6 أشهر
انضباط مقاتلي ردع العدوان.. ما خلفياته وكيف انعكس على مجريات المعركة؟
الجمعة، 28 نوفمبر 2025
مع التقدّم السريع الذي حقّقته فصائل المعارضة في عملية "ردع العدوان"، برزت تساؤلات واسعة حول السرّ وراء الانضباط اللافت الذي اتسم به مقاتلو العملية على امتداد خطوط الاشتباك. وتشير شهادات ميدانية حصل عليها موقع تلفزيون سوريا إلى أن إدارة العمليات فرضت سلوكاً قتالياً صارماً التزم به معظم المقاتلين بدافع عقائدي ومعنوي، ما مكّن من تحقيق تقدّم سريع وتجنب كثير من الانتهاكات. ويعود ذلك إلى نجاح هيئة تحرير الشام وائتلاف الفصائل المشاركة في توحيد الجهود العسكرية ضمن قيادة مركزية، إضافة إلى الحالة الشعبية الواسعة الدافعة نحو إسقاط النظام والوصول إلى دمشق.
تعليمات سلوكية وأخلاقية صارمة
ووفقاً لثلاثة عسكريين شاركوا في عملية "ردع العدوان" وتحدثوا لـ موقع تلفزيون سوريا: فقد كانت التعليمات التي أصدرتها القيادة العسكرية بما يخص التعاطي الميداني مع الأسرى والجنود الفارين ومناطق الأقليات صارمة جداً.
وتتفق المصادر الثلاثة على أن هذه التعليمات الصادرة عن القيادة الموحدة للعملية تمثلت بضرورة معاملة الأسرى وفق المنظور الشرعي والقانون الدولي الإنساني، وتجنب أي انتهاك بحق سكان المدن التي تحوي أقليات، وعدم دخول المتاجر الخاصة أو سرقتها لأي سبب كان، وهي تعليمات أدت إلى المساهمة في تسهيل عمليات التحرير ودخول مناطق عديدة ضمن تفاهمات مع القيادة لتجنب المعارك وتبعاتها الدموية.
يؤكد المقاتل "أبو عبدو" (تحفظ على ذكر اسمه الحقيقي) الذي شارك في العملية ضمن تشكيل "أنصار التوحيد"، بأن جميع العناصر الذين يعرفهم التزموا بالتعليمات رغم أن بعض هذه الأوامر لم تكن مقنعة لهم.
ويشير لـ موقع تلفزيون سوريا إلى أن بعض العناصر حاولوا القيام بإعدامات ميدانية لجنود النظام الذين ألقوا أسلحتهم، لكن الشرعيين الذين كانت مهمتهم مراقبة أداء العسكريين تمكنوا من منع هذه الإعدامات، بل تم إطلاق سراح الجنود بعد التأكد من عدم حيازتهم للسلاح.
يوضح أبو عبدو الذي شارك بالمعارك بدءاً من سراقب وانتهاء بدخول دمشق: "كان مئات العناصر من جنود النظام ومن بينهم مجموعة كبيرة من الضباط يسيرون على الطريق الدولي دمشق - حلب بدون سلاح مشياً على الأقدام، فقد سُمح لهم بمغادرة قطعاتهم العسكرية بعد استسلامهم والتوجه إلى قراهم الأصلية".
ويضيف: "كانت الأوامر تستلزم خوض المعارك بأقل كلفة بشرية من الطرفين، ولم يسمح لأي مقاتل بالاقتراب من عناصر جيش النظام الملقين للسلاح.
في حين أشار إلى انتهاكات محدودة شهدها خلال المعركة مثل "تصفية أحد الضباط الذي كان يحمل كمية كبيرة من المال، لكنها جرت دون علم القيادة أو الشرعيين وهي حالات قليلة وفردية"، وفقا لتعبير المقاتل.
الالتزام التام سَهَّل عمليات التحرير
رغم عدم قناعة جزء من العسكريين بالتعليمات التي تخص تجنب إراقة الدماء وغيرها، إلا أن المسار العام للعمليات كان خالياً إلى حد كبير من أي انتهاكات، وهو مسار عززته معطيات عديدة يشرحها "أبو إسلام" القيادي العسكري ضمن هيئة تحرير الشام والعضو السابق في المكتب الشرعي للهيئة الذي تحول حالياً إلى نواة لهيئة التوجيه المعنوي خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا.
يكشف أبو إسلام أن من أسباب الالتزام التام بهذا "المسار النظيف"، هو القيادة الموحدة للعمليات التي كانت تتم وفق سياق مركزي، فلا وجود لقرارات عشوائية أو غير مدروسة، ولا لتصرفات أو خطط خارج هذا السياق.
ويضيف بأن الهيئة والفصائل المقربة منها مثل أحرار الشام وجيش العزة وأنصار التوحيد والحزب الإسلامي التركستاني، "قاموا على مدار أربع سنوات بالعمل على التجهيز الكامل لهذه المعركة، سواء من تدريب عسكري أو كسب ولاء المقاتلين أو تربيتهم على مفهوم "السمع والطاعة" عبر المكاتب الشرعية التي كانت تقوم بدور مراكز التوجيه المعنوي في الجيوش النظامية".
