قلة من يصدّقون أن الاقتصادي الفعلي الأبرز السابق لنظام بشار الأسد قد تخلّى، منذ زمن طويل، عن الاعتماد الجاد على الحسابات الرياضية لصالح ماورائيات صار يؤمن بها بالاستناد إلى تأويلات مستمدة من تفسير رمزي باطني للنصوص المقدسة ومن الإشارات الإلهية والرؤى.
منذ أخذ رامي مخلوف بالظهور العام، عبر مقاطع مصورة يبثها عبر "فيس بوك"، كانت العلامات تتوالى على توجهه هذا، لكن السوريين لم يأخذوها على محمل الجد بسبب غرابة الفكرة، ولانشغالهم أكثر بالشقاق الذي حصل بينه وبين ابن عمته الرئيس وزوجته أسماء، رغم أن بعض المطلعين قالوا إنّ الخلاف ليس بعيداً عن هذا الموضوع في أحد وجوهه.
إذ لاحظت العائلة أن مشغّل أموالها بات يُغرق، سنة وراء أخرى، في عالمه المتخيل ويتخذ قراراته بناء عليه، فيما قيل إنّ رامي صار يرى، لسبب مستمد من المنظومة الميتافيزيقية نفسها، أن بشار طغى وخرج من "الولاية".
في ظهوره الأخير قبل أيام، أوضح رامي أنه مجرّد مبلّغ لأمر الإمام علي بن أبي طالب الذي وجّه أتباعه ليلزموا "أحلاس" بيوتهم، أي ألا يخرجوا منها، إذا أقبلت فتنة الشام، طالباً من العلويين أن يكفوا عن أي نشاط، سلمي أو مسلح..
يمكن العثور على مقدمات الحالة لدى محمد مخلوف، أبو رامي، الذي كان الاقتصادي الفعلي الأبرز لزوج أخته حافظ الأسد، ومن الشائع أنه كان، فضلاً عن خبرته في إدارة المال، كثير التردد على المنجّمين واستضافتهم وسؤالهم باهتمام عن تنبؤاتهم وطلب مشورتهم، لكن الأمر لم يتعدّ ذلك إلى حدود التدين، لدى الأب، في حين ظهرت علامات "التمشيخ" على ابنه الأكبر منذ شبابه المتأخر.
هكذا، في ظهوره الأخير قبل أيام، أوضح رامي أنه مجرّد مبلّغ لأمر الإمام علي بن أبي طالب الذي وجّه أتباعه ليلزموا "أحلاس" بيوتهم، أي ألا يخرجوا منها، إذا أقبلت فتنة الشام، طالباً من العلويين أن يكفوا عن أي نشاط، سلمي أو مسلح، خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2026، واعداً إياهم بالانفراج بعد ذلك إذا التزموا بالتعليمات الغيبية.
التحليل السياسي لكلام مخلوف تضييع للوقت إذاً، أو لنقل إنه مستوى ثالث أو رابع في نظر صاحبه نفسه، الذي يعتقد أنه -في أثناء بحثه الطويل- استطاع الحصول على نسخة أصلية من كتاب "الجفر" السرّي المبجّل لدى عموم طوائف الشيعة، المنسوب إلى الإمام علي، والذي يُقال إنه يتضمن نبوءاته عن وقائع المستقبل حتى ظهور المهدي وقيام الساعة.
ومن هذا الكتاب، كما أفاد بعض المقربين من "فتى الساحل"، بات يستمد رؤيته للقادم ويتصرف! وفي هذا السياق يرفض تحريك الشيخ غزال غزال للطائفة التي يرى أن عليها أن تهجع الآن بانتظار توافق دوليّ سيمنحها إدارة ذاتية في مناطقها، وهو ما يستعدّ له مخلوف، بالتنسيق مع اللواء سهيل حسن (النمر) على الأرض، لتجهيز كوادر عسكرية مؤهلة لاستلام مهامها في منطقة الساحل.
