4 أشهر
الطائفية السياسية في الساحل السوري من الامتياز إلى المظلومية
الإثنين، 5 يناير 2026
لا يشكل سقوط الأنظمة السلطوية نهاية تلقائية لمنظوماتها الاجتماعية أو الذهنية، وإنما غالباً ما يفتح المجال أمام تحولات معقّدة في سلوك الفاعلين المرتبطين بها، لاسيما أولئك الذين شكلوا جزءاً من بنيتها الصلبة أو استفادوا من امتيازاتها.
وفي الحالة السورية، تبرز الطائفية السياسية بوصفها أحد أبرز هذه الموارد، لا باعتبارها معطى ثقافياً ثابتاً أو تعبيراً تلقائياً عن انقسامات اجتماعية كامنة، وإنما كأداة سياسية جرى توظيفها تاريخياً ضمن منظومة الامتياز السلطوي، ثم أعيد استدعاؤها بعد سقوط النظام في صيغة خطاب مظلومية دفاعي.
ويشكل الساحل السوري حالة كاشفة لهذه التحولات، حيث تداخلت لعقود طويلة شبكات الولاء والامتياز مع الدولة السلطوية، قبل أن تتحول في مرحلة ما بعد السقوط، إلى مصدر خوف وقلق من فقدان الحماية والمكانة والمساءلة.
من فقدان الامتياز إلى خطاب الضحية
يعتبر مفهوم إعادة التموضع السلطوي من المفاهيم التفسيرية المركزية لفهم سلوك النخب والفاعلين المرتبطين بالأنظمة الاستبدادية في مراحل ما بعد السقوط، حيث تتقاطع هذه المقاربة مع ما تذهب إليه أدبيات التحول السلطوي الكلاسيكية ولا سيما أعمال أودونيل وشميتر، التي تؤكد أن انهيار النظام لا يفضي إلى اختفاء فاعليه، وإنما يدفعهم إلى الدخول في عمليات إعادة تموضع تفاوضية ودفاعية، يعاد من خلالها تشكيل ذواتهم السياسية بما يتلاءم مع موازين القوى المستجدّة داخل المشهد الانتقالي.
مع سقوط نظام الأسد، لم يقتصر الانهيار على البنية السلطوية وإنما امتد ليطول المنظومة الرمزية التي كانت تمنح هؤلاء الأفراد معنى لموقعهم الاجتماعي ودورهم العام..
وبناءً عليه، لا يمكن فهم احتجاجات الساحل في هذا السياق، بوصفه فعلاً ديمقراطياً بالضرورة، وإنما كأداة سياسية قابلة للتوظيف الدفاعي، سواء بغرض الحفاظ على ما تبقّى من النفوذ أو لتجنّب المساءلة السياسية والأخلاقية وعلاوة على ذلك، فإنّ التحوّل من موقع (السلطة) إلى موقع (المعارضة) لا يعكس بالضرورة تحولاً قيمياً في بنية الوعي السياسي لهؤلاء الفاعلين، وإنما يمثل انتقالاً تكتيكياً محسوباً من استخدام أدوات الدولة وأجهزتها إلى استخدام أدوات المجتمع وخطاباته، وعلى رأسها الخطاب الهويّاتي بوصفه مورداً تعبوياً بديلاً.
وفي هذا الإطار، شكّل الساحل السوري، خلال العقود الماضية، إحدى الحواضن الاجتماعية الأساسية لنظام الأسد، غير أن هذا الدور لا يمكن اختزاله في قراءة طائفية مبسّطة، وإنما ينبغي فهمه ضمن شبكة معقّدة من الامتيازات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي أعاد النظام إنتاجها على مدى طويل، فقد ارتبطت قطاعات واسعة من سكان الساحل بوظائف الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية، الأمر الذي أتاح لهم مستوى من الاستقرار النسبي مقارنة بمناطق سورية أخرى عانت من التهميش والإقصاء.
وبالإضافة إلى ذلك، أفضى هذا الارتباط العضوي إلى نشوء اعتماد بنيوي على الدولة السلطوية، بحيث لم تعد الدولة كياناً سياسياً فقط وإنما غدت مصدراً للرزق والحماية والاعتراف الاجتماعي، فضلاً عن كونها إطاراً محدّداً للهوية السياسية.