ويتابع قائلاً: "كان هناك تركيز كبير على سرعة الإنجاز فكان الاهتمام الأول هو تحرير المناطق والتقدم نحو مناطق جديدة دون الالتفات لأمور الغنائم والانتقام.. كان جنود كثيرون يرمون وراءهم كل المطامع والغايات في سبيل تحقيق الهدف الرئيسي المتمثل بتحرير أكبر قدر ممكن من المناطق قبل أن يسبقهم جيش النظام إلى التمترس وتجهيز دفاعات قوية، وبالتالي يصعب اختراقه".
ويوضح أبو إسلام أن "من شارك بمعركة التحرير هم النخبة والصفوة من الهيئة وبقية الفصائل، نظراً لأن الانكسارات العسكرية السابقة أدت إلى تضعضع قسم من المقاتلين معنوياً، فتم اختيار النخبة ممن بايع على النصر أو الشهادة من المقاتلين تلافياً لأي انكسار معنوي".
ويؤكد أن "هذا الالتزام وسير العمليات بصفر انتهاكات تقريباً، سهل عمليات تحرير المناطق بالأخص البلدات التي تحوي أقليات دينية مثل محردة والسقيلبية وغيرها، فقد لاحظ سكان هذه المناطق أن القوات المحرِّرة لا تقدم على تنفيذ إعدامات ميدانية وتطلق سراح الجنود المستسلمين، ما حفزها على توقيع اتفاقيات صلح مكنت الثوار من دخولها دون قتال أو إراقة الدماء".
ولم تتعرض مناطق الأقليات لأي انتهاكات تذكر، بحسب أبو إسلام، الذي يؤكد أن إحدى قرى الساحل استعصت قليلاً على الثوار لكن سرعان ما استسلم الجنود المتمركزون فيها، في حين تم دخول الفصائل إلى بقية القرى العلوية من دون قتال، أما القرى المسيحية فكانت مسالمة تماماً خاصة مع البيانات التي كانت تصدرها إدارة الشؤون السياسية حول الأقليات وصيانة دمائها، والتي كانت تحولاً كبيراً ولافتاً في الخطاب السياسي والديني، وهو خطاب قوبل بنوع من الامتعاض من قبل قسم من المقاتلين وبالأخص المنتمين لتشكيلات متشددة كانت تقاتل إلى جانب الهيئة في المعركة، وفقا لرواية المصدر.
وبخصوص الأسرى، يكشف أبو إسلام بأن قسماً منهم كان يتم إرساله إلى إدلب، لكن القسم الأكبر وخصوصاً بعد حالات الاستسلام الجماعي لجنود النظام كان يتم ضبط سلاحه ثم إطلاق سراحه وتركه يذهب في حال سبيله، مؤكداً أنه لم يتعرض المقاتلون للأسرى لا ضرباً ولا إهانةً، بل كان المقاتلون يعاملونهم بشكل إنساني، الأمر الذي شجع مئات الجنود على ترك القتال وتسليم السلاح.
من كان يراقب سلوكيات مقاتلي ردع العدوان؟
كان تجميع الشرعيين وتزويدهم بتعليمات حول ضبط إيقاع السلوك العسكري أحد المهام التي اضطلع بها رئيس المكتب الشرعي في الهيئة حينها مظهر الويس الذي يشغل منصب وزير العدل حالياً، وبالموازاة مع جهود الويس كانت المكاتب الشرعية لبقية الفصائل تسير على نفس الخط.
يشرح أبو المجد وهو مقاتل شارك في عملية ردع العدوان بوصفه عضواً في المكتب الشرعي لحركة أحرار الشام كيف كان وزملاؤه الشرعيون يعملون على وقف أي انتهاك من المقاتلين "تنفيذاً للتعليمات التي حثت على إظهار روح الإسلام وتعاليمه الحميدة سواء مع سكان المناطق التي يتم تحريرها أو مع الجنود المستسلمين".
ويضيف خلال حديث لـ موقع تلفزيون سوريا: "كان في كل كتيبة قتالية فريق من الموجهين الشرعيين والمعنويين يتابعون المقاتلين أول بأول، تلافياً لأي تجاوز ترفضه القيادة العسكرية".
Loading ads...
ويتابع بأن من يقوم بأي تجاوز للتعليمات وهي حالات كانت نادرة، كان يخضع للمعاقبة عبر حرمانه من الاستمرار في القتال، لافتاً إلى أن "الرادع الحقيقي كان معنوياً أكثر من كونه خوفاً من المساءلة، لأن الحالة العامة في أثناء المعركة كانت توجهاً عارماً للحفاظ على المكتسبات من جهة، والاستمرار في معركة التحرير وإسقاط النظام من جهة أخرى". مؤكدا بالقول: " كانت البلدات والمدن تتهاوى بلمح البصر. لم نكن نصدق ما يحدث وأمام هول وتاريخية المشهد لم يكن هناك مجال لأي محاولات سرقة أو قتل أو انصراف نحو جني الغنائم حتى".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