من جهته قال الأخير، في أحد التسريبات الصوتية التي بدأت قناة "الجزيرة" بنشرها، إنه "عسكري وأمني وسياسي ولكن رجل دين قبل السياسة والأمن والعسكرة"، في حين ينسب مطّلعون إلى العميد غياث دلا، الرجل الثالث في هذه المحادثة، الضابط السابق الشهير في "الفرقة الرابعة"، أنه أمر المجموعات المسلحة المرتبطة به بالانخراط في معارك آذار، والتي نتجت عنها مجازر كارثية، بناء على "رؤيا" لشيخ زاره في الحلم.
في مواجهة هؤلاء، وسواهم، تتصاعد شعبية "غزال" بشكل صاروخي بين العلويين، فقد سلّمت له أكثريتهم قبل أن تتراخى مواقف علمانيّيهم الذين كانوا يعترضون على تصدّر معمَّم للمشهد.
وفي تفسير ذلك من الملاحظ أنه لا يستخدم من الدين إلا بعده الرمزي الذي يحضّ على الثبات في الموقف ومواجهة التحدي من دون أي محتوى شرعي خاص، فضلاً عن التقاطه مزاج مخاطَبيه ومطالبته بما يريده هذا الجمهور من تحرك وسكون.
بخلاف رامي، الذي مُسِحت بكلمته الأخيرة الأرض بشكل لافت، حين انتقد "غزال" وطالب الجمهور بالركون في لحظة قريبة من الغليان.
انفكاك العلويين عن بشار سهل، إذ لم يكن شخصية مقنعة لأكثرهم منذ استلامه السلطة لكنهم احترموا السلالة، ثم بانت عيوبه أكثر في سنوات "الحرب" الطويلة التي خاضها بخراقة وغادرها مهزوماً..
في كل ما يجري بوادر يمكن البناء عليها لمستقبل سوريا، ربما كان أولها فوبيا الناطقين العلويين من مصطلح "الفلول" وسياقاته، مما دفع إلى إحراق صور بشار الأسد في أكثر من موضع خلال الاعتصامات التي دعا إليها "الشيخ غزال" قبل أسبوع، فضلاً عن اللغة الحازمة التي استخدمها مخلوف في وصفه بالهارب، وثانيها إصرار الأطراف الفاعلة الوازنة، باستثناء مجموعات مسلحة صغيرة مشتتة، على السلمية التي يكررها "غزال" في كلماته وطلبها مخلوف الذي يُعدّ، من منظوره، لتنظيم قوات محلية مرتبطة بالعاصمة دمشق.
والحق أن انفكاك العلويين عن بشار سهل، إذ لم يكن شخصية مقنعة لأكثرهم منذ استلامه السلطة لكنهم احترموا السلالة، ثم بانت عيوبه أكثر في سنوات "الحرب" الطويلة التي خاضها بخراقة وغادرها مهزوماً، وفي هذا السياق تبدو مخاوف كثير من أنصار الحكم الحالي، من محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، مبالغاً فيها ومضخّمة إلى حد بعيد.
عموماً يطلب العلويون اليوم -ما يزال يمكن تحقيقه- الأمان من القتل والخطف والإهانة، وحل للمشكلات المادية الناجمة عن تسريح العسكريين وبعض المدنيين من قطاعات متعددة، والتفاهم حول المعتقلين بتمييز المجرمين عن الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء، حتى أن المشاركة بحصّة من الحكم المركزي لا تبدو على سلم أولوياتهم الآن على الأقل.
Loading ads...
تجلّت هذه المطالب في لفظة "الفدرالية"، التي لا يعرف دعاتها ومناوئوها ما يكفي عنها ليناقشوه، فأعداؤها يرون أنها اسم متنكر للتقسيم أو مقدمة له، وأنصارها يستخدمونها كطريقة للقول: "حلّوا عنّا".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً
الاعتقال بوصفه جزءاً من هويتنا الوطنية
منذ ساعة واحدة
0
شعوب الله المختارة
منذ ساعة واحدة
0

