شهر واحد
"لا تنظروا إلى وطنكم من خلال أيديولوجياتكم".. ميشيل كيلو في ذكرى رحيله الخامسة
الإثنين، 20 أبريل 2026
بعد سنوات من النضال السياسي ومواجهة الاستبداد، رحل المفكر السوري ميشيل كيلو في مثل هذا اليوم قبل 5 سنوات، في أحد مستشفيات باريس، بعد مسيرة طويلة قضّاها في الدفاع عن حرية السوريين والدعوة إلى دولة تقوم على المواطنة وتجاوز الانقسامات الأيديولوجية.
لم يكن رحيله مجرد نهاية لمسيرة معارض بارز، بل بدا وكأنه لحظة تثبيت لفكرةٍ ظل يرددها طوال حياته: أن سوريا أكبر من أن تُحصر في مشروع سياسي واحد أو رؤية ضيقة. وفي وصية كتبها على سرير المرض في 7 من نيسان 2021، لخّص خلاصة تجربته الطويلة قائلاً: "لا تنظروا إلى وطنكم من خلال أهدافكم وأيديولوجياتكم، بل انظروا إليها من خلال وطنكم".
اليوم، في الذكرى الخامسة لرحيله، تعود هذه العبارة لتبدو أكثر من مجرد قول أخير؛ إنها اختبار مفتوح أمام السوريين في مرحلة إعادة بناء الدولة وما يرافقها من أسئلة الهوية والوحدة والعدالة الانتقالية. فبين انقسام التجارب وتعدد المشاريع، تظل وصية كيلو تذكيراً بأن الوطن ليس أداة لتمرير الأفكار، بل هو المرجعية التي تُقاس بها كل الأيديولوجيات.
ولد ميشيل كيلو في 7 من كانون الثاني 1940 في اللاذقية، في أسرة مسيحية متواضعة؛ لأب شرطي وربة منزل. نشأ في بيئة ثقافية واسعة، وتلقى تعليمه في مدينة اللاذقية قبل أن يعمل في وزارة الثقافة والإرشاد القومي. درس الصحافة في مصر وألمانيا، وبرز ككاتب ومترجم بارع، إذ نقل إلى العربية أعمالاً مهمة في الفكر السياسي والاجتماعي مثل "الإمبريالية وإعادة الإنتاج" و "من هيجل إلى نيتشه".
انخرط مبكراً في العمل السياسي، حيث انتسب لفترة قصيرة إلى الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي في شبابه، ثم غادره. كان من أوائل الذين انتقدوا تدخل حافظ الأسد العسكري في لبنان عام 1975، وفي عام 1979 اتهم السلطة في لقاء مع قيادة الجبهة الوطنية التقدمية "بالقضاء على حقوق السوريين وحرياتهم"، مما أدى إلى اعتقاله عام 1980 لمدة عامين وعدة أشهر، غادر بعدها مع عائلته إلى فرنسا عام 1986، حيث استمر في الكتابة والترجمة، قبل أن يعود إلى سوريا عام 2000.
مع تولي الرئيس المخلوع بشار الأسد الحكم عام 2000، شارك كيلو في "ربيع دمشق" الذي أعطى أملاً مؤقتاً بالإصلاح، وقتها كان عضواً في لجان إحياء المجتمع المدني، ورئيس مركز "حريات" للدفاع عن حرية الرأي والتعبير.
شارك في صياغة "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" عام 2005، الذي جمع طيفاً واسعاً من المعارضة يدعو إلى إنهاء حالة الطوارئ، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإقامة نظام تعددي.
وفي أيار 2006، وقّع على "إعلان بيروت دمشق" الذي دعا إلى تطبيع العلاقات السورية اللبنانية، فاعتُقل في 14 من أيار 2006 بتهم "إضعاف الشعور القومي" و"إثارة النعرات المذهبية"، إذ حكمت عليه المحكمة العسكرية بالسجن ثلاث سنوات، وأُفرج عنه في أيار 2009.
استمر نضال كيلو في السجن أيضاً، إذ كتب مقالاً بعنوان "قصة اعتقالي واتهامي" يرفض فيه أن يكون الإعلان السبب الوحيد، مؤكداً أن النظام ينتقم من أي صوت يدعو إلى الحرية.
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، كان كيلو من أبرز المثقفين الذين أيدوها علناً، حيث شارك في اجتماعات المعارضة، وانضم إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ودعا إلى انتقال سلمي ديمقراطي، لكنه انتقد بشدة تشرذم المعارضة وتدخلات القوى الإقليمية والدولية التي حوّلت الثورة إلى "حرب بالوكالة".
