يبدو العام الأوّل في سوريا بعد "الأسد"، أقرب إلى أنّ يكون مرآة عاكسة لأعماق أزمة هوياتية سورية كانت مؤجلة أو مسكوت عنها وانفجرت في وجه السوريين مرة واحدة.
ولا شك أنّ للسوريين الكثير ليتأملوه في العام الجديد، بعد أن ودّعوا عاماً يُعتبر الأوّل منذ 14 عاماً، الذي كاد أن يخلو من البراميل المتفجرة والغارات الجوية لولا تلك الإسرائيلية.
وبالرغم من أنّ 2025 كان هو العام الأوّل من دون "الأسد"، إلا أن إرثه الثقيل ظل يقض مضاجع السوريين طوال العام، إرث من الطائفية المؤدلجة والجغرافيا المتمردة واقتصاد يترنح تحت وطأة نسبة فقر بلغت 90% وفق تقديرات أممية (OCHA) صدرت في شباط/فبراير الماضي.
المدينة التي احتضنت الثورة السورية الكبرى ضد المحتل الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي، تبدو اليوم تائهة بين دعوات تطالب باللامركزية والانفصال عن الوطن الأم..
وإن كان العالم يحتفل في نهاية هذا العام بإنجازات غير مسبوقة في مجالات التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي، فإنّ سوريا تبدو قلقة على أعتاب عامها الجديد أمام دعوات التقسيم والتفكك وإسرائيل المتربصة جنوباً.
جغرافيا ممزقة.. السويداء من جبل العرب إلى دولة الباشان!
لطالما ارتأى كثيرون توصيف السويداء بأنّها المدينة ذات الخصوصية، ولكن يبدو أن تلك الصفة لم تعد مجرد شعار، بل تحوّلت إلى نمط حياة، وإن كانت الروايات حول بداية الشقاق تتعدد وتختلف بحسب راويها، إلا أنّ المشهد الختامي يبدو كافياً لتلخيص ما حدث في يوليو/تموز 2025.
فالمدينة التي احتضنت الثورة السورية الكبرى ضد المحتل الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي، تبدو اليوم تائهة بين دعوات تطالب باللامركزية والانفصال عن الوطن الأم، وبين محاولات خافتة للتهدئة حذّرت من الاستلقاء في ظل الحماية الإسرائيلية، وطرف ثالث نزع عن المحافظة سوريتها، دعوات الانفصال انتهت بإعلان دولة الباشان، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بدعم مسموم من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
وما بين هذا وذاك كانت النتيجة شقاقاً كبيراً وقع بين السوريين بهذا الشأن، واغتنمت اسرائيل الفرصة بعد أن قرّرت فجأة أنها حامية الدروز وأن قصف ساحة الأمويين في دمشق واحتلال أراض جديدة في سوريا هو "ضرورة لحماية الأقليات"، في مشهد جعل السوريين يتساءلون: "منذ متى أصبحت تل أبيب خالاً حنوناً للدروز؟"، في حين أصبحت "دولة الباشان" تبدو وكأنها مشروع كانتون طائفي برعاية طائرات "إف-35" ولا يمر إلا عبر تدمير سوريا.
الساحل.. بين الولاء للدولة ودعوات "يائسة" من موسكو
أما في الساحل السوري، الذي كان يراقبه الجميع ويترقبون اندلاع حرب أهلية فيه، فقد خيّب آمال هؤلاء المراهنين مع اختيار معظم أبنائه الولاء لسوريا، وبدت الأحداث المؤسفة التي عاشها الساحل في مارس/آذار 2025 عينة مما كان يمكن أن يحصل لو حدث الصدام، الذي يحرّض ويسعى إليه بعض أركان نظام الأسد من مخابئهم في روسيا ولبنان، كما كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير لها عن شبكات التمويه التابعة لما تبقى من الحرس القديم.
ولكن تعامل الحكومة السورية مع أبناء الطائفة العلوية في الساحل وفي أرياف حمص وحماة، خلال العام المنصرم، اتسم بكثير من الحيرة والعشوائية، وفقدان السيطرة على بعض العناصر التي سمتها بـ"المنفلتة"، ورغم الهدوء الظاهر إلا أنّ الأمر لا يخلو من دعوات خرجت للتمرد على الحكومة ومطالبات باللامركزية انضم فيها أصحابها إلى الشيخ حكمت الهجري في السويداء و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في الجزيرة السورية شمال شرقي البلاد، ولكن بقيت أصواتها أضعف من أن تؤثر على الطائفة بكليتها، خصوصاً أن الطائفة العلوية لا تتبع لرموز دينية ذات تأثير حقيقي.
