في هذا المقال، يشعر كثير من الآباء والأمهات بالقلق عند ارتفاع حرارة طفلهم الرضيع، ويتردد السؤال الشائع: هل إعطاء الرضيع الباراسيتامول آمن فعلًا أم قد تكون له آثار صحية خفية على المدى القريب أو البعيد؟ بين النصائح المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي والمعلومات الطبية المتناقلة شفهيًا، يصبح من الصعب التمييز بين الحقائق العلمية والمخاوف غير المبنية على أدلة. لذلك نستعرض هنا أحدث ما توصلت إليه الأبحاث الموثوقة حول هذا الموضوع، ونشرح الأرقام والنتائج بلغة واضحة تساعد الأهل على اتخاذ قرارات مطمئنة ومدروسة لصحة أطفالهم.
خلفية الخبر وأهميته للصحة العامة
يثير موضوع إعطاء الرضيع الباراسيتامول قلقًا لدى كثير من الأهالي، خاصة مع انتشار معلومات متداوَلة تربط بين استخدام بعض خافضات الحرارة في سن مبكرة وارتفاع الإصابة بمشكلات تحسسية أو تنفسية لاحقًا. وقد جاءت نتائج تجربة سريرية حديثة نُشرت في مجلة The Lancet Child & Adolescent Health لتقدّم بيانات قوية من واقع البحث العلمي حول هذه المخاوف. أُجريت الدراسة في New Zealand على عيّنة كبيرة من الرضع خلال عامهم الأول.
تكمن أهمية هذه النتائج في أن إعطاء الرضيع دواء الباراسيتامول يُعد ممارسة شائعة جدًا حول العالم للتعامل مع الحمى أو الألم بعد التطعيمات أو أثناء نزلات البرد، ولذلك فإن أي ارتباط محتمل بمضاعفات مثل الإكزيما (Eczema) أو التهاب القصيبات (Bronchiolitis) ستكون له تبعات واسعة على الصحة العامة. النتائج الحديثة تساهم في تصحيح الصورة المبنية أحيانًا على دراسات رصدية سابقة أقل قوة من حيث تصميمها العلمي.
تصميم الدراسة ومنهجيتها
من المهم فهم كيف صُممت الدراسة، لأن قوة المنهجية تعطي ثقلًا للاستنتاجات المتعلقة بسلامة إعطاء الرضيع الباراسيتامول.
شملت الدراسة 3,923 رضيعًا تقل أعمارهم عن 8 أسابيع عند بدء المتابعة.
جرى توزيعهم عشوائيًا إلى مجموعتين لتلقي أحد الأدوية المخفضة للحرارة عند الحاجة للحمى أو الألم حتى عمر سنة.
أُجريت الدراسة في عدة مراكز بحثية بين عامي 2018 و2023.
استُخدم تحليل “النية للعلاج” (Intention-to-treat)، وهو أسلوب إحصائي يحافظ على التوزيع العشوائي ويقلل التحيّز.
هذه المعايير تجعل النتائج المتعلقة بمسألة إعطاء الرضيع الباراسيتامول أكثر موثوقية مقارنة بدراسات اعتمدت فقط على ملاحظة السلوك الدوائي للأهل دون ضبط العوامل المؤثرة.
هل إعطاء الرضيع الباراسيتامول يسبب الإكزيما؟
تجدر الإشارة إلى أن تشخيص الإكزيما (Eczema) في هذه الدراسة استند إلى معايير سريرية معتمَدة إضافة إلى حالات الدخول للمستشفى أو الحاجة للعلاج.
ظهَرت الإكزيما لدى نحو 16.2% من الرضّع في إحدى المجموعتين مقابل 15.4% في المجموعة الأخرى.
الفرق المطلق في الخطر بلغ 0.8% فقط.
فاصل الثقة 95% تراوح بين -1.5 و3.1، ما يعني أن هذا الفرق قد يكون مصادفة.
قيمة الدلالة الإحصائية كانت 0.29، وهي غير دالة إحصائيًا.
هذه النتائج تشير إلى عدم وجود زيادة ذات معنى في احتمال حدوث الإكزيما مرتبطة بمسألة إعطاء الرضيع الباراسيتامول خلال السنة الأولى من العمر، وأن الفروق المسجلة لا ترقى إلى مستوى دلالة إحصائية يمكن البناء عليها علميًا.
