ساعة واحدة
مخيم خان الشيح بعد "التحرير".. استقرار هشّ وعدالة معلّقة ومخاوف تتصاعد
الثلاثاء، 12 مايو 2026
يعيش مخيم خان الشيح للاجئين الفلسطينيين في ريف دمشق الغربي مرحلة معقدة، تتداخل فيها الأزمات الأمنية والاجتماعية والخدمية، وسط تصاعد المخاوف الشعبية من انتشار الجريمة والمخدرات، واستمرار غياب المحاسبة، رغم مرور أكثر من عام على "التحرير" وعودة آلاف السكان إلى منازلهم.
المخيم، الذي كان يُعد أحد أكبر تجمعات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، عاد إليه قسم كبير من سكانه بعد سنوات من النزوح والحرب، لكن الأهالي يقولون إن عودة الناس لم تُرافقها عودة حقيقية للاستقرار أو بناء مؤسسات قادرة على ضبط الواقع الأمني والخدمي.
وبينما تتحدث الجهات المحلية عن "تحسن نسبي" قياساً بسنوات حرب النظام المخلوع على السوريين، يرى ناشطون وسكان مس أن حالة "الفوضى الأمنية" ما تزال حاضرة بقوة، في ظل ضعف الإمكانيات، وانتشار السلاح والمخدرات، وتكرار جرائم القتل، إضافة إلى ملف العدالة الانتقالية الذي ما يزال، وفق تعبيرهم، "مجمّداً". وفي هذا التقرير، يسلّط موقع تلفزيون سوريا الضوء على الواقع الأمني والاجتماعي والخدمي في مخيم خان الشيح، عبر شهادات الأهالي والناشطين المحليين ومسؤولين في اللجان التنموية، إلى جانب تتبّع حوادث القتل وانتشار المخدرات وملف العدالة الانتقالية، لرصد حالة القلق التي يعيشها السكان والتحديات التي تواجه المخيم.
قبل اندلاع الثورة السورية، وصل عدد سكان مخيم خان الشيح إلى نحو 29 ألف نسمة، بحسب إحصائيات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا".
وخلال سنوات حرب النظام المخلوع على السوريين، انخفض عدد السكان بشكل كبير، حتى وصل عدد من تبقى داخل المخيم إلى نحو 15 ألف نسمة مع نهاية عام 2016، نتيجة العمليات العسكرية والنزوح والتهجير.
أما اليوم، وبعد عودة قسم كبير من الأهالي المهجرين، فقد عاد عدد السكان تقريباً إلى مستواه السابق، وربما تجاوزه، مع انتقال عائلات جديدة من مناطق ومخيمات فلسطينية أخرى إلى المنطقة، بحسب ما أكد أحد الناشطين من المخيم.
لكن هذه العودة، بحسب سكان وناشطين، وضعت المخيم أمام تحديات أكبر، خاصة مع ضعف البنية الأمنية والخدمية، وعدم قدرة المؤسسات الحالية على مواكبة التغيرات.
وصف رئيس اللجنة التنموية في مخيم خان الشيح، المهندس غانم خليل، الوضع الحالي بأنه "جزء من الحالة العامة التي تعيشها البلاد"، موضحاً أن هناك "تحسناً نسبياً"، لكن مع استمرار ضعف واضح في الواقع الأمني والخدمي بسبب محدودية الإمكانيات بعد سنوات الحرب والدمار.
وقال خليل إن أبرز التحديات التي تواجه الجهات المحلية تتمثل في ضعف التمويل، موضحاً أن "أي مشروع أو فكرة دون تمويل تبقى مجرد فكرة"، إضافة إلى نقص الكوادر المؤهلة، وضعف الحافزية العامة، ووجود "محبطات تؤثر على العمل للمصلحة العامة".
وفي المقابل، قدّم ناشط من أبناء المخيم صورة أكثر تشاؤماً، معتبراً أن المشهد الحالي "لا يعكس نتائج حقيقية للتحرير"، بل يمثل "حالة غير مكتملة"، فيها تحسن مقارنة بفترة النظام السابق، لكن يقابلها "فلتان أمني واضح، وضعف في مؤسسات الضبط، وغياب للعدالة"، ما يجعل الاستقرار "هشاً وقابلاً للانفجار في أي لحظة".
ويقول الناشط محمد عوض إن ما حدث بعد سقوط النظام المخلوع لم يتحول إلى مشروع إدارة فعلي أو بيئة آمنة، مضيفاً أن الفراغ الأمني، سواء كان "مقصوداً أو غير مقصود"، استغلته مجموعات مختلفة، ما أدى إلى استمرار الفوضى بدل إنهائها.
