6 أشهر
"جارنا المحامي بينشر غسيل".. وصمة مجتمعية للرجل العامل في المنزل
الخميس، 27 نوفمبر 2025
شهدت السنوات الأخيرة دخولاً واسعاً للنساء السوريات إلى سوق العمل، في ظاهرة فرضتها الظروف الاقتصادية القاسية، وتوسّع معها القبول المجتمعي لعمل النساء خارج المنزل، لكن في المقابل، بقيت مشاركة الرجال في الأعمال المنزلية محاطة بنظرة ناقدة، لا تخلو من التهكم أو الاستهجان.
ورغم أن العائلات تكيفت مع تغيّر أدوار النساء عند الخروج إلى العمل، فإن تغيّر أدوار الرجال عند دخولهم إلى المطبخ أو الغسيل أو رعاية الأطفال ما زال موضع نقاش يومي في البيوت والشارع.
"صرت أشتغل أكتر من زوجي.. بس بالبيت بضل لازم كون الخارقة"
تجلس منى، وهي موظفة استقبال في شركة خاصة بدمشق، في استراحة عمل قصيرة وتروي تجربتها: "دوامي ثمان ساعات، والطريق من وإلى العمل يستهلك أكثر من ساعتين، غالباً أعود منهكة تماماً من العمل.. لكن إعداد الطعام والغسيل والنظام والبنات، كل هذه مسؤولياتي لوحدي"
تقول إنها تحاول التنسيق مع زوجها في بعض الواجبات، لكن مشاركة زوجها تبقى "سرية": "مرة طلع على البلكون نشر الغسيل، سمع تعليق من الجيران: جارنا المحامي بينشر غسيل! من يومها ما عاد كررها".
تضيف:
"المؤسف أن الفتيات اللواتي علقوا ذلك التعليق أصبحوا يتهمونه بفشله في العمل.. من منطلق لو فلح بالمحاماة لما توجه لنشر الغسيل.. محامي الغسيل.. "
بين ضغط العيش ونظام قيمي يتغيّر ببطء
تشرح أريج، وهي باحثة اجتماعية في اللاذقية، هذا المشهد المركّب بلهجة الواثق من تشريح الظواهر:
"عمل المرأة خارج المنزل لم يعد خياراً، بل صار ضرورة تفرضها الظروف الاقتصادية. والضرورات قادرة على إعادة تشكيل القناعات مهما بدا المجتمع متماسكاً."
تضيف:
"المشكلة أنّ هذه التحوّلات لحقت بالمرأة وحدها تقريباً. توسّع دورها الاقتصادي والاجتماعي بسرعة كبيرة، بينما ظلّت النظرة إلى أدوار الرجل شبه جامدة. المجتمع يسمح للنساء بتغيير حياتهن حين تُجبرهنّ الظروف، لكنه لا يمنح الرجال المساحة نفسها ليعيدوا ترتيب علاقتهم بالمنزل أو العمل المنزلي من دون أن ينهال عليهم بوابل من الأحكام."
وتضيف بنبرة تحمل شيئاً من الحذر:
"نحن في مرحلة انتقالية غير متوازية. المرأة تغيّرت لأنها اضطُرت، والرجل لم يتغيّر لأن المجتمع لا يزال يحرس صورة الرجولة القديمة، كأنها أثر مقدّس. أي محاولة من الرجل لإعادة توزيع الأدوار تُقرأ فوراً كتنازل، أو ضعف، أو خروج عن السِرب."
أبو جورج: أعباء البيت للمرأة.. والرجال مكانهم خارجه
في إحدى حارات جرمانا، يعمل أبو جورج هو وزوجته في محل صغير لبيع المواد الغذائية يبعد أقلّ من دقيقتين عن منزلهما. شريكان في الدخل، لكن الأعباء المنزلية تسير في اتجاه واحد.
يقول أبو جورج، وهو يرتّب بعض البضائع على الرفوف:
"نذهب معاً إلى المحل صباحاً، ثم تترك زوجتي المحل في منتصف النهار لتطبخ وتنظف المنزل، وبعد أن يتناول الجميع الغداء في المحل، أذهب أنا للمنزل لأنام ساعة ثم أعود للعمل."
ويضيف أبو جورج بنبرة تحمل بعض الاستغراب: "العمل في المنزل شيء للنساء فقط، والرجل له دوره خارج البيت. هذا هو عرفنا وعاداتنا، ولا أظن أن المجتمع يقبل أن يرى الرجل يشارك في أعمال المنزل."
ويختم حديثه مؤكداً أن "الرجولة مرتبطة بالصورة التي يقدمها الرجل في الشارع وفي نظر الناس، لا أستطيع أن يراني الناس وأنا أجلي أو أشطف، هذا محرج وغير لائق مطلقاً."
نساء يعملن بدوامين.. وأدوارهن المنزلية ثابتة
من مدينة حلب تروي هيام، موظفة وأم لطفلين، تجربتها قائلة: "اشتغلت دواماً إضافياً بعد الظهر، وصار دخلي أعلى من دخل زوجي، لكني لم أشعر يوماً أن مسؤولياتي في البيت قد خفّت أو تراجعت. بالعكس، كلما زاد عملي، شعرت بضغط أكبر لأثبت أنني لم أتغير ولم أتخلَّ عن واجباتي المنزلية."
وتلفت هيام إلى أن الرجال الذين يساعدون زوجاتهم في الأعمال المنزلية كثيراً ما يواجهون نقداً ورفضاً اجتماعياً، فيما تدفع النساء العاملات ثمن غيابهن عن البيت، حيث يتوقع منهن أن تكون الحاضنة الأساسية.
تقول هيام: "الجميع يدفعون ثمن هذا التوازن الصعب، الرجال بسبب نظرة المجتمع، والنساء بسبب تداخل الأدوار والضغط المتواصل."
تقول شذى، وهي صحفية من السويداء: "رأيت كثيرًا من الرجال يتعاونون مع زوجاتهم بتقسيم أعباء المنزل، لكنهم لا يتحدثون عن ذلك. يخفون الأمر لأنهم لا يريدون أن يراهم أحد أو يتحدث عنهم."
وتضيف: "يتصور المجتمع أن الرجل إذا دخل إلى المطبخ يفقد هيبته، بينما لا يشعر أحد أن المرأة تخسر شيئاً إذا عملت لأربع عشرة ساعة خارج المنزل وداخله في يوم واحد".
أيهم: مصلحة الأولاد فوق كل اعتبار
يقول أيهم، رب أسرة من دمشق:
"لستُ معارضاً لعمل زوجتي خارج المنزل، فهي تتعب وتسعى لتوفير حياة كريمة لأبنائنا.
لكن الأهم بالنسبة إليّ هو راحة الأسرة واستقرارها.
حين أُعينها في مهام البيت، لا أُقدم معروفًا، بل أُهيئ جواً هادئاً لأولادنا لينشأوا في بيئة آمنة ومستقرة.
قد يَنظر المجتمع إلينا نظرة قاسية، ولكن حين تتعلّق الأمور بمصلحة أبنائنا، لا بد أن نتجاوز هذه الأحكام ونعمل معاً.
Loading ads...
التربية والمسؤولية لا ينبغي أن تقع على عاتق امرأة أو رجل فقط، بل هي واجب الجميع."
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