كان يرى أن السوريين أنفسهم هم صانعو الثورة، ولا يجب أن يُسرقوا منها. وخلال سنوات المنفى في باريس، استمر كيلو في الكتابة والتحليل، يحذّر من مخاطر الطائفية والانتقام، ويؤكد أن الديمقراطية هي المخرج الوحيد من الاستبداد.
لم تكن الوصية آخر ما تركه كيلو، قبل رحيله بأشهر قليلة، أصدر عمله الفكري الأضخم: ثلاثة مجلدات قاربت صفحاتها الألف، بعنوان "من الأمة إلى الطائفة – سورية في حكم البعث".
في ثلاثة كتب قاربت صفحاتها الألف، قدم ميشيل كيلو سورية بعد استقلالها الأول. جلّ تركيزها كان على ما فعله "الفرد" الأسد بسورية؛ وأقام "الدولة الأسدية" التي عبثت بسورية الوطن، فألغت الإنسان والوطن. تقع هذه المجلدات في ثلاثة أجزاء تحت عنوان: (من الأمة إلى الطائفة – سورية في حكم البعث): الأول من عام 1947 حتى 1966، والثاني من عام 1966 حتى 1970، والثالث من عام 1970 حتى قيام ثورة سورية 2011.
يشرح أيضاً كيف صُمم الدستور والقوانين لتكون أدوات قمع مقوننة: قوانين متناقضة بقصد، تسمح بالالتفاف والفساد، فتصبح "قانون الرعب" هو السائد، وقانون الحقيقي غائباً.
كان الارتباط بالأجهزة الأمنية ولو بأدنى مراتبه هو مفتاح الوجود في "مجتمع الحرمان" هذا، حيث حوّل النظام سوريا من مشروع أمة إلى بنية طائفية مغلقة، حيث يحل الولاء الأمني محل المواطنة، ويُلغى الفرد لصالح الطاعة.
بهذا العمل، جسّد كيلو وصيته عملياً: لم ينظر إلى سوريا من خلال أيديولوجيا بعثية أو يسارية أو ليبرالية، بل نظر إليها من خلال الوطن المسروق، فكشف كيف تمّ تدميره.
قبل وفاته بأسبوعين، وبينما كان يصارع المرض، كتب كيلو وصيته "كي لا تبقوا ضائعين في بحر الظلمات". هي ليست مجرد نص عاطفي، بل برنامج سياسي أخلاقي مكثف يتكون من نقاط واضحة: "لا تنظروا إلى مصالحكم الخاصة كمتعارضة مع المصلحة العامة".
"لا تنظروا إلى وطنكم من خلال أهدافكم وأيديولوجياتكم، بل انظروا إليهما من خلال وطنكم".
"في وحدتكم خلاصكم... لن تصبحوا شعباً واحداً ما دمتم تعتمدون معايير غير وطنية وثأرية".
"لن يُحرركم أي هدف آخر غير الحرية فتمسكوا بها... أنتم الشعب وحده من صنع الثورة فلا تتركوا أحداً يسرقها منكم".
وإلى جانب ذلك دعا كيلو في وصيته السوريين إلى التمسك بقضية فلسطين والجولان كجزء من النضال الوطني، وبناء "عقد اجتماعي" يساوي بين المواطنين.
هذه الكلمات التي كُتبت قبل خمس سنوات، تبدو اليوم أكثر إلحاحاً، فسوريا بعد التحرير تواجه مخاطر الانقسام الطائفي والأيديولوجي، والانتقام، والتدخلات الخارجية.
يذكرنا كيلو الذي عاش الاستبداد وعرف ثمن المعارضة، في وصيته، أن الدولة ليست "هوية أيديولوجية"، بل تعبير عن "عموم الشعب".
رحل ميشيل كيلو قبل أن يرى دمشق حرة، لكنه لم يرحل عن الذاكرة السورية، كمعارض للاستبداد، وكاتب، مترجم، وسجين سياسي، ومفكر يؤمن بالحوار والديمقراطية. ترك مكتبة فكرية غنية، وتاريخاً من الصمود أمام نظام الأسدين، لكن أهم ما تركه، مع ذلك، هو تلك الروح الوطنية التي ترفض النظر إلى سوريا من خلال "ثقب المذهب أو الحزب أو المنطقة".
Loading ads...
في ذكراه الخامسة، ليس علينا فقط أن نستذكره، بل أن نستمع إليه، فالوصية ليست ماضياً، بل حاضر ينتظر منا أن نطبقه؛ وحدة وطنية، وتمسك بالحرية، وبناء دولة لكل السوريين. إذا فعلنا، نكون قد أوفينا له جزءاً من الدين، وأعطينا سوريا فرصة حقيقية للنهوض.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