النتائج المتعلقة بالتهاب القصيبات
قبل النقاط، من المهم توضيح أن التهاب القصيبات (Bronchiolitis) شمل الحالات التي تطلبت دخول المستشفى بسبب عدوى فيروسية تنفسية أو وجود صفير تنفسي مرتبط بالفيروسات أو الربو (Asthma).
بلغت نسبة الإصابة بالتهاب القصيبات نحو 4.9% في مجموعة مقابل 4.3% في المجموعة الأخرى.
الفرق المطلق في الخطر كان 0.7% فقط.
فاصل الثقة 95% تراوح بين -0.6 و2.0.
قيمة الدلالة الإحصائية بلغت 0.21، ما يعني عدم وجود فرق معتبر.
عمليًا، لا يوجد دليل علمي يدعم أن إعطاء الرضيع الباراسيتامول يزيد من احتمال التهاب القصيبات خلال العام الأول، وهو ما يبدد مخاوف شائعة لدى بعض الأهالي.
السلامة والآثار الجانبية الخطيرة
يجب التنبيه إلى أن الأحداث السلبية الخطيرة نادرة عمومًا في هذه الفئة العمرية، لكن رصدها مهم لتقييم الأمان الدوائي.
سُجلت 19 حالة أحداث سلبية مهمة بين 17 رضيعًا فقط.
شملت الحالات فشلًا كلويًا (Renal Failure)، أو نزفًا هضميًا (Gastrointestinal Bleeding)، أو عدوى بكتيرية خطيرة (Serious Bacterial Infection).
لم تُعزَ أي حالة من هذه الحالات مباشرة إلى الدواء المستخدَم في الدراسة.
لم يظهَر فرق ذو دلالة إحصائية بين المجموعتين في هذا المجال.
ندرة هذه الحالات وعدم ارتباطها المباشر بالدواء يعززان الاستنتاج بأن إعطاء الرضيع الباراسيتامول آمن نسبيًا على المدى القصير والمتوسط عند الالتزام بالجرعات الموصى بها وفق الوزن والعمر.
ماذا تعني النتائج للأهل والطاقم الطبي؟
من المفيد ربط النتائج بالواقع اليومي في المنزل أو العيادة. لذا تعني هذه النتائج للأهل والطاقم الطبي الآتي:
يمكن اتخاذ قرار إعطاء خافض الحرارة بناءً على فعاليته في تخفيف الألم أو الحمى دون خوف مبالَغ فيه من حدوث آثار تحسسية أو تنفسية.
الالتزام بالجرعات الصحيحة عامل أساسي لتقليل المخاطر المحتملة.
استشارة المختصين ضرورية عند استمرار الأعراض أو تفاقمها.
في ضوء هذه المعطيات، يظهَر أن إعطاء الرضيع الباراسيتامول هو ممارسة يمكن الاطمئنان إليها نسبيًا عندما تتم وفق الإرشادات الطبية.
نصيحة من موقع صحتك
يَنصح موقع صحتك الأهل بعدم اللجوء إلى خافضات الحرارة عند كل ارتفاع بسيط في درجة الحرارة عند الأطفال، لأن الحمى أحيانًا تكون جزءًا من استجابة الجسم المناعية. ويؤكد الموقع على أهمية مراقبة حالة الرضيع العامة مثل مستوى النشاط والرضاعة والنوم، وعدم الاكتفاء برقم قياس الحرارة وحده. كما يشدد على قراءة النشرة الدوائية بدقة لتفادي أخطاء الجرعات، لأن سوء الاستخدام يمثل عامل الخطر الأكبر، وليس إعطاء الرضيع الباراسيتامول بحد ذاته عند استخدامه بشكل صحيح.
Loading ads...
نهايةً، تُظهر الأدلة المستقاة من تجربة سريرية واسعة متعددة المراكز أن إعطاء الرضيع الباراسيتامول خلال السنة الأولى من العمر لا يرتبط بزيادة الإصابة بالإكزيما أو التهاب القصيبات، ولا بارتفاع ملحوظ في الأحداث السلبية الخطيرة عند الالتزام بالجرعات الموصى بها. عمليًا، يمكن للأهل وفرق الرعاية الصحية اتخاذ قراراتهم العلاجية بثقة أكبر، مع التأكيد الدائم على أن الاستخدام الرشيد للأدوية والالتزام بالإرشادات الطبية يظل العامل الحاسم في حماية صحة الرضع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