يتفق معظم من تحدثوا لموقع تلفزيون سوريا، حول واقع المخيم على أن ضعف الوجود الأمني يمثل أحد أبرز أسباب التوتر الحالي.
ويقول المهندس غانم خليل إن السبب الرئيسي يعود إلى محدودية الإمكانيات، موضحاً أن الدولة "ما تزال في طور التشكّل، وتحتاج إلى وقت لبناء جهاز أمني متكامل من حيث العدد والتأهيل".
بدوره، أشار سعيد محمد، رئيس هيئة فلسطين التنموية الخيرية وعضو اللجنة التنموية للمخيم، إلى أن نقص أعداد قوات الأمن وتوزيعها على ملفات ومناطق متعددة داخل البلاد أدى إلى ضغط كبير على الجاهزية الأمنية داخل المخيم.
أما الناشط المحلي، فاعتبر أن المشكلة "ليست مسألة ضعف إمكانيات فقط، بل ترتبط أيضاً بضعف البنية الأمنية، وقلة العناصر المدربة، وضعف التنسيق بين الجهات المحلية والأمنية، إضافة إلى غياب المحاسبة ووجود شبكات مصالح مستفيدة من الفوضى".
ويقول إن "مخفراً يضم 6 أو 8 عناصر غير مؤهلين لا يمكنه ضبط مخيم يقطنه أكثر من 30 ألف نسمة تقريباً".
تنعكس حالة القلق هذه بوضوح في شهادات الأهالي، إذ وصف أحد سكان المخيم (فضل عدم كشف اسمه) الحياة اليومية بأنها "غير مريحة"، مؤكداً أن الناس يعيشون في حالة تأهب وخوف، خاصة بعد الحوادث الأخيرة.
وقال إن الوضع الأمني اليوم يتسم بـ"الفوضى وانعدام الأمن والأمان وكثرة الحوادث"، مشيراً إلى أن حوادث الدراجات النارية، والخطف، والجرائم الأخيرة زادت شعور الناس بالخوف.
وأضاف أن انتشار السلاح، رغم وجود محاولات لضبطه، ما يزال يشكل مصدر تهديد يومي للسكان.
برز ملف المخدرات كأحد أكثر الملفات إثارة للقلق داخل المخيم، وسط إجماع من الجهات المحلية والأهالي والناشطين على خطورته.
ووصف المهندس غانم خليل الظاهرة بأنها "من أخطر التحديات"، مشيراً إلى أنها ليست خاصة بالمخيم فقط، بل ترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية مثل الفقر والبطالة وغياب البدائل.
وقال إن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى خطة شاملة تشمل التوعية والعلاج وتوفير بدائل اقتصادية، وليس الحل الأمني فقط.
أما الناشط المحلي، فاعتبر أن انتشار تجارة المخدرات "ليس عشوائياً"، بل جاء نتيجة سياسات النظام المخلوع، إضافة إلى الفراغ الأمني وضعف الرقابة، ووجود طلب محلي مرتبط بحالات الإدمان والوضع الاقتصادي الصعب للشباب.
وأضاف أن تجارة بهذا الحجم "لا يمكن أن تستمر دون وجود جهات تغض الطرف عنها أو تستفيد منها بشكل مباشر أو غير مباشر".
في حين أكد أحد الأهالي أن المخدرات "كانت موجودة سابقاً لكنها اليوم أكثر انتشاراً"، محذراً من تأثيرها على الشباب والأطفال داخل المخيم.
شهد مخيم خان الشيح خلال الأشهر الأخيرة جرائم قتل أثارت صدمة واسعة بين السكان.
ومن أبرز القضايا التي هزّت الرأي العام المحلي قضية الشابة هبة يحيى موعد، التي اختفت في 24 نيسان/أبريل 2026 من الحي الشرقي داخل المخيم، قبل العثور على جثتها في منطقة دروشا قرب بنايات الطحطوح بريف دمشق.
وبحسب المعلومات المتداولة، كانت الضحية تقيم سابقاً في مخيم اليرموك، وتعمل في إحدى شركات الحوالات، كما كانت المعيلة الرئيسية لعائلتها، حيث تتولى رعاية والدها وشقيقها المصاب بالتوحد.
وأشارت معلومات أولية إلى العثور على آثار دماء داخل منزلها بعد اختفائها، إضافة إلى وجود الأبواب مفتوحة، ما أثار مخاوف الأهالي من تعرضها لجريمة قتل.