ومع سقوط نظام الأسد، لم يقتصر الانهيار على البنية السلطوية وإنما امتد ليطول المنظومة الرمزية التي كانت تمنح هؤلاء الأفراد معنى لموقعهم الاجتماعي ودورهم العام، نتيجة لذلك، تحوّل الامتياز السابق إلى عبء ثقيل، إذ وجد العديد من الفاعلين المرتبطين بالنظام أنفسهم في موقع مساءلة أخلاقية وقانونية، أو على الأقل في حالة فقدان للحماية التي كانت توفّرها الدولة السلطوية.
وفي هذا السياق تحديداً، برز خطاب الضحية بوصفه آلية دفاعية مركزية، يعاد من خلالها تأطير الذات لا باعتبارها شريكاً في منظومة القمع والاستبداد وإنما باعتبارها جماعة مهدَّدة من (الآخرين) في مرحلة انتقالية مضطربة.
وعليه، تتحوّل الطائفية من هوية كامنة أو مستبطنة إلى خطاب سياسي معلن يتم استدعاءه لتبرير الخوف وإعادة إنتاج الاستقطاب المجتمعي، فضلاً عن خلق حالة من التماسك الداخلي في مواجهة التحوّل الوطني الأوسع، بما يسمح بإعادة التموضع داخل المشهد الجديد من دون قطيعة حقيقية مع البنى الذهنية التي أنتجها نظام الأسد.
الطائفية كاستراتيجية سياسية
لا يمكن مقاربة تصاعد الخطاب الطائفي في الساحل السوري عقب سقوط "الأسد" بوصفه انفجاراً عفوياً لهوية مكبوتة طال كبحها، إذ إن هذا الخطاب يتجاوز حدود التعبير الانفعالي ليدخل في نطاق الاستراتيجيات السياسية الواعية، أو شبه الواعية، التي اعتمدتها فئات وفاعلون وجدوا أنفسهم أمام تحوّل جذري في بنية السلطة وموازين القوة.
رفع الشعارات الطائفية، إلى جانب المطالبة بالانقسام أو التمايز السياسي، لا يعكسان موقفاً رافضاً للحكومة السورية بقدر ما يعكسان رفضاً لفقدان الامتيازات التي ارتبطت بنظام الأسد، وكذلك رفضاً لإعادة تعريف المواطنة على أساس المساواة القانونية والسياسية بين الأفراد والجماعات..
وفي هذا السياق، لا تظهر الطائفية كمعطى ثقافي ثابت، وإنما كأداة سياسية مرنة يعاد توظيفها وفق مقتضيات اللحظة الانتقالية وما تفرضه من تهديدات فعلية أو متخيَّلة ومن منظور تحليلي تؤدي الطائفية في هذا الإطار، ثلاث وظائف مركزية متداخلة:
أولاً، تسهم في تعطيل مسارات المساءلة من خلال نقل الصراع من مستواه السياسي-الحقوقي، القائم على مفاهيم المسؤولية والعدالة الانتقالية، إلى مستوى صراعي وجودي بين جماعات متقابلة، الأمر الذي يفرغ مطلب المحاسبة من مضمونه ويحوّله إلى تهديد جماعي يستدعي الاصطفاف والدفاع.
ثانياً، تتيح إعادة إنتاج أنماط القيادة المحلية، حيث يعيد وجهاء تقليديون أو قادة سابقون، ممن تضرّرت مواقعهم بسقوط نظام الأسد، تقديم أنفسهم باعتبارهم حماة للجماعة وضامنين لأمنها واستمراريتها، مستعيدين بذلك شرعية مستمدة من الخوف لا من التمثيل الحقيقي.
ثالثاً، تستخدم الطائفية كأداة لمقاومة الاندماج الوطني عبر التلويح بخيارات الانقسام والحكم الذاتي، بوصفها أوراق ضغط في مواجهة أي مشروع وطني يسعى إلى إعادة تعريف الدولة والمواطنة على أسس جامعة.
وفي ضوء ما سبق، يكتسب فعل الاحتجاج في الساحل السوري دلالة مغايرة جذرياً لتلك التي حملها خلال المرحلة الأولى من الثورة السورية، ففي حين كان الاحتجاج آنذاك تعبيراً عن إرادة تحررية جماعية، تتمحور حول الكرامة والحرية والعدالة، يتحوّل في هذه المرحلة إلى احتجاج مضاد في جوهره، يسعى إلى تقويض شروط التحول السياسي وإفراغها من مضمونها، بدل الإسهام في ترسيخها أو الدفاع عنها وبالإضافة إلى ذلك، يعاد توظيف أدوات الاحتجاج ذاتها، من شعارات وحشود وخطابات، ضمن بنية خطابية تناقض المعنى الأصلي الذي حملته في سياق الثورة السورية.
