6 أشهر
يوم 28 تشرين الثاني.. حين طرقت فصائل "ردع العدوان" أبواب حلب
الجمعة، 28 نوفمبر 2025
في اليوم الثاني لـ معركة "ردع العدوان" (الخميس 28 تشرين الثاني 2024)، بدا واضحاً أن ما جرى لم يكن مجرّد هجوم مباغت ناجح، بل بداية تغيّر حقيقي في موازين القوى شمال غربي سوريا.
خلال 24 ساعة إضافية، تحوّل التقدّم التكتيكي إلى إنجازات استراتيجية: قطع الطريق الدولي (M5)، الاقتراب من مدينة حلب، فتح محاور في ريف إدلب، توسّع رقعة المعركة سياسيّاً وإعلاميّاً داخل سوريا وخارجها.
من ريف حلب إلى طريق الـM5
مع انبلاج فجر اليوم الثاني، كانت فصائل "إدارة العمليات العسكرية" قد ثبّتت مكاسب اليوم الأول في "الفوج 46" وحزام البلدات والقرى المحيطة به في ريف حلب الغربي، وبدأت تتحرك من مرحلة التوغّل المحدود إلى مرحلة تشكيل طوقٍ أوسع حول حلب.
وخلال هذا اليوم، سُجّل تقدّم متزامن على محورين رئيسيين:
محور ريف حلب الغربي: سيطرت فصائل "ردع العدوان" على مزيد من المناطق والنقاط بعد "الفوج 46"، من بينها: "كفرناها، ميزناز، كفر داعل، كفربسين، أرناز، كفرجوم، المهندسين، البرقوم، بابيص، كفر حلب (الاستراتيجية)"، وصولاً إلى تخوم بلدتي نبل والزهراء من جهة، ومحيط منطقتي الأتارب-دارة عزة من جهة أخرى.
التغطية الحية
وكان التقدّم في الجنوب الغربي نجو بلدتي الزربة وخان العسل هو التطور الأبرز، إذ جعل الطريق الدولي حلب-دمشق (M5) تحت نيران الفصائل أولاً، ثم مقطوعاً عملياً بسيطرتها على هاتين العقدتين الأساسيتين، إضافةً إلى كتلة الشؤون الإدارية وعقدة "عالم السحر".
محور ريف إدلب: بالتزامن، فتحت "إدارة العمليات العسكرية" نيراناً تمهيدية كثيفة على أطراف سراقب في الريف الشرقي، ومحيط طريق الـM5.
وجاء ذلك بالتوازي مع تقدّم بري نحو (داديخ، كفربطيخ، الشيخ علي)، وهي بلدات وقرى تقع على مسافة كيلومترات قليلة غربي الطريق الدولي، تزامناً مع هجومٍ استهدف مواقع قوات النظام في جبل الزاوية بالريف الجنوبي.
"خلف خطوط العدو".. النقطة الحاسمة
في خلفية هذا التقدّم السريع، كانت كتائب "العصائب الحمراء" -وحدات النخبة الانغماسية في "هيئة تحرير الشام"- قد وصلت إلى ذروة نشاطها خلال الفترة الممتدة بين 19 و28 تشرين الثاني، ضمن عمليات "خلف خطوط العدو".
مجموعة صغيرة من ثمانية مقاتلين بقيادة "أبو حسن الحمصي"، تمكّنت من التسلّل والتغلغل لأيام بين نقاط نظام الأسد والميليشيات الإيرانية غربي حلب، قبل تنفيذها ضربات متزامنة على خمس نقاط حسّاسة داخل المدينة وحولها.
وكانت الضربة التي قصمت ظهر النظام وإيران، مقتل "كيومرث بورهاشمي" (الحاج هاشم)، أحد أبرز مستشاري "الحرس الثوري" الإيراني في حلب، إثر استهداف غرفة العمليات المشتركة (اللجنة الأمنية والعسكرية، "الفرقة 30/ حرس جمهوري")، إضافة إلى مقتل قائد "غرفة عمليات قبتان الجبل" التابعة للنظام.
هذه الضربات أربكت منظومة قيادة "الأسد" وحلفائه في الجبهة الشمالية، ما أدّى إلى انهيار خطوط النظام بسرعة عند بدء الهجوم العام، وهو ما يفسّر -وفق مراقبين- تسارع تقدّم فصائل "ردع العدوان" في اليومين الأولين من المعركة.
