في سوريا، لم يعد الله من يختار الشعوب، صارت الشعوب والجماعات والميليشيات هي من تختار نفسها، وهي من يُعلن أنها صارت شعب الله المختار، أو جماعته المختارة. وفي سبيل التأكيد على أنها هذا الشعب المختار، أسسّت لذاكرة تحيي سيرتها وتعطي زخما للاستقطاب، ولسرديّة تخدم نقائها ورغبتها الشديدة في السيادة وفي أن تسود. هذا ما كشفته سنوات الحرب الدموية في سياق الأمور الكثيرة التي أزاحت الستار عنها، مثل أنّنا صرنا شعوبا وقبائل وطوائف ومناطق وقرى وفصائل وميليشيات تتناحر، وهي جميعا تعتقد أنها الأفضل وأنها المختارة، على عكس ما جاء في المنطق القرآني الذي يفترض أنه سنة الكون بين الشعوب. "ولتعارفوا".
صرنا كسوريين وبفعل الحرب، عبارة عن مجموعات، تلجأ كل منها للعالم المتخيل لتحمي نفسها خوفا من المخاطر، ومن الآخر، هذا من جانب، وتغذيها الطموحات للسيادة والنصر المقدس، من جانب آخر. وبالتالي لم يعد السؤال "من نحن" سوى أداة وظيفية لشد عصب الجماعة، والإجابة على هذا السؤال جاهزة: "نحن شعب الله المختار"، و"نحن الأفضل" و"نحن الأنقى". قيل هذا الأمر على لسان مختلف الجماعات السورية بصيغ مختلفة، تارة بشكل موارب، وتارة بشكل صريح، ومرارا من خلال السلوك العام في ساحات المعارك، وعلى منابر خطاب التجييش والتحريض. هكذا وُلدت "شعوب الله المختارة" بصيغها المتجاورة والمتنازعة، المتحاربة، المتنافسة، والإبادية.
اعتقدت كل مجموعة بشرية –كما أكدت ذلك مجريات الأحداث في التجربة السورية- أنها الأفضل من الأخرى، وأنها الأحق بالبقاء، والسيادة، وأن ما لديها من رواية هو الحقيقة الكاملة، ويشمل ذلك المخيال الكثيف والسلبي لكل جماعة عن الأخرى.
تحفل الذاكرة السورية بالكثير من هذه التجارب، ومنها النموذج الذي قدمه بشار الأسد والميليشيات الطائفية التي ساندته كحزب الله، أو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، أو الصراعات الفصائلية كتلك التي وقعت بين جيش الإسلام وفيلق الرحمن. فالفكرة حينما لم تكن إعلانا صريحا، كانت تتسلل عبر اللغة اليومية، وحينما كانت إعلانا صريحا، كان ميدان الحرب مسرحا تنتصب فيه راية: "نحن شعب الله المختار"، وسوف نقضي على الأشرار. وذلك في سياق صياغة الواقع، العالم، الآخر، على صورة هذه الجماعة وبحسب ما تتخيل.
اعتقدت كل مجموعة بشرية –كما أكدت ذلك مجريات الأحداث في التجربة السورية- أنها الأفضل من الأخرى، وأنها الأحق بالبقاء، والسيادة، وأن ما لديها من رواية هو الحقيقة الكاملة، ويشمل ذلك المخيال الكثيف والسلبي لكل جماعة عن الأخرى. صور مسبقة واتهامات جاهزة، تاريخ مختزل في زمن متوتر، وذاكرة انتقائية لا تحتفظ إلا بما يدين الآخر ويعلي من شأن الذات. هكذا، صار الحوار أمرا مستحيلا، فكل طرف يدخل إلى ما يفترض أنه حوار، كمن يدخل إلى معركة ويجب الانتصار فيها، لا توجد إمكانية لمحاولة الفهم أو التفهم، كل شيء صار محكوما بالريبة والخوف والشك.
كشفت الحرب – وكما هي عادة الحروب في الكشف - عن هشاشة الاجتماع السوري، وبرهنت مرارا أن البلاد شبكة متداخلة من الاصطفاءات "الإلهية" التي لا تتعايش، بل تتجاور، وهي تنتظر الشرارة لتنفجر. بين العائلات، في القرى، وأحياء المدن، "داخل السور وخارجه"، القبائل العريقة والأكثر عراقة، بين التيارات الدينية، الأحزاب، تعيد فكرة الاصطفاء إنتاج نفسها: نحن شعب الله المختار والبقية هم الأدنى، هم الأشرار.