وبحسب ما نقلته عائلتها استناداً إلى نتائج تشريح الجثة، فقد تعرضت هبة لـ"تعذيب شديد وضرب وتقطيع بشفرة"، في حين لم تُعلن حتى الآن أي نتائج رسمية نهائية أو تحديد لمتهم واضح في القضية، وفقاً لما أكده الناشط.
الجريمة الثانية التي أثارت غضباً واسعاً كانت مقتل الشاب محمد أحمد أبو زر، وهو من أبناء عرطوز ومن سكان المخيم.
فقد أُبلغ عن فقدانه في 9 شباط/فبراير 2026 أثناء وجوده في المنطقة الواقعة بين خان الشيح وزاكية، قبل العثور على جثته بعد ثلاثة أيام قرب منطقة العين عند مدخل خان الشيح.
ووفق التحقيقات الأولية، فإن المشتبه به الرئيسي عنصر منتسب لجهاز الأمن، تورط في الجريمة على خلفية خلاف شخصي مع الضحية.
وأعلنت الجهات المعنية حينها توقيف المشتبه به الأساسي إلى جانب أشخاص آخرين يشتبه بصلتهم بالقضية، مع استمرار التحقيقات.
ويرى ناشطون أن تكرار جرائم القتل، وخاصة مع تورط عنصر أمني في إحدى القضايا، يؤكد أن "الخلل ليس فردياً بل بنيوياً"، محذرين من انزلاق الوضع نحو مزيد من الفوضى.
إلى جانب الأمن والمخدرات، يبرز ملف محاسبة المرتبطين بالنظام السابق باعتباره من أكثر القضايا حساسية داخل المخيم.
وقال الناشط المحلي إن ملف "الشبيحة" ما يزال "شبه مجمّد"، معتبراً أن عودة معظمهم إلى حياتهم الطبيعية دون محاسبة تمثل "صدمة أخلاقية واجتماعية للأهالي"، وتنسف فكرة العدالة التي كانت من أهداف الثورة.
وأضا منف أن غياب المحاسبة يضرب السلم الأهلي بشكل مباشر، لأن الضحايا يرون أن من ارتكب انتهاكات يعيش بشكل طبيعي من دون أي مساءلة.
وأشار إلى أن هذا الاحتقان أدى، قبل أشهر، إلى وقوع هجمات وإطلاق نار استهدفت بعض المتهمين بالارتباط بالنظام المخلوع.
من جهته، قال المهندس غانم خليل إن هذا الملف "من أكثر الملفات حساسية"، معتبراً أن تأخر معالجته يشكل أحد أسباب الاحتقان الشعبي.
أما سعيد محمد، فأكد أن محاسبة أي عنصر يثبت تجاوزه "تمثل مطلباً مجتمعياً عاماً"، مشيراً إلى وجود متابعة من الجهات المختصة، إضافة إلى اهتمام دولي بهذا الملف.
خدمياً، لم تعد "أونروا" تؤدي الدور نفسه الذي كانت تقوم به قبل سنوات.
وبحسب إفادات محلية، تقلصت خدمات الوكالة بشكل كبير نتيجة أزمة التمويل ومحاولات تجفيف مصادر دعمها، واقتصرت خدماتها حالياً على التعليم والرعاية الصحية وبعض المساعدات المحدودة.
ويقول سكان إن هذا التراجع زاد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على الأهالي، خاصة مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر داخل المخيم.
رغم حالة الإحباط، يقول سكان المخيم إنهم ما زالوا يراهنون على إمكانية تحسين الواقع، لكنهم يطالبون بخطوات عاجلة تشمل:
تعزيز الوجود الأمني وزيادة عدد العناصر المؤهلة.
مكافحة تجارة المخدرات بشكل جدي.
محاسبة المتورطين بالانتهاكات والجرائم.
فتح ملف العدالة الانتقالية.
توفير فرص عمل وتحسين الخدمات.
إعادة تفعيل المؤسسات الرسمية داخل المخيم.
إيجاد جهة تمثيلية فاعلة تربط بين المخيم والدولة.
Loading ads...
ويختصر أحد الأهالي مطالب السكان بالقول: "نريد الأمن والأمان فقط.. ونريد أن نشعر أن هناك عدالة حقيقية".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
الاعتقال بوصفه جزءاً من هويتنا الوطنية
منذ ساعة واحدة
0
شعوب الله المختارة
منذ ساعة واحدة
0