اليوم الثاني شهد استثماراً مباشراً لهذه الاختراقات، إذ تحرّكت وحدات الاقتحام التابعة لـ"إدارة العمليات العسكرية" من "الفوج 46" وجبل الشيخ عقيل وجبهة الأتارب في مساحة ميدانية سبق أن "نُظّفت" من بعض مراكز الرصد والقيادة، ما خفّض قدرة قوات النظام على تنظيم دفاعٍ متماسك.
"خسائر قوات نظام الأسد وميليشياته"
أعلن حسن عبد الغني -الناطق باسم "إدارة العمليات العسكرية"- أن فصائل "ردع العدوان" قتلت 25 ضابطاً وعنصراً من قوات النظام والميليشيات الإيرانية، وأسرَت ضابطاً و11 عنصراً في محيط "الفوج 46"، كما استولت على 12 دبابة (بينها T72)، وعربتي "BMP"، وستة رشاشات، ومدافع هاون، وصواريخ مضادة للدروع.
"العملية لا سقف لها"
القائد العسكري بإدارة العمليات العسكرية يتحدث لـ #تلفزيون_سوريا(link is external) عن أبرز أهداف عملية #ردع_العدوان(link is external) التي أطلقتها فصائل المعارضة ضد قوات النظام بريف #حلب(link is external) الغربي#نيوميديا_سوريا(link is external) pic.twitter.com/UhKK2E5Qe9(link is external)
— تلفزيون سوريا (@syr_television) November 27, 2024(link is external)
وأشار "عبد الغني" مجدّداً، إلى أنّ العملية تهدف إلى إبعاد خطر ميليشيات إيران وقوات النظام عن المناطق المأهولة، وتهيئة الظروف لعودة نحو 100 ألف مهجّر إلى ديارهم.
"ردّ النظام وحلفائه.. قصف المدنيين"
أمام هذا الانهيار، لجأ نظام الأسد وحلفاؤه إلى الردّ الذي بات مألوفاً: معاقبة الحاضنة المدنيّة، فقد شنّوا حملة قصف انتقامية واسعة طالت 16 مدينة وبلدة في ريفي حلب وإدلب، بالصواريخ وقذائف المدفعية والبراميل المتفجرة، إلى جانب ذخائر عنقودية محرّمة دولياً.
وأدّى القصف إلى مقتل مدنيين بينهم طفل، وإصابة أكثر من 20 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال، في منطقتي الأتارب ودارة عزة، ما دفع آلاف العائلات إلى النزوح نحو عمق إدلب والشريط الحدودي مع تركيا.
بالتوازي، كثّفت الطائرات الروسية غاراتها على (سرمين، مجدليا، النيرب) شرقي إدلب، في محاولة لوقف الضغط على سراقب وعقدة الـM5 من الجهة الأخرى، وهكذا بدأت منذ اليوم الثاني تتشكل "معادلة ردع مضاد": كل تقدّم للفصائل يقابله تصعيد ضد المدنيين في العمق المحرّر.
"تحوّل استراتيجي.. انهيار اتفاق 2020"
اختراق خطوط التماس في ريف حلب الغربي، ثم الاقتراب من مطار النيرب وبلدتي نبل والزهراء في الريف الشمالي، جعل الوجود الإيراني في الشمال تحت ضغط مباشر، خاصةً بعد تلقّي ميليشياتها ضربات "إسرائيلية" قاصمة في لبنان وإيران، خلال الأسابيع السابقة.
على المستوى الاستراتيجي، بدا واضحاً أن اتفاق وقف إطلاق النار الموقع، في آذار 2020، قد أصبح من الماضي، وأن معركة "ردع العدوان" باتت اختباراً لمآلات "التطبيع التركي-الأسدي" وحدود قدرة روسيا -المنشغلة في أوكرانيا- على حماية نفوذها في سوريا.
"تحرّك سياسي.. من تبرير العملية إلى استثمارها"
مع اتساع رقعة "ردع العدوان" في اليوم الثاني، تحرّكت الساحة السياسية على مستويين:
موقف المعارضة السورية
أصدر "الائتلاف الوطني" بياناً، في 28 تشرين الثاني، أكّد فيه أن العملية جاءت استجابةً لـ"الاعتداءات اليومية"، التي نفذها نظام الأسد والميليشيات الإيرانية على الشمال السوري، واستهداف المدارس والمنشآت المدنية، وأن هدفها الأساسي "حماية المدنيين وتأمين عودة النازحين".
تزامن ذلك مع تصريحات شخصيات معارضة ومحلّلين أكدوا أن العملية ليست "مغامرة فصائلية"، بل محاولة لاستعادة زمام المبادرة وفرض وقائع يمكن البناء عليها لاحقاً.
