووضع جدية تركيا بعد رفض المهل السياسية، وكأن تركيا عملت على الإصغاء لإيران وروسيا أولا بتأسيس علاقات مع النظام فكانت النتيجة خيبة أمل كبيرة لهاتين الدولتين، وبالتالي بات الخيار العسكري مطروحا، وهنا طلبت تركيا منهما ترك النظام وعدم التدخل بعد الآن، لأنه استثمار في الطرف الخاطئ.
وإضافة لما سبق عملت الدبلوماسية التركية على لقاءات مع دول الجوار والإقليم، لتأمين الدعم اللازم للحكم الجديد القادم في سوريا بعد معارك التحرير الجارية واحدة تلو الأخرى وصولا إلى دمشق، واجتماع الدوحة كان حاسما في هذا الإطار، وكانت الرسائل التركية واضحة بأن يتم منح الحكم الجديد فرصة لتنفيذ المطالب من الدولة السورية في المنطقة والعالم، وأهم هذه المطالب سوريا آمنة موحدة تستوعب الجميع تؤدي لعودة اللاجئين وبناء دولة القانون والديمقراطية والعدالة الانتقالية وتأسيس حقوق الإنسان وحفظ حرية التعبير وكرامة المواطنين، وعدم تشكيل الدولة السورية بشكل طبيعي تهديدا لدول الجوار، ووقف تهريب المخدرات لدول المنطقة، كلها كانت رسائل تركية واضحة تزامنت مع رسائل من إدارة العمليات العسكرية لهذه الدول مطمئنة لها بلغة دبلوماسية محترفة، تعكس النضج الذي حصل في سنوات الحكم في إدلب، رغم أن المساحة الجديدة كانت واسعة والتحديات كبيرة.
على الرغم من الدعم التركي الواضح المقدم لسوريا، إلا أن الأساس في عملية التحرير هو بكل تأكيد للإرادة السورية.
الجهود التركية على الصعيد الاستخباري والدبلوماسي قاد إلى تغيير في المواقف الإقليمية والدولية، وتحييد الدول الضامنة، وباتت هذه الدول على قناعة باستحالة التقدم مع النظام، وهذه الجهود التركية المقدرة مستمرة مع سقوط النظام عبر لقاءات مع القيادة الجديدة، ورسائل مستمرة في دعم الشعب السوري وتحقيق تطلعاته ومنحه الفرصة المناسبة، واستمرار ذلك بالدفع في سبيل رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية، وتقديم النصح والدعم للحكم الجديد.
Loading ads...
وعلى الرغم من الدعم التركي الواضح المقدم لسوريا، إلا أن الأساس في عملية التحرير هي بكل تأكيد للإرادة السورية، هي شعلة الثورة التي لم تنطفئ، والحرية والإرادة التي لم تمت، صحيح أنه كانت هناك مساعٍ لبث اليأس في نفوس السوريين ونجحوا في ذلك بعض الشيء، إلا أن الأمل لم يغادر الشعب العاشق للحرية، ولم يكسره حديد ونار وطائرات ومدافع، وكما كان ثمن الثورة غاليا من الشهداء والجرحى والمغيبين والمختفين قسرا، ومليئا بآلام النزوح واللجوء، فإن ثمن الحرية لا يزال جميلا ونارا مشتعلة تنبض بالأمل المستمر، وتدفع السوريين كلما يتذكرون يوم سقوط النظام، للقول دائما: ارفع راسك فوق أنت سوري حر، وسيبقى السوريون أحرارا دائما.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