وعليه، فإنّ رفع الشعارات الطائفية، إلى جانب المطالبة بالانقسام أو التمايز السياسي، لا يعكسان موقفاً رافضاً للحكومة السورية بقدر ما يعكسان رفضاً لفقدان الامتيازات التي ارتبطت بنظام الأسد، وكذلك رفضاً لإعادة تعريف المواطنة على أساس المساواة القانونية والسياسية بين الأفراد والجماعات ومن ثم، يغدو الخوف من العدالة ومن تفكك الامتياز متقدّماً على أي خطاب معلن حول المظلومية أو التهميش.
وتشكّل هذه الظاهرة، في مجموعها، تحدياً بنيوياً لمسار الانتقال السياسي في سوريا حيث تسهم، من جهة في إعادة إنتاج الاستقطاب الأهلي وتعميقه ضمن خطوط هوياتية مغلقة، كما تؤدي من جهة أخرى، إلى إضعاف الثقة المتبادلة بين المكوّنات المجتمعية، فضلاً عن عرقلة إمكان بناء سردية وطنية جامعة قادرة على استيعاب الماضي الاستبدادي وتجاوزه في آن واحد وإلى جانب ذلك، تكشف هذه الديناميات أن تفكيك الاستبداد لا يمكن أن يقتصر على استبدال النخب الحاكمة أو إعادة ترتيب مؤسسات الحكم وإنما يتطلّب تفكيكاً للبنى الذهنية والاجتماعية التي أسهمت في إعادة إنتاجه، سواء عبر الخوف أو الامتياز أو تسييس الهوية بوصفها أداة للهيمنة والاستمرار.
في ضوء التحليل السابق، يتبيّن أن ما يشهده الساحل السوري في مرحلة ما بعد سقوط الأسد لا يمكن قراءته بوصفه ظاهرة احتجاجية معزولة أو تعبيراً طارئاً عن هويات جمعية مكبوتة، وإنما ينبغي فهمه ضمن سياق أوسع لإعادة التموضع السلطوي، حيث تعيد فئات وفاعلون ارتبطوا بالنظام السابق تشكيل مواقعهم وخطاباتهم بما ينسجم مع شروط المرحلة الانتقالية ومخاوفها.
تتداخل خسارة الامتياز مع الخوف من المساءلة، ويتحوّل الخطاب الطائفي إلى أداة سياسية وظيفية تستخدم لإعادة إنتاج النفوذ، وتعطيل العدالة، وإعادة تعريف الصراع خارج إطاره الوطني والحقوقي..
وفي هذا الإطار، تتداخل خسارة الامتياز مع الخوف من المساءلة، ويتحوّل الخطاب الطائفي إلى أداة سياسية وظيفية تستخدم لإعادة إنتاج النفوذ، وتعطيل العدالة، وإعادة تعريف الصراع خارج إطاره الوطني والحقوقي.
وعلاوة على ذلك، تكشف هذه الديناميات أن الطائفية لا تعمل فقط كآلية دفاعية آنية، وإنما كاستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى مقاومة التحول الديمقراطي وإفراغه من مضمونه، عبر إعادة إنتاج الاستقطاب الأهلي، وتقويض الثقة بين المكوّنات المجتمعية، ومنع تبلور سردية وطنية جامعة لما بعد الاستبداد.
Loading ads...
ومن ثم، فإنّ الانتقال السياسي في سوريا يواجه تحدياً مركباً لا يقتصر على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنما يمتد ليشمل إعادة بناء المعنى السياسي للمواطنة والانتماء والعدالة وبناء على ذلك، يصبح تفكيك إرث الاستبداد مشروطاً بقدرة المسار الانتقالي على مواجهة البنى الذهنية والاجتماعية التي أعادت إنتاجه، بما في ذلك تحويل الطائفية من مورد سياسي إلى موضوع للمساءلة والنقد، وإعادة وصل السياسة بالأخلاق العامة وبمبدأ المسؤولية الفردية والجماعية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
الاعتقال بوصفه جزءاً من هويتنا الوطنية
منذ ساعة واحدة
0
شعوب الله المختارة
منذ ساعة واحدة
0