"قسد".. مفاوضات ومفاوضات ومفاوضات
بالانتقال إلى محافظات الجزيرة السورية الثلاث، الرقة والحسكة ودير الزور، نجد ملف "قسد" ما يزال واقفاً عند اتفاق مارس/آذار 2025، الذي وقّعته "قسد" مع الحكومة السورية، في حين مضت الأشهر اللاحقة في مفاوضات بلا نتيجة وتصريحات إعلامية حول التمسك باتفاق لم ينفذ منه أي بند حتى الآن، وبما أنّ الشيطان يكمن في التفاصيل وبعد كل هذه المفاوضات واللقاءات يبدو أن "اتفاق آذار" مليء بهذه الشياطين.
ففي حين تريد دمشق دولة واحدة بجيش واحد، تريدها "قسد" دولة واحدة بجيوش كثيرة، وبين الشيخ مقصود في حلب وحقول النفط في دير الزور، التي يقدّر إنتاجها بنحو 150 ألف برميل يومياً، يبدو أن اللامركزية التي تنادي بها "قسد" تعني: "خذوا أنتم العلم السوري، واتركوا لنا دفتر الشيكات".
إسرائيل.. سهم "الباشان" أصبح احتلالاً
ومتابعة للمشهد السوري السوريالي، لا بدّ من التذكير بأنه لم يمر أسبوع تقريباً خلال 2025 من دون جولة أو جولات لطائرات الاحتلال الإسرائيلي فوق سوريا، وكانت إسرائيل شنّت بداية عملية عسكرية سمتها بـ"سهم الباشان"، عقب سقوط "الأسد" في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، نفذت خلالها مئات الغارات على قواعد ومستودعات عسكرية كانت تابعة لنظام المخلوع وإيران.
ويبقى السؤال الأهم: أين المواطن السوري وحياته اليومية في ظل هذه الجغرافيا المتشظّية؟
ولكن العملية تطورت إلى اعتداءات شبه يومية واحتلال عدة مناطق على طول الحدود مع الجولان المحتل، وتوسعت عمليات الاحتلال لتشمل خطف المواطنين السوريين، والدخول والتجوال داخل الاراضي السورية بحرية، وفي حين أكد قادة الاحتلال أنهم لا يعتزمون احتلال أراض جديدة، فإنّ القواعد العسكرية التي أقامها جيش الاحتلال في تلك المناطق تنبئ بخطر فقدان سوريا للمزيد من الأراضي.
سوريا: جغرافيا ترفض الاستقرار
لا شك أن المواطن السوري هو البطل الأبرز في 2025، فهو الذي اجتاز كل ما حدث في هذه السنة الطويلة والمتخمة بالأحداث متمسكاً بتفاؤله وبقدرته على البقاء والبناء، وظل يبحث عن ملامح حياة بين ساعات تقنين الكهرباء وتذبذب سعر الدولار موعوداً بانفراج قريب بعد رفع العقوبات.
وعندما لا يستطيع المواطن معرفة ما هو التهديد الأكبر: أهو في المروحيات الإسرائيلية المحملة بالأسلحة فوق السويداء أم قافلة مليشياوية من الفلول على طريق اللاذقية أو ربما في الجار، الذي يمكن أن يدخل على المنزل المجاور لارتكاب جريمة طائفية، فإنّ الحياة تتحوّل إلى متاهة مليئة بالفخاخ.
ينتهي عام 2025 وسوريا "لامركزية" في كل شيء إلا في الألم والتضخم، الجميع يريد أن يحكم نفسه، والكل يتطلع إلى دمشق ليحملها مسؤولية الفشل..
لكن وكما يقال فإنّ "إرادة الحياة تتغلب على كل شيء" ولعل هذه المقولة هي ما يفسر اندفاع مئات آلاف السوريين إلى الساحات والشوارع في 8 كانون الأوّل/ ديسمبر الفائت، للاحتفال بمرور عام على سقوط "الأسد"، ولعل تلك الجموع تقدم إجابة لكل الأسئلة حول مستقبل بلد يتنازعه الأمل ببدء حياة جديدة وآمال أخرى تبحث عن صيغ وعناوين لترسيخ زعامتها حتى لو أدى ذلك للانفصال وحروب متنقلة.
Loading ads...
ينتهي عام 2025 وسوريا "لامركزية" في كل شيء إلا في الألم والتضخم، الجميع يريد أن يحكم نفسه، والكل يتطلع إلى دمشق ليحملها مسؤولية الفشل، وفي "بورتريه" هذا العام، تظهر سوريا كجسد يحاول أطرافه المشي في اتجاهات مختلفة، في حين الرأس يحاول إقناعهم بأن "الطريق واحد".. حتى لو كان هذا الطريق مسدوداً بغارة إسرائيلية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