أعتقد أن هذا المسار هو ما جعل من الحرب نتيجة منطقية، وليست حدثا طارئا على المكان، فالجماعات أو المجموعات البشرية التي ترى في نفسها أنها "مختارة" لا تستطيع أن تتبنى مفاهيم مثل المواطنة، المساواة، العدالة، كرامة الآخرين، حقوقهم في العيش الكريم والازدهار. هذه المفردات وما تحمله من قيم، خارج حسابات سردية الجماعة، بل هي على النقيض منها، وبهذا المعنى تتحول إلى الهامش أو الاستفادة منها باعتبارها محض أدوات، كما هو التعامل مع التاريخ الذي يصير مخزنا انتقائيا للأدلة التي تعلي من شأن الذات، ونستخدم ما يناسبنا لندين بها الآخر.
عينة من الأبيات الشعرية التي طالما ترددت على ألسنة السوريين بمختلف جماعاتهم، قد يختصر المشهد الاصطفائي السوري:
"وَنَحنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ عِندَنا .. لَنا الصَدرُ دونَ العالَمينَ أَوِ القَبرُ
أَعَزُّ بَني الدُنيا وَأَعلى ذَوي العُلا .. وَأَكرَمُ مَن فَوقَ التُرابِ وَلا فَخرُ"
بعيدا عن السياق الذي أفترض أن أبو فراس الحمداني أراد الذهاب إليه في قصيدته، ولكن مثل هذه الأبيات تتجاوز مفهوم الفخر بالذات، هي تقول بوضوح إما نكون كجماعة في الصدر أو لا نكون، إما أن ننتصر على الآخرين أو نفنى، فلا مساحة متوفرة للاعتراف بالآخر أو التعايش معه أمام هذا النظام من التفكير، وذلك لأننا "الأعز والأعلى والأكرم".
أعتقد أن "شعوب الله المختارة" مجرد محاولة يائسة للهروب من الخوف، والفشل، والضعف، بادعاء الاصطفاء. لكن هذا الادعاء لن ينتج خلاصا، بل مزيدا من العنف والانقسام.
تتوهم كل جماعة من هذا النوع الاصطفائي أنها ستحقق نصرا كاسحا، ولكن ما أثبتته سنوات الحرب أن كل الأطراف خرجت من هذا الصراع أكثر هشاشة مما تقدر فيه على الاعتراف، هكذا نكون قد خسرنا وطنا، وربما خسرنا إمكانية إعادة بنائه للمستقبل، وتركنا وصفة الحرب القادمة بين أيدي أطفالنا.
طالما فكرت في مخرج من ذهنية الاصطفاء، ولم يكن أمامي من حلول متاحة وممكنة إلا العمل الجماعي على تفكيك هذه الذهنية أولا، استعادة قيم المواطنة والمساواة والعدالة والكرامة وقيم حقوق الانسان، وإعطائها الأولوية باعتبارها غير قابلة للمساومة، ولا التجزئة، ولا التأجيل، هذه القيم ليست شعارات مجردة، أعتقد أن تحقيقها هو المسار الذي يمكن أن يمضي بنا إلى بلد يكون وطنا لجميع أبنائه، وطن حر وكريم ومستقر.
Loading ads...
في النهاية، أعتقد أن "شعوب الله المختارة" مجرد محاولة يائسة للهروب من الخوف، والفشل، والضعف، بادعاء الاصطفاء. لكن هذا الادعاء لن ينتج خلاصا، بل مزيدا من العنف والانقسام. وبالتالي لن ينقذنا أن نكون في الصدر، ولا أن نختار القبر، ولا أن يتم اختيارنا إلهيا، بل بالخروج من هذه الثنائيات القاتلة إلى مساحة ثالثة، مساحة لا يحتاج فيها أحد أن يكون "مختارا" ليكون آمنا، ولا أن يكون "أفضل" كي يكون مزدهرا، نحتاج لمساحة نبدأ فيها من فكرة اكثر بساطة ورحابة وهي أن نتخلى عن فكرة أننا "مختارون"، لأننا رغم كل شيء بشر متساوون، وكلنا مواطنون سوريون.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
الاعتقال بوصفه جزءاً من هويتنا الوطنية
منذ ساعة واحدة
0
شعوب الله المختارة
منذ ساعة واحدة
0