كذلك أصدر "تجمّع القوى المحلية في السويداء" بياناً أكّد فيه على "موقفه الداعم للثورة السورية المباركة ضد نظام الأسد المجرم وأعوانه المرتزقه وشذاذ الNفاق الذين نكلوا بالشعب السوري ودمروا مدنه وقراه، وهجّروه وأصبح لاجئاً في كل شتات الأرض".
مواقف دولية وإقليمية
أصدرت الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا بياناً مشتركاً يدعو إلى وقف التصعيد، ويذكّر بضرورة الحل السياسي وفق "القرار 2254"، دون تبنٍّ واضح لرواية النظام أو المعارضة، في إشارة إلى رغبة غربية في احتواء التصعيد، لا حسمه لصالح أحد الطرفين.
أمّا تركيا (الضامن الأبرز للمعارضة في أستانا وسوتشي)، التزمت الصمت العلني في اليومين الأولين، مع تقارير عن إرسال تعزيزات إلى مناطق عملية "درع الفرات" (ريفا حلب الشمالي والشرقي) ونقاط المراقبة في إدلب، ما فُهم على أنه استعداد للتعاطي مع أي توسع غير منضبط للمعركة أو محاولات التفاف من نظام الأسد.
لكنّ وكالة "رويترز" نقلت عن مصادر أمنية تركية، أنّ "عملية (ردع العدوان) تهدف إلى استعادة سيطرة الفصائل على الجزء الشرقي من إدلب حتى الحدود المتفق عليها أصلاً بين تركيا وروسيا وإيران"
كيف نظر السوريون إلى اليوم الثاني؟
في المناطق المحرّرة: تصاعدت موجة الفرح والحماس مع توالي أنباء التقدّم، وبرزت تعبيرات واضحة عن "استعادة الثقة" بعد سنوات من الجمود، إلى جانب نقاشات واسعة حول أداء "إدارة العمليات العسكرية" بوصفها "حكومة حرب" أكثر مأسسة وتنظيماً.
في مناطق سيطرة نظام الأسد: تحدّثت تسريبات وشهادات عن تدنّي معنويات الجنود، واستعداد كثيرين للاستسلام أو الانسحاب عند أول فرصة، وهو ما أكدته تسجيلات لأسر مجموعات كاملة، في المقابل، تزايد خوف المدنيين الموالين أو المحايدين من احتمال وصول المعارك إلى أحياء حلب الغربية أو الساحل السوري.
كذلك، عادت الساحة السورية إلى صدارة النقاش العربي، وسط تحليل يرى في "ردع العدوان" لحظة لإعادة تقييم جدوى العمل المسلّح، وإمكانية إسقاط نظام الأسد عسكرياً، بعد ظنّ كثيرين أنّ ذلك أصبح مستحيلاً.
ومع نهاية اليوم الثاني، أصبحت فصائل "ردع العدوان" على بُعد نحو "كيلومتر واحد" من مدينة حلب، بعد السيطرة على أكثر من 35 قرية ونقطة عسكرية في ريفها الغربي، بمساحة تُقدّر بنحو 200 كيلومتر مربع، حيث لم يكن هذا التغيير جغرافياً فحسب، فقطع الطريق الدولي (M5)، يعني خنق شريان الإمداد الأهم للنظام والميليشيات الإيرانية شمالاً.
يمكن القول إنّ اليوم الثاني من معركة "ردع العدوان"، كان "يوم تثبيت المعادلة الجديدة": تحوّل الاختراق إلى طوق يقترب من حلب، قطع الـM5، قضم مناطق في ريف إدلب الشرقي، فضلاً عن انتهاء عملي لمرحلة خطوط التماس المجمّدة، منذ 2020، وبدء مرحلة اختبار جدّي لدور إيران وروسيا وتركيا في الشمال السوري.
ومع مغيب شمس يوم (28 تشرين الثاني 2024)، لم تعد الأسئلة تُطرَح حول إمكانية استمرار المعركة، بل حول مدى ما يمكن أن تذهب إليه، وهل ستُفتح أبواب حلب كاملة في الأيام المقبلة أمام فصائل "ردع العدوان"؟
Loading ads...
نعم، لقد ترسّخت قناعة لدى شرائح واسعة من السوريين بأنّ ميزان القوة لم يعد مغلقاً كما كان يُظن، وأن الأيام اللاحقة قد تحمل تحوّلات أعمق بكثير، وهو ما ستوثّقه تقارير الأيام المقبلة عن معركة الـ12 يوماً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


